; فلسطين وأفغانستان بلدان إسلاميان: نصرتهما واجبة معًا | مجلة المجتمع

العنوان فلسطين وأفغانستان بلدان إسلاميان: نصرتهما واجبة معًا

الكاتب عيسي الماضي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1988

مشاهدات 61

نشر في العدد 858

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 15-مارس-1988

قرأت في صحيفة السياسة الكويتية في عددها رقم 6998 الصادرة يوم الأحد 12 جمادى الآخرة 1408هـ مقالًا للسيد عبده محمد ثابت الربيدي - جدة: مقالًا تحت عنوان «فلسطين أحق بالجهاد من أفغانستان: هيا نقرع طبول الحرب على إسرائيل» تعرض الكاتب في مقاله إلى قضيتين الأولى في قوله: «... أنا لست من المدافعين عن سياسة الاتحاد السوفياتي تجاه أفغانستان، ولا من المعجبين بنهجهم الاشتراكي، لكني أقولها بصراحة لو كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تدخلت في شؤون أفغانستان المسلمة سواء بالغزو أو بغيره مثل قيام نظام موال لسياستها، لكانت أغلب الدول ما حركت ساكنًا ووقفت موقف المتفرج تجاه الشعب الأفغاني، خصوصًا تلك التي تربطها علاقات وطيدة مع الحكومة الأمريكية هذا من ناحية الأنظمة العربية».

 

أقول إن الصبغة الإسلامية للثورة الأفغانية أكسبتها عداء الدول الغربية بالإضافة إلى الدول الشرقية ومن يدور في فلكهما، والمساعدات التي تقدم للثورة الأفغانية هي أقل من القليل، ومن يتابع ما ينشر عن الأحوال الثقافية والمعيشية للاجئين الأفغان يرى أن ما يقدم لهم لا يزيد عن البُلغة. هناك آلاف من الأطفال -في سن التعليم- لا يجدون مدارس، والذين يجدون يجلسون على الأرض لأنهم لا يجدون مقاعد. وجميعهم لا يجدون الطعام والعناية الصحية اللازمة ومساكنهم كملابسهم ممزقة، وهذه الصورة اللاإنسانية لأوضاعهم تجعلنا نكبر فيهم إيمانهم الذي فروا به ولأجله من الغزو الشيوعي، وتركوا أوطانهم ومساكنهم ورضوا أن يعيشوا هذه المعيشة هربًا بدينهم، وليتمكنوا من العمل على تحرير بلادهم، وحالهم هذه تذكرنا بأهل الصُّفة الذين هجروا أهلهم وأوطانهم، وجاءوا ليجاوروا الرسول صلى الله عليه وسلم في مدينته، ليحفظوا دينهم وليكونوا جنودًا دائمي الاستعداد في جيش الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

ولو لم يفعل الأفغانيون ذلك لكان حالهم ومآلهم كحال ومآل المسلمين في بخارى وطشقند وأرمينيا وسمرقند وغيرها أثرًا بعد عين. ونحن لا ننكر أن أحوال الفلسطينيين الذين أخرجوا من ديارهم عام 1948 كانت أسوأ من السوء نفسه، تشهد على ذلك خيامهم والبرد والزوابع والمطر في الأردن وسوريا ولبنان والعراق، وطوابيرهم أمام وكالة الغوث الدولية الأونروا وهم يمدون أوانيهم ليأخذوا كيلوغرام زيت وكيلوغرام عدس وكيلوغرام سكر وعشرة كيلوغرامات طحين كل شهر، ومنازلهم وبساتينهم أمام أعينهم في فلسطين، والمقصود من هذا إذلالهم لتموت في نفوسهم كل القيم والمثل، والأكثر ألمًا من كل هذا تمثيلية الجيوش العربية السبعة التي دخلت لتطرد اليهود من فلسطين، وإذا بها تطرد الفلسطينيين من فلسطين، وانكشفت المؤامرة على أن الجيوش العربية دخلت لإخماد الثورة الفلسطينية في الجبال والأحراش، وما كان لدولة إسرائيل أن تقوم والثوار في الجبال يصلون فرضهم ويجاهدون بلا نظريات أو أيديولوجيات، بالإضافة إلى المتطوعين المسلمين الذين تقدموا لتحرير القدس من أنفسهم وبلا أوامر، وإن كل ما قيل من تبرير لما حصل خلاصته وتفسيره ضعف الإيمان بالله سبحانه. وكفى بها نقيصة.

