العنوان العرب والتحدي - محاولة ملتوية للنفخ في رماد القومية العربية
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1980
مشاهدات 65
نشر في العدد 482
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 27-مايو-1980
- القومية: فكرة عنصرية ضيقة الأفق، تمثل حالة مرضية أصابت الغرب ومزقته بالصراعات.
- مؤلف كتاب «العرب والتحدي» يحاول إعادة الروح إلى الصنم الذي هوى، وهيهات.
- رفض القومية العربية لا يعني الانتقاص من العرب الذين حملوا الإسلام.
«القومية» -مهما تحذلق المنتصرون لها- فكرة عنصرية ضيقة الأفق تمثل حالة مرضية انتابت العالم الغربي في فترة من فترات الاهتزاز، وانتهت به إلى صراعات دموية، تعدى أثرها المدمر إلى العالم كله.
وهي -مهما حاولوا تحسينها في أعيننا- فكرة دخيلة على مجتمعنا العربي وأمتنا الإسلامية، وليس أدل على أنها «نبت شيطاني»، وعضو «مزروع» في جسد لا يتقبله من تلك الاختلافات التي لا تحصى ولا تنتهي بين دعاة «القومية العربية» يختلفون في تعريفها، وفي تحديد أركانها، وفي الصورة التي يمكن أن تتمثل فيها «القومية العربية» واقعًا يعيشه الناس، ويختلفون، بل ويتقاتلون فيما بينهم ككيانات وحكومات مبعثرة متنافرة مع إن دعاويهم التي يروجون بها لفكرة «القومية العربية» هي أنها تؤدي إلى توحيد هذه الأمة، وكل تجاربهم في الوحدة قد منيت بالفشل الذريع؛ لأنها تقوم على أسس واهية، ومفاهيم ولدت ميتة.
والنتيجة الطبيعية لكل تلك المواصفات والملابسات أن سقطت دعوى «القومية العربية»، ونفض الناس المخدوعون أيديهم منها، وبدأ الكثيرون يتطلعون إلى الطريق الصحيح الذي يجمع الشمل، ويشفي من العلل، ولم يجدوا -بعد تجربة كل الشعارات المصنوعة والمستوردة- سوى طريق الله، الإسلام الذي يبني الأخوة والوحدة والقوة.
إذن فشلت «القومية العربية» وليس فقط كدعوة، وإنما كمخطط أريد له أن يقصم الروابط بين العرب وباقي المسلمين في العالم؛ تمهيدًا للقضاء على الإسلام ذاته في داخل الكيانين العربي، والإسلامي، ومن كان في شك من وجود هذا المخطط فليراجع كتابات «القوميين»، وليدرس واقع الأنظمة العربية التي قامت على أسس «قومية» ليجد بوضوح أن من أبرز ما يعلنونه ويطبقونه «فصل الدين عن الدولة، وإقصاء أحكام الإسلام عن المجتمع، وإطلاق الحريات للنزعات الجنسية «والإقليمية» والمذاهب الهدامة». (نقد القومية العربية على ضوء الإسلام والواقع -للشيخ عبد العزيز بن باز- المكتب الإسلامي ط/ ۲، ۱۳۹۱هـ، ص10)
ولا عجب في أن تكون تلك أهدافهم؛ لأنهم في دعواهم كانوا مقلدين لدعوى «القومية» في الغرب، الذي رضع الكثيرون منهم من لبانه، وفي الغرب كانت القومية السياسية جزءًا من حركة علمنة الحضارة المسيحية، وهي حركة علمانية بعض جذورها متأصل في الثورة الفكرية التي يطلق عليها حركة الأحياء.
وأسفرت المعركة بين القومية والمسيحية عن انتصار القومية أشبه باكتشاف إله وثني جديد، رفعته إلى عرش الدولة جماعة من المفكرين كانت تظن أن خلاصها يتوقف على وضع نظام سياسي اجتماعي علماني من صنع الإنسان ذاته، لا على «نظام ديني». (نشوء القومية العربية مع دراسة تاريخية في العلاقات العربية التركية، زين نور الدين زين بيروت. ١٩٦٨م، ص ١٤٤).
ورغم الاختلاف الجوهري بين الموقفين في الشرق وفي الغرب؛ أعني بين الإسلام -الدين الكامل العالمي الطابع والمنهج، الصالح لكل زمان ومكان وجماعة، المحفوظ في قرآنه وسنته من التحريف- والمسيحية التي نزلت أصلًا لبني إسرائيل، ثم فرضتها المصالح السياسية لأباطرة الرومان على أوروبا بعد أن طعمتها بالوثنية الرومانية مع ما صاحبها من استغلال البابوات ورجال الكهنوت «للحق الإلهي» الذي اصطنعوه لأنفسهم في الحجر على العقول، واضطهاد العلماء ومنافسة الإقطاعيين في استغلال الشعوب- أقول: رغم هذا الاختلاف الجوهري بين الموقفين بما ينفي أي إمكانية للقياس، فإن دعاة «القومية العربية» يسلكون نفس السبيل، ويحملون نفس الافكار والآمال التي حملها الغربيون، ولكن اختلاف «الوضعية» أدى -والحمد لله- إلى اختلاف النتائج وأفشل إلى حد كبير مخططات «القوميين»، وجعلهم -في تناحرهم وخيبة سائر مخططاتهم ووعودهم - عبرة لمن يعتبر.
يقول زين نور الدين زين: «أما في الشرق العربي في أثناء القرن التاسع عشر، فقد كان الإسلام ولا يزال عميق الجذور، فلم تستطع الأفكار القومية الجديدة من الغرب أن تحدث ثغرة في الإسلام، بل استطاع الإسلام أن يقف في وجه كل محاولة للعلمنة، والمسيحيون القلائل وإلى جانبهم قلة قليلة من المسلمين ممن كانوا يحلمون بإنشاء دولة عربية علمانية تقوم على حدود جغرافية وطنية معينة، لا على أساس ديني ثيوقراطي، لم تلق «أي هذه القلة» تعضيدًا ولا تشجيعًا من قبل غالبية سكان هذه البلدان الإسلامية». «نشوء القومية العربية، ص ١٤٤».
وإزاء هذا الانتصار الذي أحرزه الإسلام ضد دعوى «القومية» في القرن التاسع عشر ضاعف أعداء العرب والإسلام «وعملاؤهم» من القلة التي ازداد عددها قليلًا، نشاطهم، ونوعوا مخططاتهم لحرب الإسلام وتوهين جذوره في قلوب العرب المسلمين؛ حتى يحولوا ميزان الصراع لمصالحهم وصالح دعواهم الضالة.
ورغم النجاح الجزئي الذي حققوه في بعض القلوب، فإن النتيجة كانت ولا تزال في صالح الإسلام الذي لم تزد الضربات أبناءه إلا صحوة وتيقظًا وتشبثًا به، وبدأت استجابتهم القوية لأمر الله.
﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ﴾ (التوبة: 14،15).
ولكن هل أقنع هذا الإخفاق الذي قام عليه ألف دليل ودليل دعاة «القومية» في بلادنا؛ فخجلوا من أنفسهم، أو تركوا محاولاتهم إحياء الموات؟ كلا، إنهم ومن يدفعونهم إلى ذلك من دهاقنة الغرب طلاب منافع وسلطان وأثرة، لذلك نراهم لا يزالون يتشبثون- كالغريق- بأوهى الأسباب، ويحاولون النفخ في هامد التراب.
من أحدث المحاولات وأشدها التواء، ما قدمه د. محمد عمارة، في كتابه «العرب والتحدي»، الذي نشره المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، «عدد-۲۹» جمادي الآخرة، رجب ١٤٠٠هـ.
والمؤلف -كما يبدو من كتبه ومقالاته الكثيرة- مناصر للقومية وللعلمانية والفكر اليساري، بل زاد -في واحد من أحدث كتبه «الإسلام والوحدة الوطنية» «۱۹۷۹م» - المناداة بإيحاء الدعوة القديمة الحديثة اتحاد الأديان الثلاثة اليهودية، والمسيحية، والإسلام».
يحاول د. عمارة في كتابه «العرب والتحدي» -وبطريقة غير مباشرة وإن كانت واضحة- أن يلبس الإسلام ثوب «القومية».
ويعتبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بطلًا قوميًا، أفرزت دينه الملابسات التي أحاطت بالأمة العربية، والتحديات التي واجهتها في تاريخها القديم، كما يعتبر كل التطورات التي حدثت بعد الإسلام في ميادين الحياة الاجتماعية والثقافية والجهادية لم تكن سوى ألوان من الدفاع عن «قومية» هذه الأمة.
ومن أجل الوصول إلى الهدف المنشود، وهو إعطاء «القومية» بعدًا إسلاميًا، وهو ما تنكره أقوال القوميين وأفعالهم- كانت هذه المحاولة لإلباس الإسلام ثوبًا وطابعًا «قوميًا»، وبذلك -في أمل المؤلف- تتخلص «القومية العربية» من أكبر وأخطر أسباب فشلها، وهو تناقضها مع مفهوم «الإسلام».
ومن أجل هذا الهدف لعب المؤلف -ببراعة- بكثير من الحقائق الإسلامية والتاريخية، وصورها في دهاء لتصبح شاهدًا له، ورغم براعته فقد جاء الكثير من الأمثلة التي حشدها لتؤيده بادي الزيف والضعف.
ولن نستطيع في هذا المقام استعراض الكتاب كله، وإنما سنكتفي بإيراد أمثلة من تزييف الحقائق مما أورده:
- في ص ٦ يقول: «كانت الثمرة الجديدة وهي الحضارة العربية والإسلامية محصلة للفكر العربي الشاب والمجدد، الذي تمثل في الإسلام، ومن ثم فلم يكن تبلورها ميلاد حضارة جديدة، بقدر ما كان طورًا جديدًا في مسار حضاري قديم وعريق.
- وتظهر السمة «العنصرية» -التي هي إحدى لوازم فكرة «القومية»- واضحة عند المؤلف في رأيه أن العرب وحدهم هم الذين تمثلت في حضارتهم خصائص الإسلام، أما غير العرب من الشعوب التي اعتنقت الإسلام کالأتراك العثمانيين، والمغول والتتار «فقد طوعوا الإسلام لما لحضاراتهم من مميزات؛ فرأيناهم «أي: رآهم الكاتب» يقفون من هذا الدين أساسا وغالبًا، عند الشكل، والشعائر، وخاصة الطقوس» (۱3).
- يزعم -في أسلوب ملحمي شعري- أن العرب حين اشتد الخطر المحدق بهم (الفرس، والروم في الشمال والغرب، والحبشة في الجنوب» طرحوا على أنفسهم سؤال شكسبير المشهور نكون؟ أو لا نكون؟! (ص ٢٤).
ثم يتابع الخيال فيزعم أن هذا التحدي «قد أحدث في جسد هذه الجماعة الإنسانية اختلاجات أخرجت من الأعماق ما هو كامن وأصيل، فنفض بهزته هذه عن كاهله أخطر السلبيات وأثقل القيود، وبدأ المسير في اتجاه حركة التاريخ» (ص ٢٤).
ومن هذا المنطلق الملحمي يؤكد أن العرب قاوموا جيش إبرهة الذي غزا الكعبة، ولم يشذ إلا «أبو رغال» ولذلك رجمه العرب (ص ٢٤-٢٥). مع أن الثابت في كتب السيرة أن نقيل قائد «خثعم» -بعد أن هزمه أبرهة وأسره- صار دليلًا لإبرهة بأرض العرب، ودانت خثعم بقبيلتها -شهرا وناهس- بالسمع والطاعة لأبرهة «ابن هشام ج/ ١ ص ٤١). كذلك هادنت ثقيف إبرهة وقالوا له: أيها الملك إنما نحن عبيدك، سامعون لك مطيعون، ليس عندنا لكم خلاف، وليس بيننا هذا البيت الذي تريد؛ يعنون اللات، إنما تريد البيت الذي بمكة ونحن نبعث معك من يدلك عليه، فتجاوز عنهم. (ابن هشام 1/42).
كما يدعي أن عرب اليمن بقيادة سيف بن ذي يزن حرروا اليمن، وأجلوا الأحباش، واستعانوا على ذلك بما بينهم هم وبيزنطة وبين الفرس من صراعات (ص ٢٥).
ولكن ابن هشام يذكر أن سيف بن ذي يزن ذهب إلى قيصر الروم يشكو فلم يشكه، فذهب إلى كسرى -بواسطة النعمان بن المنذر- فأرسل معه (۸۰۰) من المسجونين، وحين هزم الأحباش تولى الحكم أمراء من الفرس، ظلوا يتتابعون واحدًا بعد الآخر حتى كان آخرهم باذان الذي ظل حتى بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- «ابن هشام 1/ 55-62». إذن استبدلوا السيد الحبشي بآخر فارسيا، فأين التحرير إذن؟!
4. ويغرق المؤلف في التخيل والمغالطة فيقول:
(وحول هذا التاريخ (يعني حملة أبرهة على الكعبة) شهدت ظاهرة التمزق العربي الذي جسدته المنازعات والحروب القبلية تطورًا في اتجاه جديد، فلقد اتفقوا على هدنة سنوية مقدسة هي الأشهر الحرم (رجب، وذي القعدة، وذو الحجة، والمحرم) يسود فيها السلم شبه الجزيرة» (ص ٢٦). معأن الثابت أن تحريم الأشهر الحرم إنما هو تشريع إلهي، وليس «مبادرة عربية قومية» وأن بدايته أبعد بكثير من القرن السادس الميلادي، ولعلها منذ أمر الله إبراهيم -عليه السلام- بأن يؤذن في الناس بالحج، بل الذي يؤكده القرآن هو أن العرب قبل الإسلام كانوا يقدمون شهوتهم للقتال على تحريمهم لهذه الأشهر، ولذلك لجأوا إلى «النسيء» ليواطئوا عدة ما حرم الله». (انظر كتب التفسير عند تفسير الآيتين ٣٦، ٣٧ من سورة التوبة).
5. ومن المضحك أنه يشير إلى ولادة النبي محمد -عليه السلام- عام الفيل وكأنها إحدى المبادرات القومية العربية على طريق التوحد. (ص ٢٦).
6. ويسمى الحج به الشعيرة العربية، كما يعتبر تجميعهم أصنامهم حول الكعبة «بداية توحيد هوية تلك الجماعة البشرية» (ص ٢٦).
7. يشير إلى حركة النفر القليل -الذين سموا بالحنفاء -على أنها ظاهرة قومية عربية، فيزعم أن العرب تطلعت أبصارهم، وأشربت بصائرهم إلى دين جديد توحد عقيدته، ولا تفرق، وتؤلف شريعته، ولا تمزق، ولقد أرادوه دينًا عربيًا يحمل مع جوهره الإلهي وحقيقته الربانية هالات المجد القومي للعرب الأقدمين». (ص/ ۲۷).
ويكرر نفس النغمة فيقول «وفي هذا المناخ، وتلك الملابسات جد نفر من طلائع هذه الجماعة العربية في البحث عن «الهدى» و«الرشاد» في دين إلهي، وشريعة ذات طابع قومي عربي، ينهض بها العرب، وتنهض بهم في مواجهة ما فرض عليهم من تحديات». (ص ۲۸ -۲۹).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل