; عام جديد.. هو لك عمر جديد | مجلة المجتمع

العنوان عام جديد.. هو لك عمر جديد

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2008

مشاهدات 50

نشر في العدد 1832

نشر في الصفحة 52

السبت 27-ديسمبر-2008

لابد لنا من وقفات لنأخذ العبرة من العام الماضي والاستعداد للقادم

مع هلال كل شهر وإشراقة كل يوم تأتينا رسالة بأن أوراق العمر تسقط

مع إشراقة كل شمس وغروبها .. ومع ميلاد كل هلال وأفوله .. تأتينا العبرة ويكون الدرس.. ليربو إيماننا ويزيد ولقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فحثنا على النظر في ملكوت الله تعالى، ودعانا من خلاله إلى التفاعل مع الكون من حولنا والعيش مع أحداثه بقلوبنا، فكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى الهلال قال: «اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام ربي وربك الله هلال رشد وخير» (رواه الترمذي).

ومع إطلالة العام الجديد، واحتفاء الناس بدخوله عليهم، وحلوله وقدومه بين أيديهم، يستقبلون في الحقيقة ضيفًا وافدًا زائرًا لهم، وهو مغادر لهم عما قريب، كغيره من أشباهه السابقين من الأيام والليالي والأعوام والسنين حين أشرقت شموسها علينا وأقبلت مع مقدمها الأحلام والآمال وأطلت أهلتها فهلت في النفوس الأماني والأمنيات تحقق منها ما تحقق وضاع منها الكثير!!

مضي الأيام فهذا محروم يرجو العطاء ومجروح يطلب المواساة، وذاك طريد يبغي العودة ومستضعف ينشد النصرة، وهنا ضياع شعب واحتلال أرض، وهناك سفك دماء وهتك عرض! ومع ذلك لم تتمهل السنون في رحيلها، ولم تقف الأعوام عند أحداثها، بل الكل يغذ سيره للرحيل مخلفًا وراءه ما كسبته الأيدي والأنفس من خير وشر والحلو والمر همت في الرحيل عن عالمنا ومضت لكن إلى غير رجعة، فما مضى من الأيام لا ولن يعود .. في هذه اللحظات يتقلب الإنسان بين أنواع متعددة من نعم الله عز وجل وهي تغمره، قلما يتفكر فيها بصدق ربما مع غرور المهلة وتكرر الفرصة، وإلف النعمة، أو الوقوع في المعصية، وكان الأجدر بذلك المخلوق الضعيف والأجدى له أن تتحول إلى لحظات طيبات يقضيها في عبادة التأمل، ويقطعها في ممارسة رياضة الروح بالتفكر. 

وقفات لا بد منها

لذا لا بد لكل منا من وقفة وراء وقفة وأن يعتبر عبرة من بعد عبرة، ففي ساعة أفول عام وموته يولد عام آخر جديد، تمامًا كما يموت إنسان أو أكثر في حين يستهل مولود صارخًا صرخة الحياة ملتقطًا أولى أنفاسه فيها .. يموت أناس يلفهم الصمت والسكون، بينما يولد آخرون يصرخون صرخة الحياة.. فيتداخل الموت مع الحياة ويتعانقان معًا ليرسما شبكة متداخلة الظلال متشابكة الخطوط يختلط فيها مع حركة الحياة سكون الموت، ومع صخبها وضجيجها هدأته ووحشته، ويمتزج نور الحياة فوق ظهر الأرض مع ظلمة القبور تحتها. 

ومع حلول دنيا البلاء والاختبار للمواليد الجدد يكون انتهاء الوقت وزوال العذر وانتظار النتيجة لمن رحل.

رسالة الأيام

وها نحن نستقبل عامًا جديدًا يهل علينا هلاله وتطل علينا شمسه فما هو المغزى من تلك الإطلالات من الأهلة والشموس التي تضيء حياتنا بالنور المحسوس أو الضياء الملموس، ثم لا تلبث أن تأفل وتغيب.. 

 إننا مع هلال كل شهر ومع إشراقة كل يوم تأتينا رسالة تبثها الأيام لي ولك ولكل إنسان على وجه هذه البسيطة؛ بل ولكل مخلوق فهمها أم لم يفهمها، إن في كل حركة من ليل أو نهار تمر عليك أيها الإنسان خطابًا موجهًا إليك أنت خاصة فهل تعي هذا الخطاب وتعرف مضمون الرسالة، وكأني بالقمر الجميل يراسلك فيدعوك لتنظر إليه، ويناديك من بعيد: فهل تراني أيها الإنسان؟ إن بيني وبينك بعض التشابه ولو قل، فأنا مخلوق وأنت مخلوق وكلانا يولد ضعيفًا رقيقًا، ويتحول من حال الضعف إلى القوة والاكتمال، ثم يأخذ بعد في النقصان.

وكأني بالشمس هي الأخرى تستنطقنا لنفيق، وتدعونا للنظر والتأمل وقت الشروق، حين تشرق ضعيفة ثم لا تلبث أن تتوهج شيئًا فشيئًا فتملأ الأفق حتى ينطق كل ما حولها بالنور. وها هي تعلو وتشتد فإذا ما اجتمع لها شدة الحرارة وحرارة الضياء والعلو والظهور، يحين الموعد لتبدأ في شد الرحال رويدًا رويدًا عند الغروب إلى عالم آخر من الأحياء، ويخلفها القمر ليلًا في السماء وكذا في النور وليس في الضياء…

بداية ونهاية

إن لكل شيء في الحياة بداية، كما أن له أيضًا نهاية، وما ظهرت الشمس وأشرقت في أول النهار إلا لتغيب في آخره، وما أهل القمر وظهر إلا ليأفل ويغيب، وسبحانه وتعالى الخالق كل ذلك بأمره وتقديره إلى أن يأتي اليوم الذي يموت فيه كل مخلوق ويكون الملك للخالق وحده الحي الذي لا يموت.

فهل فكرت يومًا أيها الإنسان في هذه الحقيقة وأنت تستقبل سني عمرك يومًا بعد يوم وشهرًا تلو شهر وعامًا عقب عام أما استهوتك فأوقفتك قصة الحياة والموت التي تمر بها وتتكرر كل يوم حين تنقضي الأيام ولا تعود، أما فكرت في دورة الحياة الدنيا وهي تدور بي وبك كما تدور الأفلاك وفي كل دورة تذهب بالأنفاس، والساعات، والليالي والأعوام؟ أما تذكرت الحقيقة الكبرى التي يمر بها كل مخلوق ويذوقها كل إنسان وتشرب كأسها كل نفس؟ ببساطة فأنت تعيش لتموت، وتموت لتحيا، فانظر كيف تعيش وعلى أي حال تموت، فشتان بين عيش وعيش ولا مقارنة بين حياة وحياة...

إن كثيرًا من الناس نسوا في زحمة الحياة ومشاغلها، أو تناسوا مع مرور الأعوام وإلف انقضائها، وفي غمرة الاحتفالات المقامة لاستقبال كل عام جديد واستضافة سنة أخرى من أعمارهم، نسوا أنهم يطوون صفحة من أجالهم ختم فيها على الأفعال والأعمال، وشهد فيها على النيات والأقوال، ثم يستقبلون ضيفًا يمكث فيهم قليلًا لا يلبث بعدها أن يرحل عنهم أو يرحلوا هم عنه .. أما استشعروا حين أضاءوا شموع الفرح وأتبعوها بالصخب والضوضاء أنهم يطفئون مع كل شمعة نور الحياة التي هي في نقصان فهل يحتفي المرء بنقصانه وقرب رحيله وطمس عنوانه؟!

سلامة الروح والبدن: وحتى لا تلقي بنا الغفلة بعيدًا عن الطريق أو تتركنا نسير في التيه، فلنتذكر حين يهل علينا هلال جديد وعام جديد دعاء نبينا الأمين: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله.. فما معنى الحياة بلا سلامة ولا إسلام؟ إن الخير كله في سلامة الدين وسلامة العقيدة، في سلامة الروح وسلامة البدن في سلامة المعيشة وسلامة الجوار، سلامة الأخوة وسلامة الأهل والأحباب، وما قيمة الحياة من غير إسلام؟ إسلام القلب لله بالدين الخالص وإسلام الجوارح لموجدها بالطاعة والانقياد، وما طعم الحياة إن فقدت الأمن والأمان في الدنيا من ظلم الظالمين وعبث الحمقى وأذى الحاقدين؛ إذ يصير الإنسان خائفًا مطاردًا مكبوت العواطف مقيد الجوارح أسير القلب وربما البدن، قد استحالت حياته إلى غابة مليئة بالوحوش وما أهمية أن يحيا الإنسان ويأكل ويشرب وهو يفتقد الأمن مع ربه إذ يبارز مولاه وخالقه بالعصيان.

ألا وإن الحياة الدنيا حين تجتمع فيها القيم العالية لهي حياة راقية وإن قلت تلك فيها الأعمار وفنيت، وما أجملها حين يظللها الأمن مع الله ومن بعد ذلك مع النفس ومع الناس فتهدأ تلك النفوس وتركن إلى جنابه العزيز، فإذا بها مطمئنة.

فلنقل معا في عامنا الجديد كما قال نبينا -صلى الله عليه وسلم-:  «ربي وربك الله، هلال رشد وخير»... نعم.. ربنا وربك الله الذي أحيانا وأوجدنا من العدم.. ربنا وربك الله الذي قوانا من ضعف، ونمانا من بعد صغر .. ربنا وربك الله الذي يميتنا من بعد الحياة.. ربنا وربك الله الذي يحيينا في يوم لا ريب فيه... ربنا وربك الله الذي جعل لنا هدفًا وغاية في الدنيا فأوجدنا فيها وسخرها لنا إلى حين.

ولنتبع سُنته -صلى الله عليه وسلم- في ذلك، فقد جاء عن عبد الله بن هشام قال: كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتعلمون هذا الدعاء إذا دخلت السنة أو الشهر: «اللهم أدخله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، ورضوان من الرحمن وجواز من الشيطان» (رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن).


الرابط المختصر :