 

وشُرِّد الفلسطينيون في جميع البقاع -تمكينًا لقيام دولة إسرائيل- ومن ارتضى المعيشة قريبًا من فلسطين، قوبل بكل منكر من الاتهام والطرد والإقامة الجبرية والمحاربة بالرزق، ويكفي أن يحمل الفلسطيني «وثيقة السفر الفلسطينية» حتى يصبح متهمًا في دينه وإخلاصه في عمله، وفوق كل هذا التعمية الثقافية على القضية الفلسطينية في مناهج التعليم والصحف، حتى أصبح المثقف العربي يعلم عن الثورة الفرنسية أو الاشتراكية أكثر من القضية الفلسطينية، رحم الله الأستاذ فهد المارك المجاهد السعودي في فلسطين صاحب كتاب «افتراها الصهاينة وصدقها العرب».

 

أقول لن يستطيع الأفغانيون والفلسطينيون أن يقولوا كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة، ذاكرًا فضل الأنصار في إيوائهم للمهاجرين، حتى أنهم شاطروهم منازلهم ونساءهم، ثم استشهد بقول الطفيل الغنوي:

 

جزى الله عنا جعفرًا حين أزلفت

بنا نعلنا في الخافقين فزلت

أبوا أن يملونا ولو أن أمنا

تلاقي الذي يلقون منها لملت

همو أسكنونا في ظلال بيوتهم

ظلال بيوت أدفأت وأظلت

 

أخي عبده محمد الربيدي: هذه صفحة من كتاب الثورة الأفغانية وكتاب الثورة الفلسطينية في قلوب المؤمنين الذين يشاركون الأفغانيين الجهاد ببنادقهم وأقلامهم لتعلم أنهم لم ينسوا فلسطين.

 

القضية الثانية: قولك: «هل كان بإمكان هؤلاء المتطوعين الذين نذروا أنفسهم مجاهدين في سبيل الله بجانب الأخوة الأفغان من جنسيات مختلفة عربية وإسلامية، هل كانوا سيقفون بجانب الأفغان لو كانت الدولة الغازية غير الاتحاد السوفياتي... مثل أمريكا مثلًا، فإذا كان الجواب بنعم، فلماذا لم نسمع بانضمام مجاهدين انتحاريين بجانب الأخوة الفلسطينيين ضد أمريكا الصغرى المدعومة من قبل أمريكا الكبرى للقيام بعمليات بطولية، جنبًا إلى جنب للشد من أزر إخواننا الفلسطينيين الذين هم بحاجة ماسة إلى رجال الشهادة والتضحية والفداء دفاعًا عن القدس الشريفة أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين».

 

أود أن أعارضك في هذا الطرح معارضة رئيسة؛ لأنك تتهم المتطوعين من البلاد الإسلامية والعربية في إخلاصهم، وهم في الحقيقة صفوة المسلمين الذين رفضوا الدنيا ونعيمها، وطلبوا الآخرة مرضاة لربهم برغبتهم ولم يمارس أحد عليهم أي ضغط، هؤلاء خيار هذه الأمة، هؤلاء لا يوجد لهم أية علاقة في أمريكا أو غيرها كل ما هنالك أن قلوبهم صفت بالإيمان الصحيح فاستجابت لنداء ربها ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (التوبة:41).

 

رأوا أن الجهاد فريضة عليهم الآن، بموجب قول الرسول صلى الله عليه وسلم «إذا وطئ العدو شبرًا من أرض المسلمين بات الجهاد فريضة على كل مسلم ومسلمة» هجروا جامعاتهم وأعمالهم، آمنوا بأن الله سيخلفهم في أهلهم وأولادهم، وباعوا أنفسهم في سبيل الله، وإني أرى أن جميع المسلمين آثمون في تأخرهم عن الجهاد مع الأفغان؛ لأن الطريق مفتوح ولا حجة للمتخلف، هؤلاء المتطوعون لا يفرقون في عدائهم بين روسيا أو أمريكا، هؤلاء إسلامهم ليس أمريكيًا أو روسيًا، هؤلاء إسلامهم كما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز يا أخي الكريم أن تتهم هؤلاء الأبرار، بل الاتهام يتوجه إلى أنفسنا بالتقصير حبًا في الدنيا، أما قولك «فلماذا لم نسمع بانضمام مجاهدين انتحاريين بجانب الأخوة الفلسطينيين» الذي أفهمه من عبارتك هذه أنك لا تعرف الظروف التي تعيشها الثورة الفلسطينية جغرافيًا وسياسيًا، ذلك أن فلسطين محاطة بالبلاد العربية من ثلاث جهات ومن الجهة الرابعة البحر الأبيض المتوسط والبلاد العربية -هذه- ترفض رفضًا باتًا أي نشاط عدائي لإسرائيل ينطلق من أراضيها، وعليه فقد أغلقت جميع الطرق إلى تحرير القدس الشريف وما يقوم به الفلسطينيون من عمليات ضد إسرائيل يخسرون فيها أكثر مما تخسره إسرائيل نفسها. ومن هنا فقد وضعت كل العقبات أمام الفلسطينيين لتحرير بلادهم والجيوش العربية التي انهزمت أمام اليهود في المعركة تستبسل كل الاستبسال في قتل أي فدائي يعبر أراضيها لينفذ عملية في الأراضي المحتلة، ومن هنا فقد وضعت كل العقبات أمام الفلسطينيين لتحرير بلادهم، وما توزيع القوات الفلسطينية في اليمن والجزائر وتونس وغيرها إلا ثمرة مُرَّة لما تمخضت عنه الأحداث، مما جعل الفلسطينيين المدنيين في الداخل ينتحرون في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي سلاحهم أجسامهم والحجارة أمام قوة إسرائيل التي يخافها الجميع. أمام هذا الوضع المزري، قل لي بربك كيف يستطيع المجاهدون الإسلاميون أن يتوجهوا لتحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين، أي بلد ينطلقون منه سيقتلون به أولًا، قبل أن يصلوا إلى إسرائيل. أما في أفغانستان فإن باكستان قد فتحت حدودها أمام الثوار الأفغان وتحملت مسؤوليتها الإسلامية، فانطلق الثوار الأفغان والمتطوعون من جميع البلاد الإسلامية والعربية يحاربون الغزو السوفياتي، لذلك فإن جميع المسلمين يدعون بكل خير إلى الشعب الباكستاني المسلم لهذا الموقف، خاصة رئيسه المؤمن والمجاهد الأول ضياء الحق - جزاه الله كل خير عن الإسلام والمسلمين وأمد في عمره وبارك له فيه-.

 

ولو أن بلدًا عربيًا واحدًا فتح حدوده مع إسرائيل -كما فعلت باكستان المسلمة- فسترى أن إسرائيل هذه لن تعيش أكثر من شهر أو شهرين على أبعد تقدير، ولرأيت أن المجاهدين الإسلاميين ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج:27)، ابتداءً من الفلبين وانتهاءً بأمريكا، لذلك فإن الحدود العربية مع إسرائيل مغلقة لصالح إسرائيل. إن المتطوعين الإسلاميين في الثورة الأفغانية لم ينضموا إليها تفضيلًا لكابل على القدس الشريف بل لأن طريق الجهاد مفتوح في أفغانستان ومغلق في فلسطين، ولو فتح لرأيت الثوار الأفغانيين أنفسهم يفضلون القدس على كابل وذلك لقداستها في قلوبهم.

 

كما أنه من الخطأ الفادح أن نتهم المجاهدين في إخلاصهم في نياتهم، ونجعل جهادهم هذا عداء لروسيا وليس تحريرًا لأفغانستان لأنك تقول «لو كانت أمريكا هي التي احتلت أفغانستان لما شارك المجاهدون من البلاد الإسلامية» عفا الله عنك، أما قولك في العنوان «فلسطين أحق بالجهاد من أفغانستان» فهذا خطأ محض، لأن قوة المسلمين اليوم قادرة على تحرير فلسطين وأفغانستان معًا بل هي قادرة ومكلفة بتحرير العالم كله من الكفر إلى الإسلام، وليست قوتهم محدودة بحيث إنها تكفي لتحرير فلسطين أو أفغانستان فقط حتى نختار أفضلهما فأولاهما. بل المفروض أن نهيب بالمسلمين أن يغاروا على حرمات الله وأولها حماية بلادهم من الشيوعيين والصهاينة، وكان الأولى بك يا أخي أن تذكر المسلمين بإسلامهم الذي به عزهم ونصرهم، والذي بدونه ستتوالى عليهم المشاكل ولن يفلحوا أبدًا.

 

وفي رأيي أن مشكلة المسلمين اليوم ليست في فلسطين أو أفغانستان بل هي مع الله سبحانه وتعالى، فقد حاربوا الله سبحانه في العقيدة فاستوردوا عقائد أجنبية وضعية، واستبدلوها بعقيدة التوحيد الصافية من كل الشوائب، وحكموا بقوانين مستوردة بدلًا من القوانين السماوية التي نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله الذي خلق الإنسان وهو أدرى بما يصلحه ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:14)، استباحوا المحرمات في الشارع والبيت طواعية وبدون إكراه، ومع هذا هناك مؤمنون موحدون يشاهدون المنكر ويخافون من الإنكار عليه. فالأمة التي تكون حالها هكذا كيف ينصرها الله؟! لأن نصرها معناه تمكينها من معاصيها، وهذا لو حصل فهو استدراج منه تعالى ليضاعف لها العذاب، أرأيت لو انتصرنا في عام 1967 أو في عام 1973 فهل سيقوِّي هذا النصر إيماننا أم يزيدنا عربدة وتيهًا، ولعل المسلمين الذين تقع عليهم المصائب كالفلسطينيين والأفغان أن يعلموا أن الله سيجزيهم على صبرهم وجهادهم إذا صبروا واتقوا وجاهدوا على كلمة التقوى، لأن البلاء في الدنيا ملازم للأنبياء، فالمتيقن لقوله صلى الله عليه وسلم «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (الألباني:996) ولا يوجد بلاء أشد من فقد الأوطان بعد الكفر لقوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ (النساء:66)، فقد جعل سبحانه وتعالى الخروج من الأوطان مساويًا لقتل النفس، فعليهم أن يتقوا الله ويطلبوا النصر منه وحده –مع اتخاذ الأسباب- فإن الذي نصر المسلمين المستضعفين على دولتي الدنيا -الفرس والروم- حي لا يموت ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم:47)، والذي استجاب لدعاء العلاء بن الحضرمي حيث أمطرتهم السماء في الصيف ومشت خيولهم على الماء حتى لم تبتل حوافرها، قادرٌ على أن يبطل مفعول جميع الأسلحة، ولكن هذا لن يكون إلا للذين آمنوا وجاهدوا لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، عندها تصبح الشهادة هي الهدف الأسمى؛ لأنها مفتاح الجنة وليس تسجيل الانتصارات، ولن ترهبهم أسلحة عدوهم مهما كثرت أو تنوعت؛ لأن الذي يخاف من الله لا يخاف من مخلوقاته.

 

أيها المسلمون: إن مشكلتنا المركزية اليوم هي مشكلة إيمانية أولًا وأخيرًا، وما مشكلة فلسطين وأفغانستان وما مشاكلنا الاقتصادية والثقافية والسياسية إلا أعراض للمشكلة المركزية.

 

وفي الختام أشكر الأخ محمد ثابت الربيدي من جدة على اهتمامه بشؤون المسلمين، وما قصدته في مقالي هذا هو أن أصحح له المفاهيم الخاطئة -في مقاله- التي لم يقصدها طبعًا وأسأل الله لي وله وللمسلمين الهداية على الصراط المستقيم، والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل