; على هامش التكامل المصري السوداني... تكامل الأنظمة أم تكامل الشعوب | مجلة المجتمع

العنوان على هامش التكامل المصري السوداني... تكامل الأنظمة أم تكامل الشعوب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أكتوبر-1982

مشاهدات 70

نشر في العدد 592

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 26-أكتوبر-1982

أسرار هذا التوقيت

● نميري يسدد فاتورة حفظ نظامه

● تسمين القطط السمان مزيد من الهزال للشعبين

● نميري... ساعي مصر

● مبارك... الهلع الدائم

المسلم أنى كان يسره أن يرى إمارات الالتقاء والتقارب تظهر في صفوف أمته. وهو ينظر لكل تجربة التقاء بعين الأمل والرجاء، ولكنه أمل لا يغتر بظواهر الأشياء، بل يستبطن أعماق الأحداث الظاهرة ويقلب فيها النظر متى يكون تفاؤله مؤسسا لا منطلقا من أماني زائفة وأحلام خلب. 

وبهذا المنطق نود أن نتطرق لحدث هام من أحداث الساحة المسلمة فيما تناقلته الأخبار أخيرا عن توقيع ميثاق التكامل الاقتصادي بين مصر والسودان في يوم الثلاثاء ٢٥ ذي الحجة ١٤٠٢هـ الموافق ۱۲ أكتوبر ۱۹۸۲م.

  • أضواء وحقائق:

من أوائل ما يود المرء التنويه به أن هذه الصيغة التكاملية تشكل مظهر تراجع وانكماش لما كان عليه الحال منذ العقود الأولى من هذا القرن الميلادي وحتى منتصفه حيث كانت أحاديث «وحدة وادي النيل» تملأ الأجواء.

وإحدى الثورات الشهيرة في تاريخ السودان الحديث «ثورة ١٩٢٤» كان حافزها الأساسي وحدة وادي النيل هذه.

فوفقا لطبائع الأشياء في النماء والانتشار يتوقع الناظر أن تكون الوحدة قد تحققت وامتدت «لوحدات» أكبر!! ولكن وقائع الأمور تنبئنا أن الفكرة قد تقلصت، بل عادت أدراجها تبدأ دورة الحياة من جديد! ولا نذهب مع المتشائمين الذين يقررون أن الفكرة إن عادت لمراحل «الحبو» من جديد فيخشى أن يكون هذا دليل شيخوخة وتخريف لا مرحلة نمو جديد!!

والذي يهمنا هنا قبل النظر في ميثاق التكامل الجديد «القديم» أن نطرح السؤال على القائمين على الأمور هل محصوا حقا أسباب هذا التراجع المريع من حماس هائج لوحدة كاملة إلى خطو متردد نحو تكامل؟

تبادر بهذا السؤال لأنه إن استمر العطاء الواقعي وفقا لهذا النمط فيخشى المرء من زمان يجلس فيه مسئولو البلدين للاعتراف بوجود علاقات بينهما!!

  • توقيت هذا التكامل

أمر التوقيت مما يثير انتباهنا أيضا من واقع ما يحيط به فقد تزامن توقيع الاتفاقية مع تمديد صلاحية قانون الطوارئ في مصر لعام آخر مما يوحي بعدم الاستقرار الأمني في الجانب المصري ثم إن تقارير المراقبين تتحدث عن تردي الأوضاع الاقتصادية في البلدين بل طروء ما يشبه حالة العجز إزاء المشكل الاقتصادي في كليهما فحسني مبارك- مثلا- قام بتغيير المجموعة الاقتصادية المسئولة خمس مرات خلال عام «الحوادث عدد ١٣٥٤ الجمعة ۱۹۸۲/۱۰/۱۰م» والحال في السودان أكثر سوءا في هذه الناحية لا سيما ما تردد عن تخفيض قيمة العملة للمرة الثانية- في أقل من عامين- بنسبة %۱۸ وعندما نقول تردي الأوضاع الاقتصادية فإننا نقصد درجة تتهدد حياة المواطن اليومية في قوته وضرورياته الأولى.

وعادة ما يصحب التردي الاقتصادي تردي في الأمن والأخلاق، بل ربما تكون الترديات الاقتصادية نتيجة لهذه.

