; حزب العدالة والتنمية.. والحِمل الكبير | مجلة المجتمع

العنوان حزب العدالة والتنمية.. والحِمل الكبير

الكاتب أورخان محمد علي

تاريخ النشر السبت 30-نوفمبر-2002

مشاهدات 79

نشر في العدد 1529

نشر في الصفحة 22

السبت 30-نوفمبر-2002

فشل ذريع لليسار

  • أكثر من مائة مليار دولار دفعتها تركيا فوائد ربوية خلال فترة حكم اليسار التي استمرت قرابة 3 سنوات

  • معدل النمو الاقتصادي انخفض من 5% إلى -3% وزادت البطالة بين شباب المدن إلى 29,1%․

خرج حزب العدالة والتنمية التركي من الانتخابات ظافرًا محرزًا نسبة ٣٤,٤٪ من الأصوات «363 مقعدًا» في المجلس النيابي المتكون من ٥٥٠ مقعدًا، بينما أحرز الحزب الشعبي الجمهوري 19,4% من الأصوات «178 مقعدًا». علمًا بأن 9 من المستقلين دخلوا المجلس أيضًا. أي أن الشعب التركي قام بتصفية 90% من النواب الموجودين في المجلس النيابي. وتعد هذه أكبر تصفية في تاريخ تركيا. ومع أن ۱۸ حزبًا اشتركوا في المعركة الانتخابية إلا أن حزبين فقط استطاعا تخطي حاجز 10% وهي النسبة الضرورية من الأصوات لدخول البرلمان․

ولأن حزب العدالة والتنمية حصل على ٢٦٣ مقعدًا من مجموع ٥٥٠ مقعدًا، فقد ألف الحكومة وحده كما أنه يستطيع تغيير الدستور التركي الحالي الذي وضعه العسكر عام ١٩٨٢م بعد الانقلاب العسكري في ١٩٨٠م والذي لم يعد ملبيًا لحاجات تركيا فتغيير الدستور يحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء المجلس، أي يحتاج إلى ٣٦٧ صوتًا وهذا يعني أن حزب العدالة يحتاج فقط أصوات أربعة من النواب المستقلين أو من المعارضة، علمًا بأن دنيز بايكال رئيس حزب الشعب الجمهوري يؤيد هذا التغيير المزمع الدستور.

ولكن ما السبب أو الأسباب وراء مثل هذه الغضبة الشعبية العارمة التي ظهرت في الانتخابات؟

نستطيع إيجاز أهم هذه الأسباب في النقاط الآتية:

1- اعتبارًا من أبريل من عام ١٩٩٩م تاريخ تولي حكومة أجاويد الاشتراكية وحتى العام الحالي أفلس ۲۱ مصرفًا كبيرًا نتيجة عمليات النهب التي جرت تحت أنظار الحكومة السابقة. وبلغت الخسائر التي وضعت على كاهل الشعب 30 مليار دولار، إذ لم يتم استرجاع هذه المبالغ من الأشخاص ومدراء البنوك الحكومية الذين هربوها للخارج.

2- حسب تقرير مصرف مورجان ستانلي المنشور في الشهر العاشر من هذا العام فإن 55% من الشعب التركي في حالة فقر․ وهبط متوسط الدخل الشهري للعائلة لأقل من ١٨٠ دولارًا. كما أن الدخل الشهري لـ 25% من العوائل أصبح في حدود مائة دولار فقط.

3- زادت نسبة البطالة في عام ٢٠٠٢م بنسبة 41,5% قياسًا إلى عام ۲۰۰۰م وأصبحت تشكل 9,6% من قوة العمل، وترتفع هذه النسبة في قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات إلى 13,9%․

4- بلغت نسبة البطالة بين الشباب المتعلم وخريجي الجامعات 29,1% في المدن، كما تقلصت إيرادات العاملين بنسبة 25%․

5- زاد سوء توزيع الثروة بين شرائح المجتمع، إذ إن 10% من الأغنياء يحصلون على 32,3% من الدخل القومي، بينما يحصل 10% من الفقراء على 2,3% فقط من الدخل القومي.

6- زادت الديون الداخلية بنسبة 100% كما زادت الديون الخارجية بنسبة 43%، وقد أدى هذا إلى غرق الاقتصاد التركي في مستنقع الربا. ففي الأشهر الستة الأولى من تشكل حكومة أجاويد تم دفع ١٤,٥ مليار دولار، فوائد للديون. وارتفع هذا الرقم عام ۲۰۰۰م إلى 32,8 مليار دولار. وفي عام ٢٠٠١م إلى 33,5 مليار دولار، وفي الأشهر الستة الأولى من هذا العام بلغ ٢٠,٦ مليار. كما دفعت الحكومة ٢٠ مليار دولار فوائد على الديون الداخلية. وكما هو واضح فإن تركيا سبحت في مستنقع الربا، وما ينتجه الشعب يذهب إلى خزانات البنوك الربوية وجيوب الرأسماليين.

7- بينما كان معدل نسبة النمو 5 - 6% تقريبًا هبط هذا المعدل إلى -3% أي أصبح سالبًا. وهذا ما لم تشهده تركيا منذ الحرب العالمية الثانية، وانخفض معدل الدخل السنوي للفرد من 3000 دولار إلى ۲۰۰۰ دولار.

إضافة إلى ظهور مشكلات كبيرة في قطاعات التربية والتعليم والصحة نتيجة تراجع المبالغ المخصصة لها. علاوة على مشكلات اجتماعية أخرى زادت حدتها في السنوات الأخيرة مثل مشكلة الحجاب ومنع المحجبات من دخول الجامعة، أي فقد الآلاف من الطالبات حقهن في التعليم الجامعي.

 

حزب العدالة.. العراقيل والمهمات

فاز حزب العدالة والتنمية هذا الفوز الكبير على الرغم من الحملة الشرسة التي قادتها البؤر العلمانية ووسائل الإعلام ضده وضد رئيسه الطيب أردوغان. فبعد إبعاده عن رئاسة بلدية إسطنبول وسجنه لكونه قرأ أبياتًا من شعر إسلامي حماسي موجود في الكتب المقررة من قِبَل الحكومة لم يكن هناك أي ادعاء بأن أردوغان استغل منصبه كعمدة لإسطنبول استغلالًا سيئًا «علمًا بأنه كان أفضل عمدة لإسطنبول في تاريخها القريب، وأنجز مشاريع خدمية كبرى فيها». ولكن ما إن أعلن هو ورفقاؤه عن تشكيل هذا الحزب حتى بدأ العديد من المدعين العامين بإثارة قضايا فساد موهومة في حقه. وهناك الآن ۱۹ دعوى مقامة ضده لتشويه سمعته. ثم حرموه دون سند قانوني من حق الترشح، بحجة أنه ممنوع من العمل السياسي حتى الشهر الأول من عام ٢٠٠٣م مع أن الفقرة التي حكم عليه بموجبها قد تم تغييرها من قِبَل المجلس النيابي ولم تعد أحكامها سارية. ولم يكتفوا بهذا بل أجبروه على الاستقالة من اللجنة المؤسسة للحزب بنفس الحجة. وأخيرًا وقبل عشرة أيام فقط من موعد الانتخابات أقام المدعي العام الجمهوري دعوى قضائية ضده وضد الحزب أمام المحكمة الدستورية قال فيها إنه ما دام أردوغان ليس من مؤسسي الحزب فكيف يكون رئيسًا له؟ وبما أن هذا الحزب تصرف هكذا «أي أقام على رأسه شخصًا ليس من مؤسسيه» لذا يجب إغلاقه! علمًا بأن النظام الداخلي للحزب «وهو نظام مصادق عليه من قبل اللجان الحكومية الرسمية» يجيز أن يكون رئيس الحزب من خارج اللجنة المؤسسة للحزب، ولا يزال السيف مصلتًا فوق رأس الحزب حتى الآن.

كما ظهر موقف غريب بعد الانتخابات فللمرة الأولى لا يستطيع رئيس حزب فائز بالأغلبية في الانتخابات تولي منصب رئيس الوزراء لأنه ليس عضوًا في البرلمان وهكذا تولى نائب رئيس الحزب عبد الله غول رئاسة الوزارة.

وقد صرح أردوغان بأنه سيتولى رئاسة الوزارة بعد أسابيع قليلة، ويبدو أن ذلك سيتم ضمن خطة لتعديل بعض القوانين.

 

والآن.. ماذا سيحدث؟

لقد تخطى الحزب كل المواقع الموضوعة أمامه وفاز بثقة الشعب الذي ينتظر منه علاجًا لمشكلاته.. فهل يستطيع ذلك؟

حزب العدالة أمام امتحان كبير. ونجاحه لن تقتصر آثاره على تركيا وحدها، ولن يخرس هذا النجاح الأصوات العلمانية فيها فقط، بل ستنعكس آثاره على الدول الإسلامية وفي العالم أجمع وتكون مثالًا لحزب ذي توجهات إسلامية وديمقراطية ومنفتح على الجميع بعيدًا عن التعصب.. وناجح في إجراءاته. لا سيما في مثل هذه الأجواء العالمية التي يتهم فيها الإسلام بأنه دين يغذي الإرهاب، لذا كان حمل هذا الحزب كبيرًا ومهمته تاريخية.

نجاح الحزب في حل المشكلات الكبيرة والثقيلة لتركيا ليس هينًا أبدًا. وقد شرحنا بالأرقام الوضع الاقتصادي السيئ لتركيا، ورأينا كيف يذهب القسم الأعظم من مواردها كفوائد ربوية لديونها الكبيرة.. إن من المهم طبعًا نجاح «العدالة» في الانتخابات ولكن الأهم أن ينجح في إدارة دفة الحكم وأن يتغلب على المشكلات المستعصية الموجودة أمامه.

وليست المشكلة الاقتصادية هي الوحيدة -وإن كانت الأهم- بل هناك مشكلات أخرى نذكرها باختصار:

1- الحجاب: فالجهات العلمانية «وسائل الإعلام والجامعات والمحاكم والمؤسسة العسكرية» ترى في حجاب الطالبات الجامعيات وطالبات ثانويات الأئمة والخطباء مظهرًا إسلاميًا لا يتلاءم مع علمانية الدولة، مع أن السيدة لطيفة زوجة مصطفى كمال مؤسس الجمهورية كانت محجبة، وكذلك أمه كما تدعي هذه الجهات أن الحجاب أصبح رمزًا سياسيًا لحزب معين «المقصود حزب الرفاه ثم حزب الفضيلة ثم حزب السعادة» مع أن النساء يتحجبن في جميع البلدان الإسلامية ومنذ قرون.

2- مشكلات اجتماعية كالتعليم والرعاية الصحية: حيث هبط التخصيص المالي في هذه الساحات نتيجة للأزمة الاقتصادية.

3- مشكلات خارجية: وأهمها الحرب الأمريكية المرتقبة على العراق وما ستجره من مشكلات على تركيا، والمشكلة القبرصية التي لم يتم التوصل فيها حتى الآن إلى حل وكذلك موضوع دخول تركيا في الاتحاد الأوروبي وما تلاقيه من تسويف من قِبَل الاتحاد الأوروبي في هذا الصدد.

والشيء المتوقع الآن هو قيام الصحف والمجلات وكذلك معظم القنوات التلفزيونية بترصد كل تصريح من تصريحات مسؤولي الحزب وتشويهها وتلقف كل هنة من هناتهم وتكبيرها وتضخيمها، وتجاهل كل نجاح أو خطوة جيدة من خطواتهم وعدم ذكرها. فإن لم يجدوا شيئًا ضدهم فلن يتورعوا عن اختراع الأكاذيب. أي أن هذا الحزب مقبل على حرب إعلامية لا هوادة فيها ولا تراعى فيها أي قيم أخلاقية.

كما أن اللوبي الصهيوني التركي والأمريكي سيقفان أمام حزب العدالة. وسيحاولان بكل جهدهما تشويه سمعته ومحاربته. لأن الولايات المتحدة دفعت تركيا -بتأثير من اللوبي اليهودي الأمريكي- إلى التقارب السياسي والعسكري مع إسرائيل. وإلى عقد صفقات كبيرة لشراء الأسلحة من إسرائيل وعقد صفقات لتحديث الأسلحة التركية بمئات الملايين من الدولارات. وهذا اللوبي يخشى من قيام حزب العدالة بهدم التقارب مع إسرائيل.

أمام هذه الصعاب هل هناك احتمال لنجاح «العدالة» في إدارة الدولة؟

إن استطاع هذا الحزب حل المعضلة الاقتصادية التي تعد الأهم حاليًا في تركيا. فحل المعضلات والمشكلات الأخرى ستكون أسهل. فهل هناك احتمال في هذا الصدد؟

المؤشرات الأولية تشير إلى وجود احتمال قوي فبعد ثلاثة أيام فقط من الانتخابات صعدت قيمة الأسهم في البورصة بنسبة 12% وصعدت قيمة التعامل فيها بنسبة 32% وهي نسبة كبيرة جدًا، ودخلت 5 مليارات دولار إلى تركيا من الخارج بعد أقل من أسبوع بعد الانتخابات. ونزلت قيمة الفائدة عدة نقاط كما ارتفعت قيمة الليرة أمام الدولار واليورو، وهذا يعني أن الدين الحكومي في الداخل والخارج قل بضعة ملايين من الدولارات. كل هذا حصل في أقل من أسبوع، نتيجة لروح التفاؤل والثقة التي سادت الأسواق. مع أن الحكومة الجديدة لم تعمل بعد ولم تقم بأي خطوة اقتصادية. ولكن التصريحات التي أدلى بها أردوغان نشرت جوًا من الاطمئنان إلى أن الحكومة الجديدة جادة في موضوع حل المشكلة الاقتصادية.

 

وقد أشار أردوغان إلى بعض الخطوات التي سيقومون بها:

1- تقليص عدد الجنود في الجيش، لأن جميع دول حلف الأطلسي -عدا تركيا- قامت بتقليص عدد جنودها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

2- وضع نظام دفع بدل الخدمة العسكرية، هذا سيشكل واردًا مهمًا للدولة.

3- تقليص عدد الوزارات من ٣٧ وزارة إلى 24 وزارة.

4- بيع آلاف البيوت والفلل الحكومية التي تستخدم من قِبَل كبار البيروقراطيين.

5- بيع آلاف السيارات الحكومية التي هي عبء على الدولة من ناحية رواتب السائقين ومصاريف الوقود والإصلاح.

6- هناك أكثر من ٥٥٠ فيللا فاخرة ومؤثثة مخصصة للنواب. وقد طلب أردوغان من نواب حزبه ألا يسكنوا فيها بل في شقق يؤجرونها. وهو ينوي بيعها لأن قيمتها قد تتجاوز مليار دولار.

مثل هذه الخطوات المزمع تحقيقها أشاعت الثقة في المجتمع وبدأ جو من التفاؤل يسود المجتمع والقطاعات الاقتصادية ولا سيما عندما صرح أردوغان بأن حكومته ستبدأ فورًا بحملة لبناء المساكن والطرق في جميع المحافظات. وكما هو معلوم فإن قطاع البناء والإنشاءات من أكبر القطاعات التي تحرك السوق وتحرك الصناعات المتعلقة بالبناء وهي عديدة. وعندما يبدأ دولاب العمل والاستثمار في هذا القطاع يزداد استخدام الأيدي العاملة والمهندسين والفنيين، وكانت هذه التصريحات وراء المؤشرات الإيجابية الأخيرة كهبوط نسبة الفائدة وارتفاع حجم العمليات في البورصة وازدياد قيمة السندات، وارتفاع قيمة الليرة. كما جاء خبر إيجابي من الخارج أيضًا. فقد قامت مؤسسة standart and poors وهي مؤسسة تقوم بتقييم الدول حسب درجة قابليتها لأخذ الديون من الخارج وقدرتها على دفع هذه الديون - بزيادة درجة تركيا درجة واحدة.

والشيء الإيجابي الذي لاحظه المواطنون جميعًا هو الخط الجديد الذي وعد أردوغان بانتهاجه. فقد صرح بأنه سيستشير جميع أحزاب المعارضة سواء الموجودة منها داخل البرلمان أو خارجه، وسيستشير المنظمات المدنية في جميع المسائل المهمة التي تخص شؤون الدولة، وأجتمع فعلًا مع رئيس حزب المعارضة، وصرحا بعد الاجتماع عن تفاهمهما في موضوع الاستشارة في جميع المسائل التي تتعلق بسلامة الدولة وبمشكلاتها الداخلية والخارجية.

هذا الخط الديمقراطي المنفتح على الجميع الذي قرر الحزب السير عليه مؤشر على أنه سينجح في قيادة تركيا قيادة صحيحة إن أفسحت له حرية الحركة والعمل ولم توضع العراقيل أمامه بحجج مختلفة.

بالنسبة للقوى العلمانية القوية فإن هذا الحزب لن يدخل في صراع معها ولن يقوم بالإدلاء بتصريحات حماسية أو تصرفات تثير حساسيتها، كما أنه لن يدخل في صراع مع اللوبي الصهيوني منذ الأيام الأولى، بل سيتمهل في هذا الأمر -حسب قناعتنا- حتى يجد الفرصة الملائمة بعد أن يقوي موقفه لدى الرأي العام التركي بإجراءاته الصحيحة. لذا فلا يتوق عن أحد تغييرًا فجائيًا في سياسة تركيا نحو «إسرائيل» أو في علاقاتها الاقتصادية معها. ولكن يمكن توقع تحسن العلاقات التركية مع العالم العربي والإسلامي بسرعة. ويمكن عد تصريحات أردوغان بأنهم لا يوافقون على قيام الولايات المتحدة بالاعتداء على العراق أول خطوة في هذا المجال.

إن تركيا مقبلة على عهد جديد يمكن أن تكون فيه أنموذجًا للعديد من الدول الإسلامية.

الرابط المختصر :