; تقرير إستراتيجي صهيوني: مصر تفرغ «اتفاقية السلام» من مضمونها | مجلة المجتمع

العنوان تقرير إستراتيجي صهيوني: مصر تفرغ «اتفاقية السلام» من مضمونها

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 15-يونيو-2013

مشاهدات 32

نشر في العدد 2057

نشر في الصفحة 36

السبت 15-يونيو-2013

يوم الجمعة 30 مايو ۲۰۱۳م، نشر مركز بحوث الأمن القومي، بجامعة تل أبيب، تقريرًا إستراتيجيًا حول «مستقبل السلام بين إسرائيل ومصر» في ظل حكم الإخوان، أعده «أفرايم كام»، عبارة عن «تقدير إستراتيجي لإسرائيل للعامين ۲۰۱۲ - ۲۰۱۳م»، كان من الواضح أنه يسعى للإجابة عن أسئلة من مثل: هل ستحارب مصر «إسرائيل» في ظل حكم الإخوان الذين يبنون عقيدتهم «الإسلامية» على كراهية «إسرائيل»؟ وهل سيتم إلغاء اتفاق السلام بين البلدين؟ وهل التحول الذي جرى على مصر منذ عام ۲۰۱۱م والذي لم يتبلور بعد سيؤثر على مستقبل العلاقات بينها وبين «إسرائيل»؟

الجماعات الجهادية في سيناء قد تجر الجيشين المصري والصهيوني لحرب لو قامت بعمليات داخل الكيان الصهيوني 

ما لفت نظري في هذا التقرير الإستراتيجي، هو أنه رغم اعتراف الكيان الصهيوني أن حكومة الرئيس «مرسي» تحرص على التهدئة مؤقتا؛ لأنها غير جاهزة لحرب الآن معه، ومشغولة بأوضاعها الداخلية؛ أن مركز بحوث الأمن القومي الصهيوني توصل لخلاصة مفادها أن «مرسي» يفرغ اتفاق السلام من مضمونه تدريجيًا، وأن علاقات السلام بين مصر و«إسرائيل» ستكون مختلفة في فترة حكم الإخوان عما كانت عليه في فترة حكم «مبارك».

ما لفت نظري أيضًا هو تأكيد التقرير أن عددا من التغييرات قد بدأت على طبيعة العلاقات بين القاهرة وتل أبيب في ظل حكم الرئيس «مرسي».. فقد أصبح النظر إلى الكيان الصهيوني في الخطاب العام في مصر أكثر عداءً، ولا يجري الرئيس «مرسي» محادثة مباشرة مع هذا الكيان، ويُشك في أن يجريها في المستقبل، وتطالب أصوات كثيرة في مصر بتعديل اتفاق السلام، ويوجد من يطلبون بإلغائه، وتضاءلت علامات «التطبيع» أكثر، بحسب التقرير. 

وفيما يلي نص التقرير الصهيوني الذي كتبه «أفرايم كام» مع اختصارات بسيطة: 

كان لتوجه دولة «إسرائيل» نحو علاقات السلام بمصر منذ إنشائها، وجهان دائمًا، فقد كان السلام مع مصر يُرى من جهة كنزًا إستراتيجيًا من الطراز الأول بالنسبة ل إسرائيل»؛ لأنه أخرج مصر من دائرة الحرب مع «إسرائيل»، وأزال بذلك خطر الحرب مع دول عربية أخرى أيضًا، وأثر تأثيرًا إيجابيًا في علاقاتها بالعالم العربي والإسلامي، ومنحها حرية عمل أوسع في المنطقة.. وتوقعت «إسرائيل» - من جهة أخرى - أن تصب مصر مضمونًا أكثر حقيقية في إطار تطبيع علاقتيهما وخاب ظنها، فقد بقي السلام بين الدولتين باردًا وبقي تطبيع علاقتهما محدودًا، وكان ذلك بقدر كبير؛ لأن مصر لم ترد أن يتطور.

 إن التحول الذي جرى على مصر منذ عام ۲۰۱۱م والذي ما زال في صيرورة ولم يتشكل بعد؛ يثير استفسارات كثيرة تتعلق بمستقبل العلاقات بينها وبين «إسرائيل».. إن تولي جهة عظيمة القوة للحكم في مصر توجهها الأساسي له إسرائيل» عدائي عقائديًا وعمليًا يثير شكوكًا شديدة في عناصر السلام التي ستبقى في العلاقات بين الدولتين، فتريد هذه المقالة إذا أن تفحص عن العوامل التي قد تؤثر في علاقات السلام بين «إسرائيل» ومصر، وعن الاتجاهات التي ستتجه إليها هذه العلاقات.

قاعدة صلبة لكنها ضيقة

صيغ نظام العلاقات بين «إسرائيل» ومصر في عهد حكم «مبارك»، وأثبتت على مر السنين نفسها باعتبارها تقوم على قاعدة صلبة ثابتة وقد حرص الطرفان منذ تم التوقيع على اتفاق السلام بينهما على عدم مكوثه حتى في فترات اختلافات وتوترات بينهما، وأوضحا أن لهما مصلحة جوهرية في بقائه، عرفت مصر لا «إسرائيل» فقط السلام بين الدولتين بأنه كنز إستراتيجي وكانت نتيجة ذلك أن نشأ عند الطرفين على مر الزمن قدر من الثقة باستمرار اتفاق السلام واستقراره ولم يظهر عامل يزعزعه. 

لكن تطبيع العلاقات بين الدولتين لم يتطور كثيرا، وقد اشتمل في الأساس على اتصالات محدودة بين قيادتيهما، وعلى إنشاء سفارتين فيهما، وعلى افتتاح خطوط مواصلات وحركة مواطنين بينهما، وبخاصة من «إسرائيل» إلى مصر، وقليل من العلاقات الثقافية، وتركزت الاتصالات في المستويات العليا بين الدولتين في أيدي «مبارك» ورجاله، وتم التعاون الأمني بين الجيشين ولم يكن للمندوبين «الإسرائيليين القدرة على الوصول إلى الوزارات وإلى «مجلس الشعب» وإلى وسائل الإعلام في مصر. 

وبعد أن استولت «حماس» على قطاع غزة، والتي يراها نظام «مبارك» جهة معادية مهددة وذراعًا إيرانية اتسع التعاون الأمني بين الدولتين، ولا سيما فيما يتعلق بما يجري في القطاع وسيناء، لكن هذه التحسينات لم تؤثر في جملة العلاقات بينهما التي بقيت محدودة وباردة وانخفض التصدير المصري إلى «إسرائيل» الذي ارتفع في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي انخفاضًا كبيرًا منذ عام ٢٠٠٠م، ولم يبلغ الاستيراد من «إسرائيل» قط قدرا ذا شأن. 

مصر ستلغي اتفاقية السلام لو دخلت أي قوات صهيونية لسيناء بحجة تتبع عناصر جهادية

توجد ثلاث قوى رئيسة تؤثر في الأساس في مستقبل العلاقات بين مصر والكيان الصهيوني

دفعت عدة أسباب «مبارك» إلى الحد من «التطبيع» مع «إسرائيل» وكان أهم اعتبار وضع مسيرة السلام «الإسرائيلية» العربية ولا سيما في القناة الفلسطينية.. إن عدم وجود حل للمشكلة الفلسطينية أثقل على مصر أيضًا؛ لأنها شعرت بأن «إسرائيل» ضللتها ولم تف بنصيبها المتعلق بالقناة الفلسطينية الذي التزمت به في إطار اتفاق «كامب ديفيد» الذي تم التوقيع عليه بينهما قبل التوقيع على اتفاق السلام، ولهذه الأسباب استعملت مصر العامل الفلسطيني للضغط على «إسرائيل» للتقدم في مسار السلام مع تأكيدها أن تطبيعًا كاملًا معها سيكون ممكنًا فقط بعد إحراز سلام شامل بين «إسرائيل» والعرب.

الإخوان عقبة

كان هناك اعتبار مهم آخر في نظر مصر؛ هو العوامل القسرية الداخلية؛ لأنه يوجد توجه سلبي في أوساط مهمة في مصر نحو السلام مع «إسرائيل» وتوسيع العلاقات معها، وأبرز هذه الأوساط كانت الاتحادات المهنية التي كانت تخضع لتأثير منظمات إسلامية وجهات يسارية وناصرية والمجموعات الإسلامية وعلى رأسها «الإخوان المسلمون»، وأحزاب المعارضة، وفريق من المثقفين، وطلاب الجامعات الذين كان للمنظمات الدينية والجهات اليسارية تأثير كبير فيهم.

 إن أسباب تحفظ هذه الجهات من السلام مع «إسرائيل» مختلفة، وقد رفضت الجهات الإسلامية وفي مقدمتها «الإخوان المسلمون»، والمؤسسة الدينية، مبدئيًا وجود «إسرائيل»؛ لأنها رأتها نبتة غريبة غرسها الاستعمار الغربي في أرض مسلمة. 

ويوجد من الجهة الأخرى الاعتبار الأمريكي، فقد كانت الإدارة الأمريكية طرفا في اتفاق السلام، ومنحت مصر مساعدات مالية سنوية ثابتة وكانت لها علاقات قريبة بها تشمل العلاقات في المجال العسكري ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية أرادت توسيع «التطبيع» في العلاقات بـ«إسرائيل» وشجعته، ولم تستطع مصر تجاهل الموقف الأمريكي، لكن كان للاعتبار الأمريكي تأثير محدود فقط في العلاقات مع «إسرائيل» وكانت مساعدته على منع تدهورها أكثر من مساعدته على الدفع بها قدمًا، ولم يتم الوفاء بكثير من الوعود المصرية للإدارة الأمريكية في عهد «مبارك» بتحسين العلاقات مع «إسرائيل».

وقد تقدم «التطبيع» في المجال الاقتصادي التجاري أكثر من تقدمه في مجالات أخرى عبر رجال الأعمال، واستمرت مصر في نقل النفط الذي التزمت بأن تزود «إسرائيل» به في إطار «اتفاق السلام»، وفي عام ٢٠٠٥م وقعت على اتفاق لتزويد «إسرائيل» بالغاز الطبيعي، وصدورًا عن هذا التوجه وقعت «إسرائيل» ومصر في ديسمبر ٢٠٠٤م على اتفاق يتعلق بتخصيص مناطق صناعية معترف بها من أجل إنتاج مشترك لمنتوجات بين «إسرائيل» ومصر، وتصديرها إلى الولايات المتحدة، بحسب اتفاق «التفضيل الضريبي».

تأثير التغييرات المصرية

إن هذه العوامل على نحو عام التي شكلت علاقات السلام بين مصر و«إسرائيل» في عهد «مبارك» - وبخاصة التحفظ من الدفع قدما بالتطبيع في مصر بإزاء اعتبارات اقتصادية وأمنية ودور الولايات المتحدة - ستظل تؤثر فيها إيجابًا وسلبًا في عهد النظام الجديد أيضًا، لكن التغييرات التي طرأت على صورة وعناصر الجهاز المصري منذ عام ٢٠١١م قد تؤثر تأثيرًا سيئًا في العلاقات بين مصر «وإسرائيل»، ويجب أن نقول مع ذلك: إن اهتزاز النظام الداخلي في مصر لم ينته بعد، ويتوقع أن يستمر صياغة نظام القوى والعلاقات بينها زمنًا طويلًا، ويتم بصراع بين القوى المختلفة ومازالت نتائجه النهائية وتأثيراته في العلاقات بـ«إسرائيل» غير واضحة إلى الآن. 

توجد في مصر مراكز قوى تمثل ثلاثة تغييرات، وستؤثر في الأساس في مستقبل العلاقات بين مصر و«إسرائيل»

 مصر مجبرة بعد الثورة على التعامل مع الصهاينة في سلام بسبب الصراع الداخلي والضغوط الأمريكية. ولكنها ستثور على «إسرائيل» بعد أن تبني قواعدها الداخلية وتقوّيها

١- أصبح «الإخوان المسلمون عامل القوة السياسي المركزي في مصر، وهم يسيطرون على الحكومة وعلى البرلمان «إلا إذا غيَّرت الانتخابات الجديدة المتوقعة لمجلس النواب الصورة»، وعلى مؤسسة الرئاسة فوق كل ذلك، ومع ذلك ليست سلطة «الإخوان» مضمونة، وهم في صراع مع جهات مهمة ترفض منح الرئيس قوة كبيرة جدًا، وترفض محاولة وسم المجتمع المصري بوسم إسلامي.

 ۲- فقد الجيش الذي كان مركز قوة سياسيًا مهمًا في مصر من قوته على أثر الانتقاد الذي وجهه الجمهور له، لكن ذلك كان في الأساس بعد أن عزل الرئيس الجديد «محمد مرسي» بإجراء سريع حاسم القيادة العليا العسكرية التي قادت مصر في الفترة الانتقالية بعد إسقاط نظام «مبارك»، ومع ذلك بقي الجيش عاملًا مهما في النظام المصري، وقد يقوي الصراع بين الإخوان وخصومهم تأثيره.

3-  إن الجمهور المصري الذي كان في فترة «مبارك» سلبيًا وصامتًا على نحو عام، أصبح عاملًا سياسيًا مهمًا ذا صوت مع خروجه إلى الشوارع منذ بدء الثورة، ويري النظام نفسه مجبرًا على أن يكون مصغيًا للآراء التي تسوده، وعلى أن يرضيه أحيانًا أيضًا، ومع ذلك فإن قوة هذا الجمهور وتأثيره ما زالت غير واضحة بعد أن نجحت المنظمات الإسلامية في تنحية شباب الثورة، ومنعهم من بناء قوة سياسية منظمة.

إن أهم هذه التغييرات ظهور الإخوان المسلمين باعتبارهم القوة المركزية في النظام المصري إن نظرتهم الأساسية لـ«إسرائيل» والسلام معها سلبية ومعادية، وقد عرّف مرشد الإخوان د. محمد بديع «إسرائيل والولايات المتحدة في عام ۲۰۱۱م بأنهما العدوان الرئيسان لمصر، وهاجم الخطة الأمريكية للسيطرة على المنطقة لإنشاء «إسرائيل الكبرى» و«الشرق الأوسط الجديد»، وسمى اتفاق «كامب ديفيد» أيضًا اتفاق استسلام، وطلب وقف التطبيع»، وإلغاء الاتفاقات الاقتصادية وفتح معبر رفح بصورة دائمة، ومع هذا لم تأخذ حكومة مصر الحالية قط بتوصيات متطرفة من هذا القبيل تعني العودة إلى سياسة مواجهة وإن لم تكن بالضرورة مواجهة عسكرية مباشرة مع «إسرائيل».

 وقد أكد أشخاص مصريون كبار والرئيس «مرسي» نفسه، أن مصر ستحترم الاتفاقات الدولية التي وقعت عليها، لكن تكرار المطالب المصرية بتغيير النظرة ل «إسرائيل» يؤثر في العلاقة السلمية بها، وقد كرر مصريون كثيرون لا من المنظمات الإسلامية وحدها فقط الحاجة إلى إعادة النظر في اتفاق السلام مع «إسرائيل»؛ سواء بإلغاء الاتفاق لأن «إسرائيل» نكثته أو بحث مدى ملاءمته للشريعة الإسلامية أو استفتاء الشعب فيه أو تعديل أجزاء منه. 

الرابط المختصر :