فظروف وملابسات التوقيت غير جميلة كما ترى مما يجعلنا نتساءل عن دواعي توقيع الاتفاقية في هذا الوقت بالذات! 

  • تعليل التوقيت:

تسعفنا تفاصيل الميثاق بالتفسير، فقد نصت أول ما نصت على النواحي السياسية والعسكرية «الأخبار القاهرية ۱۹۸۲/۱۰/۱۰م» وهذه النواحي في التاريخ المعاصر لمنطقتنا مما يتصل بالأنظمة قبل اتصالها بالشعوب، بل قد تكون مضادة لإرادة الشعوب في الأساس مستنزفة لمواردها مبددة لطاقاتها.

وعلى كل فقد حسم النص مجالات الظن منبها إلى أولويات دواعي هذا الميثاق والتكامل!

أمن النظام في مصر والسودان: 

  • نعلم أن النظام في مصر قد بلغ درجة من الهلع استصدر فيها قانونا «لمعالجة» أئمة المساجد «المتطرفين» بعقوبات تتردد بين السجن لمدة تصل لخمس سنوات والغرامة لخمسمائة جنيه «كل العرب الباريسية عدد 7 بتاريخ ۱۹۸۲/۱۰/۱۳» وقانون الطوارئ وتمديده في ذاته يعكس مدى درجة اطمئنان النظام المصري!! 

وأما بالنسبة لأمن النظام السوداني فهو يعتمد في أمنه على مصر بدرجة أولى وله «ديون» في هذا الجانب يعجز عن سدادها مهما امتد به الزمان.

ومن ضمن «فواتير التسديد» التي يقوم بها النظام السوداني مساهماته المشهودة في فك عزلة مصر، وفي مؤتمر فاس الأخير قيل إن الرئيس السوداني تحدث عن «الشقيقة» مصر لمدة ثلاث ساعات متواصلة مطالبا «بإعادتها» للصف العربي! بل أن الرئيس السوداني عرج على مصر بعد نهاية المؤتمر ليعطي مبارك تقريرا مفصلا عنه!

فالمنافع المتبادلة بين النظامين في الأمن القومي والمجال الخارجي تشكل تكاملا للأنظمة ينقصه نوع من إضفاء الشرعية تتزين بتكامل الشعبين والبلدين وقد كان! ولعل هذه الإيضاحات بينت إلى حد مغزى هذا التوقيت والذي تم في۱۹۸۲/۱۰/۱۲م.

وقد تلمس في النصوص الخاصة بأجهزة التكامل ومؤسساته أن رأس البلدين هما مدار كل شيء. حتى البرلمان المشترك يختار أعضاؤه بانتقاء تلمس فيه مراعاة رغبة الرئيسين فالشعوب قد ذاب وجودها حتى من الناحية الشكلية.

  • التعاون الاقتصادي:

وهناك تفصيلات لأطر التعاون الاقتصادي والاجتماعي، ونتوقف قليلا حول المضامين الاقتصادية فمع الإشارة المتكررة والمعتادة للطاقات البشرية المصرية المكملة لإمكانيات السودان الزراعية وما إليه إلا أن الواقع الانطلاقي في هذه الجوانب سيئ جدا، فديونهما قد بلغت حدا رهيبا واعتمادهما على المعونات الخارجية يشكل حجر الأساس مما يجعل المرء يتساءل عن مدى جدية هذه المشروعات الاقتصادية في هذا الواقع المتهاوي كل يوم.

وما استطاعت أنظمة البلدين مع الزمان الطويل الذي مكثتاه «مصر ١٩٥٢م السودان ١٩٦٩م» أن تفجر طاقة إنسانها أو تربيه على الاكتفاء الذاتي والاعتماد على النفس. والتكامل الاقتصادي أظنه يعتمد على هذا الركن أول ما يعتمد. فإذا كان الرصيد للانطلاق الاقتصادي هو هذه المشروعات المتمناة دون أي مستند واقعي وتناسب ظرفي فيخشى أن يكون التكامل الاقتصادي على الصيغة المشهورة صفر + صفر= صفر

  • وأمر الفساد:

ويتعلق بالاقتصاد الفساد المتمدد الذي أفرز أكثر من عشرة آلاف مليونير في مصر اصطلح على تسميتهم بـ«القطط السمان» والحال في السودان قريب من هذا ويخشى المرء أن يقتصر خير التكامل- إن كان ثمت- على المزيد من التسمين والاستسلام لهذه القطط فيهزل الشعبان أكثر مما عليه حالهما الآن.

ونضيف لهذا ما ورد على لسان إبراهيم متولي نوار الباحث بمركز الدراسات الاستراتيجية بالقاهرة في دراسة له عن مشاكل التكامل الاقتصادي «الاتحاد الظبيانية عدد ٢٠١٦ بتاريخ م١٩٨١/٧/٤» «وسوف يعجز مشروع التكامل عن تحقيق المنافع المشتركة إذا كان يقوم على أساس أولوية «خدمة مصالح قوى خارجية واستنزاف ثروات هذه البلاد لصالح مواجهة خطر موهوم». 

والواقع منبئ عن انطباق هذه الحيثية على هذا المشروع وفي الوقت الحالي بالذات. فالدور الأمريكي وأثره في سياسة البلدين ليس مجهولا وهو على أشده الآن «صارت القاهرة أكبر تجمع دبلوماسي أمريكي في الخارج واحتلت مكان طهران السابق» وأما الأخطار فهي أيسر ما تخترعه أنظمتنا العربية وليس بعيدا عن الذاكرة ما كان يقال عن خطر ليبيا ثم الحبشة وإن كانت هناك حقائق مرتبطة بهذا إلا أنها توظف دائما في إطار غير موضوعي لا سيما إن كثرت المشاكل الداخلية فأنظمة المنطقة عموما مبدعة في استهلاك هذه الأخطار الخارجية والتي كثيرا ما تنفرد برؤيتها دون شعوبها!

  • أرضية الانطلاق الحالية: 

ثم أن الذهن يتجه إلى الأعمال نظرا وتأملا في مكونات الأرضية التي ينطلق منها التكامل وفي هذا الوقت بالذات.

 فقد أشرنا بداية إلى تقلص الفكرة من وحدة كاملة إلى رضاء أهل الشأن بتكامل ما مع الحيثيات الواقعية التي قد تعطل هذا التكامل وهذا لا ينفصل عن الواقع الفكري والثقافي والسياسي الذي أحاط بالبلدين فنحن نعلم أن الهجمة الصليبية الحديثة المسماة بالاستعمار أجهزت على العقول والأفكار قبل إجهازها على الأوطان أو معها على الأقل. وقد ساهمت عبر مؤسساتها في تبني أبناء العالم الإسلامي- ومنهم أبناء وادي النيل- لاتجاهات ونزعات ما زالت تعمل في إحباط جهود عالمنا الإسلامي في النهوض.

ومن أوائل ما يذكر في هذا المضامين الشاطحة لما يسمى بالوطنية بدرجة تبلغ عبادة الذات والتراب! وفي الوقت الحالي الآن هذه النعرة على أشدها في مصر ما بعد كامب ديفيد. وبعض العناوين التي تتصدر ساحة الإنتاج الفكري تنبئنا عن درجات التهويم التي يعيش فيها مثقفو مصر على وجه الخصوص، ولأذكر هنا مؤلفا للدكتورة «نعمات أحمد فؤاد» - وهي ذات اتجاه معتدل- بعنوان «شخصية مصر» ومؤلفا للدكتور «جمال حمدان» «مصر: عبقرية المكان!» وبغض النظر عن المضامين، ولكنها ذات دلالات نوعية على حقيقة ما بلغته الموجة الوطنية وأما الكم فعلمه عند ربي!

ويتساءل الإنسان عن إمكان حدوث خطوات وحدوية وسط هذا الضيق «الوطني» والتيار المائج بعبادة الذات. وكل أجهزة التوجيه تغذي هذا الاتجاه ومن أسف أن بنية المثقفين تقبل تعديلا ثقافيا يتماشى وسلام وأمن إسرائيل كما تأكد بالوقائع عبر كثير من الأسماء اللامعة مثل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وأنيس منصور وغيرهم كثير. وقد لا تقبل عقلية هؤلاء تنازلاً جادا في غير هذا السبيل وذلك لملابسات خاصة ببنائها الفكري ليس ها هنا مقام سردها.

والسودان أمره مثيل بهذا فتحية العلم يبدأ بها أبناء السودان يومهم الدراسي والأغاني الوطنية يصعب إحصاؤها إلى آخر ما يتصل بتعزيز هذا التيار فهل في الإمكان بذل الثمن «الفكري البنائي» للوحدة ولو بالتقسيط؟

  • حول المبررات

ملاحظة أخرى حول المبررات التي تورد في مواثيق الوحدة والتكامل في ديباجاتها ومقدماتها على الخصوص فمثلا «رباط النيل الأزلي» أو «التاريخ المشترك منذ أقدم العصور» أو «الحضارة المشتركة» «يعنون الفرعونية» لم تعد هذه الشعارات تستجيش قلبا أو تهز نفسا. ولا بالنسبة لصائغيها وحائكيها، ويجد المرء نفسه عاجزا عن التفسير للتغاضي عن الأصول الحقيقية التي تربط الشعبين والتي أوجدت وصاغت حقائقهما المشتركة في الوجود من لغة وتاريخ وما إليه. وذلك قد تمثل في الإسلام أولى ما يتمثل، ولكن الإسلام إنما يتبناه المؤمنون الصادقون فهم أهله والبناء الحالي الهش يعجز عن تحمل الأمور الكبيرة والمهم هنا أن يبحث «المطبلون» و«المتبلون» عن مبررات وحوافز لها رصيد حقيقي لا ممسوخات مختلفة لا وجود لها ولا في أذهان قاتليها.

وتنبيه ثالث أن التاريخ القريب المشترك فيه ذكريات بغيضة لا سيما في السودان ليس آخرها ما تم إبان عهد عبد الناصر من إبادة للمقاومة المجاهدة في جزيرة «أبا» في عملية مشهورة أشرف عليها السادات- نائب الرئيس حينها- وقادها حسني مبارك الذي كان قائدا لسلاح الجو واعترف مبارك بنفسه عبر مقابلة مع المصور القاهرية..

وبشاعة العملية لا تقل عن «حماة السورية» ووقتها كان النظام شيوعي المشرب «مارس ۱۹۷۰م» ثم أن مصر تثبت في أذهان السودانيين صورة الشرطي المسخر لخدمة النظام دائما حتى أن بعض أبنائه كانوا يستودعون أمانة عند أجهزة الأمن المصري كما حدث لصادق المهدي إبان عهد عبد الناصر.

  • ومصير الإسلاميين:

ويقودنا ما سبق للملاحظة الأخيرة وهي متصلة بالإسلاميين في السودان والمحالفين منهم للنظام على وجه أخص فقد التصقت صفة بالنظام في السودان أن كانت عامة فهي في حقه أو كد وهي أنه «ليست له علاقات دائمة وإنما مصالحه هي الدائمة» وقد كانت هذه الكلمات هي الفلسفة العملية للنظام منذ أيامه الأولى وحتى الآن. وتاريخه يفسر بالنظر لهذه الحقيقة. وقد يعلم المراقبون أن المصالحة بنيت على حيثيات وملابسات كان منها ابتعاد اليد المصرية عن التأثير على النظام الحاكم في السودان. وازدهار المصالحة القليل ثم تحت ظلال هذا الابتعاد خاصة ما بعد كامب ديفيد. وقد تتفق المعادلة الداخلية القائمة الآن في السودان مع المعادلات الخارجية، ولكن الاحتمال يظل قائما وبنسبة قد تزيد عن خمسين في المائة أن يستغني النظام عن المصالحين ببدائل أخرى ليس آخرها تلك الفئات السودانية التي تزدهر دائما في ظلال التقارب مع مصر وهذه الفئات مشهورة بانتهازيتها التي قد تجعلها تدفع عربة المصالحة نحو الهاوية.

وغني عن الذكر أن صاحب مصر يحمل ذكريات بغيضة عن الجماعات الإسلامية وشبح الاغتيال لا يكاد يفارقه وحاله شاهد بذلك ولا يستبعد أن ينصح أخاه في السودان نصيحة أخوية خالصة مدعومة بالوسيلة.

وعلى كل ليوضع هذا في باب الاحتمالات وقد يتسلح المصالحون بالمزيد من الهدوء والنعومة وليس ذلك بمغنى عنهم شيئا على أننا نعلم أن أهل مكة أدرى بشعابها، ولكن أحببنا أن نذكر.

الرابط المختصر :