العنوان من مغالطات كاتب «العربي»
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1989
مشاهدات 53
نشر في العدد 902
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 31-يناير-1989
*النظرة الصحيحة للفكر الغربي هي نظرة الإسلاميين، الذين
يقولون: نأخذ من الغرب فكره العلمي، وما يصلح لمجتمعاتنا من حضارته
في مجلة العربي الكويتية باب ثابت
بعنوان «عروبة وإسلام»، والمنطق أن تكون المقالات والأبحاث والمناقشات تحت
هذا العنوان لا تتعدى قضايا إسلامية وعربية يشرح فيها كاتبوها بيان حكم الإسلام في
القضايا الإنسانية المختلفة، وقضايا العرب وحضاراتهم، ورأي الإسلام فيها يجد من
أحداث وقضايا معاصرة، ما كنت أتصور أن يتاح لكاتب علماني عرف بعدائه الشديد لكل ما
هو إسلامي، وعرف بصلفه وعدم اتزانه عندما يناقش معارضي أفكاره العلمانية أن يكتب
تحت هذا العنوان أفكارًا مناهضة للعقيدة الإسلامية، فلو فرضنا أن مسيلمة الكذاب أو
أبا جهل موجودان في هذا العصر، وأراد كل منهما أو أحدهما أن يكتب مقالًا في مجلة
العربي تحت هذا العنوان، يطعن فيه في العقيدة الإسلامية، ويدعو إلى فكرته المناهضة
للإسلام، هل يُمكّن من نشر مقاله تحت هذا العنوان؟، هل مجرد ذكر الإسلام في المقال
حتى لو كان بالقدح والطعن مسوغا كافيا لنشره في هذا الباب.
لقد قرأت في عدد يناير ۱۹۸۹م من مجلة
العربي تحت هذا العنوان مقالًا لأحد العلمانيين يرد فيه على الدكتور/ محمد عمارة
لا فيما نشره في مجلة الهلال في عدد أبريل ۱۹۸۸م بعنوان: «الداروينية في ميزان الإسلام» اتهم
محمد عمارة والإسلاميين المعاصرين بضحالة المعلومات عن الفكر الغربي، ونعى على/
محمد عمارة أنه جنح في السنوات الأخيرة بعد أن كان يتمتع بقدر كبير من الاستنارة
الفكرية إلى تبني شعارات أقرب الى الطابع التقليدي المحافظ من تلك التي كان يدافع
عنها في مراحله الفكرية السابقة.
تأمل هذا المنطق عندما كان يتفق معه
محمد عمارة في أفكاره كان يتمتع بقدر كبير من الاستنارة الفكرية، ولما اختلف معه
في أفكاره أصبح ضحل المعلومات، ومحافظ تقليدي.
لقد جعل الكاتب من نظرية دارون حقيقة
علمية مع أنها نظرية لا حقيقة، والنظرية قابلة للخطأ والصواب باعترافه هو، وسماها
نظرية؛ حيث قال: وليس معنى ذلك أن الداروينية منزهة عن الخطأ، فقد تعرضت النظرية،
وما تزال الكثير من الانتقادات، وفي وسع أي عالم أن يوجه إليها من الاعتراضات ما
يشاء، بشرط أن يدعم انتقاداته بالحجج العلمية الكافية، ولا يستخدم السياسة أو
الدين في نقد نظرية علمية».
يلاحظ أن الكاتب هنا يريد أن يستبعد
الدين عند مناقشة الداروينية، وأنه يرفض وجهة نظر الإسلام التي جاء بها القرآن،
ولا يريد أحدًا أن يحتج بالقرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه،
وفي مسألة خلق الإنسان، تسمع أن القرآن كتاب إرشاد وهداية لا كتاب علم، ولكنه قد
يتعرض لقضية علمية، وبالتتبع والاستقراء لم نجد أن هناك حقيقة عارضها القرآن،
ونظرية دارون في أصل الإنسان ليست حقيقة علمية، وإنما هي تخمين من دارون، ونظرية
لم تثبت صحتها، وما دام العلماء أنفسهم قد انتقدوها، كما يعترف بذلك الكاتب نفسه،
فما باله ينكر على الإسلاميين انتقادها، والإسلاميون لم ينتقدوها؛ لأنها تخالف
القرآن فحسب، بل لأنها أيضًا قد أدانها كثير من العلماء المختصين، بعد أن تبين
زيفها في زعم أن أصل الإنسان قرد، فلماذا يستبعد رأي الدين الحق في قضية لم يثبتها
العلم؟
ومما يؤخذ على النظرية أنها تقصر
التطور على الإنسان، فلماذا لا ينتقل إلى الأجناس الأخرى؟، ولماذا يقال إن أصل
الإنسان من فصيلة القرد الشمبانزي، فتطور مع الزمن، وأنه كلما احتاج شيئًا مما
حوله من الغابات كالأكل مثلًا مد رجليه الأماميتين، اليدان عند الإنسان، شيئًا
فشيئًا حتى استقام عوده، وأصبح على تلك الحالة التي نراها الآن، فلماذا بقي
الحيوان على ضعفه، والذي تطور فقط هو الإنسان؟، ولماذا نصدق دارون في هذا القول
ولا تصدق القرآن الذي جاء فيه ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي
الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ﴾(البقرة:30)، وأنه علم
آدم الأسماء كلها ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا
مِّن طِينٍ﴾ (ص:71)، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا
الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ (الحجر:26).
ونحن نعترف أن الكاتب أعطى مقدرة على
المغالطة، فهو يقول مثلًا: إن وضع الداروينية في مواجهة الإسلام وقياسها بميزانه،
يماثل ما قامت به محاكم التفتيش ضد جاليلوه، وأن ذلك مثل وقوف رجال الدين المسيحي
ضد التطور العلمي، ألا يسأل نفسه على أي شيء اعتمد رجال الكنيسة في معارضتهم
لجاليلو، هل اعتمدوا على وحي من الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؟،
وهل القول بكروية الأرض مثل القول بأن الإنسان أصله قرد؟.
نجد الكاتب يعترض على قول الدكتور محمد عمارة،
وأن الفكرة الداروينية أعطت للحضارة الغربية في عصر الكشوف الجغرافية، والمد
الاستعماري التبرير والمشروعية لكل ما مارسه الاستعمار الغربي ضد الأمم والحضارات،
التي ابتليت باستعماره من قهر ونهب، فإذا استرق الغرب الشعوب الملونة استرقاقًا
جماعيا وأقام رخاء، المادي على جماجمهم، فذلك مشروع؛ لأنه هو الأقوى، وهو الأصلح
للبقاء وفقًا لهذا القانون العلمي، الذي زعمته الداروينية، فالقوة هي الصلاح، والقوى
هو الأصلح والأجدر بالبقاء، لقد فتحت هذه النظرية المشروعية القانون الغابة،
فالكاتب يعترض على الدكتور/ محمد عمارة في قوله، وينفي تأثير النظرية الداروينية
على فكرة الغرب في استعارة للآخرين، مع أنه يقول في مقاله بالحرف الواحد: «ولا بأس
أن نشير في هذا لا صدد على أن البقاء للأصلح لم يرد على لسان دارون نفسه، وإنما
كان الذي أشاء هو الفيلسوف الإنجليزي هر بوت سبنسر، الذي تحمس لآراء دارون وحولها
من نظرية في علم الأحياء إلى مذهب شامل يسري على تطور المجتمعات والنظم الأخلاقية
والتعليمية.. إلخ».
ويقول الكاتب: «إن الفكر الغربي وبخاصة في القرن
الماضي حافل بالنماذج العنصرية والاستعمارية البغيضة، التي تطفح أنانية وكراهية
للشعوب المسالمة، والهجوم على هذا الفكر وفضحه واجب على كل مثقف جاد في العالم
الثالث»، ثم يقول: حتى لو سلمنا من أجل وحدة بأن الدارونية تشجع على استخدام القوة
والسيطرة على الضعفاء، فإن من حق المرء أن يتساءل هل كانت هذه النظرية وحدها كافية
لإحداث المد الاستعماري الجارف في القرن الماضي، ألم يكن السبب الرئيسي لهذا المد،
والتوسع الاقتصادي المترتب على الثورة الصناعية في أوروبا، وحاجة البلاد الصناعية
الكبرى إلى مواد خام، وإلى أسواق التصريف منتجاتها.
لم يقل الدكتور محمد عمارة: إن الداروينية هي
السبب الوحيد، ونجد الكاتب يقول هنا: إن السبب الاقتصادي هو السبب الرئيسي، وإذًا
لا مانع أن تكون هناك عدة أسباب، منها الداروينية، والسبب الاقتصادي والحقد
الصليبي بتأثير الحروب الصليبية السابقة، ونلاحظ أن العلمانيين يرجعون الحروب
الصليبية إلى العامل الاقتصادي أيضًا، وهي قبل الثورة الصناعية، وكثيرًا ما أنكر
الكاتب تأثير الحروب الصليبية السابقة في الغزو الاستعماري؛ حتى إنه عندما ناقشه
بعض الناس في إحدى محاضراته بالدوحة، وقال له: إن أحد فساد الاستعمار عندما وقف
أمام قبر صلاح الدين قال: ها قد عدنا يا صلاح الدين، ردَّ عليه الكاتب نفسه: إن
القائل هو فرد واحد، لا كل الغربيين، وتأمل معي في قول الكاتب أنه يريد كل
الغربيين يقولون ذلك، ولا يعتبر قول القائد إلا أنه يمثل نفسه، وهل يعقل أن يقول
كل الغربيين ذلك؟، أليس القائد يمثل الروح والفكر الذي يسيطر على الأتباع؟
فالكاتب قد نصب نفسه مدافعا عن تاريخ
الغرب في كل كتاباته ومحاضراته، غير أنه اضطر الآن أن يقول: إن الفكر الغربي
وبخاصة في القرن الماضي حافل بالنماذج العنصرية والاستعمارية البغيضة، التي تنضح أنانية
وكراهية للشعوب المسالمة، ويرى الآن فقط أن الهجوم على هذا الفكر وفضحه واجب على
كل مثقف جاد في العالم الثالث، إذًا لماذا يعيب على الإسلاميين الذين يهاجمون
الفكر الغربي؟، وهل الإسلاميون يهاجمون الفكر الغربي بسبب الداروينية فقط؟
إن النظرة الصحيحة للفكر الغربي هي نظرة
الإسلاميين، الذين يقولون نأخذ من الغرب فكره العلمي ومنهجه العلمي، وما يصلح
لمجتمعاتنا من حضارته، وليس كل علماء الغرب ملحدون والعلمانيون يقولون نأخذ
الحضارة الغربية بخيرها وشرها، وحلوها ومرها وزعموا أن هذه طريق التقدم، فهل هذه
النظرية صحيحة؟، ولا يخفى أن العلمانيين في العالم الثالث هم الذين تسلموا الحكم
من الاستعمار بعد الاستقلال، فماذا فعلوا غير مزيد من التخلف وانتهاك حقوق الإنسان
في بلدانهم.
إن قول العلمانيين وادعائهم، والكاتب على رأسهم
أنه لا أحد يعرف مثلهم، وإن كل الإسلاميين معلوماتهم ضحلة عن الفكر الغربي قول فيه
كثير من الغرور، وتجاوز عن حدود أدب النقاش والحوار، فإننا نجد الإسلاميين الآن
تكتظ بهم جامعات أوروبا وأمريكا، ينهلون من علومها، وهذا اعتراف منهم بما في
الحضارة الغربية من خير، ولكنهم عرفوا ما فيها من شر فتجنبوه، وهذا هو الموقف الصحيح
الذي أرشدهم إليه إسلامهم، وإني بهذه المناسبة أقترح أن تعقد مناظرة بين الكاتب
وبين أحد المفكرين الإسلاميين، وأقترح هنا اسم الأستاذ/ محمد قطب عن الفكر الغربي
ونظرية دارون، وسنرى أيا منها ضحل المعلومات بالنسبة للفكر الغربي، وأعتقد أن
الأستاذ/ محمد قطب سيقبل بهذه المناظرة، فهل سيقبلها الأستاذ الفيلسوف كاتب مجلة
العربي؟، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل