العنوان يوم عَرفة
الكاتب صالح الراشد
تاريخ النشر السبت 20-نوفمبر-1976
مشاهدات 99
نشر في العدد 327
نشر في الصفحة 46
السبت 20-نوفمبر-1976
- فيه أعظم حشد في العالم..
- فيه كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم الجامعة.
- فيه إتمام الحج.. فالحج عرفة.
- تقديم:
عاش رسولنا الكريم صلى الله عليه وعلى إله وصحبه وسلم أيام الدعوة الأولى في مكة المكرمة داعيًا إلى الله سبحانه بالتوحيد صابرًا على الأذى والألم والتعب بالإنابة إلى ربه جل وعلا وخط سطور النور المرشدة إلى الإيمان بالله تبارك وتعالى والإقرار بصفاته جميعًا التي تليق بذاته سبحانه من العظمة والتنزيه لذلك كانت هناك أعلام للطريق تهدي إلى نور الحق المبين وإلى صراط الله المستقيم منها يوم أن صدع بالدعوة جاهرًا، ومنها بيعتا العقبة الأولى والثانية ومنها الإسراء والمعراج ومنها الهجرة وعليه فقد كانت هذه الأعلام تزيد المسلمين ثباتًا وإقدامًا إلى رفع لواء الإسلام والجهاد في سبيل الله فكانت حياته عليه الصلاة والسلام في المدينة تقدم هذه التوكيدات تباعًا واحدًا تلو الآخر فكان من الأعلام الخاتمة يوم عرفة خير أيام السنة والشامل لكمات الرسول صلى الله عليه وسلم الجامعة.
- فضل يوم عرفة:
وقف ابن القيم رحمه الله في مقدمة كتابه زاد المعاد عند آية من كتاب الله وهي قوله تعالى ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (القصص: 68) واستل منها تفضيل الأيام والشهور على بعضها البعض وإن ذلك أمر صدر عن الله سبحانه للتنافس في العمل الصالح والتسابق في الحرص على الطيبات، ومن تلك الأيام التي كتب لها التفضيل والتشريف يوم عرفة والحق أنه لكذلك حيث نرى وفد الخير وفد التلبية باسم الله يقف في صعيد واحد ويكون ذووه في لباس واحد مجردين من كل زينة ومخيط يلبون ربهم بصوت متهدج وقلوب خاشعة، وإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان فضل هذا اليوم هو الدليل الأوكد في كل أمر من الأمور. فعن عائشة رضى الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة وإن الله ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء» أخرجه مسلم والنسائي ولشرف هذا اليوم ومكانته عند الله اختار أن ينزل على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم أعظم آية تعلن كمال الدين وتمام النعمة وانتصار الإسلام وإعلاءه. ثبت في صحيح البخاري عن طارق بن شهاب قال: - جاء يهودي إلى عمر ابن الخطاب رضى الله عنه فقال آية تقرؤونها في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت ونعم ذلك اليوم الذي نزلت فيه لاتخذناه عيدًا. قال: أي أية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيِنًا﴾ (سورة المائدة:3) فقال عمر بن الخطاب إني لا علم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفة يوم جمعه ونحن واقفون بعرفة».
وما تمام تكريم هذا اليوم أن كان الوقوف «يعني التواجد فيه حتى لو مكث فيه جانسًا» فيه ركنًا من أركان الحج والركن الأساسي أيضًا إذ ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «الحج عرفة».
- صيام يوم عرفة:
من كمالات نضل هذا اليوم أن شرفه الله سبحانه بزيادة الأجر لمن صامه وذكره المصطفى عليه الصلاة والسلام من جملة الأيام المستحبة والمؤكدة في صيام التطوع فقد أخرج الإمام مسلم عن أبي قتادة رضى الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «صيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده»
هذا جزء من حديث أنظره في مختصر صحيح مسلم للمنذري 1/165 رقم الحديث ٦٢٠ بعنوان صوم يوم عرفة.
- مشهد يوم عرفة: أيها المسلم العارف ربه القائم بالطاعات المتقرب إلى رضوان ربه بالطيبات الصالحات أيها الأخ الكريم أينما كنت أمـــــــدد نظرك خلال تجمعات البشر أترى تجمعًا كتجمع يوم عرفة؟ وحتى لو حصل أنك رأيت ذاك، افترى أنه بهذه الصورة من الإنابة والخشوع إلى مولاه؟ أو أنه بهذا الشكل من الذكر والخشوع. أو أنه بطبيعة الوحدة والانسجام في المظهر والسلوك؟
ذلك مشهد يوم عرفة؟ مشهد أراده الله، فكان ما أراد سبحانه، مشهد الإنابة في أعظم وأدق صورة لها حيث نشهد هذا الحشد الزاخر الذي لا يحظى التاريخ بمثله في يوم من أيام كل عام من أعوامه إلا في ذلك اليوم وفي ذلك اليوم فقط إذ تجتمع العظمة في الإفاضة من عرفات بالعظمة أيضًا في التجمع فيه، وهكذا تلحظ أخي المسلم ما أن ينتهي ذلك اليوم وتبدأ الإفاضة تبدأ المغادرة فإذا نرى ذلك المكان الأبيض لما غطى من ملابس الإحرام تراه بعد انتهاء القيام بأداء واجب هو ركن من أركان الحج تراه على طبيعته أرضًا خالية، وبذلك حق أن يكون ذلك المشهد عظيمًا أفلا ترى ذلك..
- حول كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم الجامعة:
ما ألطف وأرق أن نستمع لكلمات الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام إنها رحيق للروح ونسيم عليل للنفس حيث تزكو نفوسنا بها وتنطلق من أسار المادة ورغائب الحياة مبتغية رضوان الله مضحية في سبيله ساعية إلى الجنة عنده جل وعلا وكلمات سيدنا المعلم والمربي ورسولنا صلى الله عليه وسلم هي الزاد للعمل الطيب وهي المنهاج للفرد والمجتمع فقد أوتي جوامع الكلم وتلك الجوامع من الكلمات ما أكده في ذلك الموقف الكبير فعطرت أرض عرفات وبطحاء منى بكلمات من الفم الطهور وكانت توصيات الخاتمة التي تحمل في معانيها إجمال دعوة المصطفى التي وقف عليها حياته ومن جملة ما قال صلى الله عليه وسلم قوله: «أيها الناس ألا أن ربكم واحد وأن أباكم واحد إلا لا فضل لعربي على عجمي ولا لاسود على أحمر إلا بالتقوى... أيها الناس أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام في شهركم هذا كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد..» وهذا كان توكيدًا لإقرار وحدانية رب العباد سبحانه وكان إقرارًا بأن ميزان التفاضل لا الجنس ولا اللون ولا أيًا من ذلك وإنما هو التقوى وكان إقرارًا بالأمان بتوكيد حرمة الدماء والأموال والأعراض لصيانة مصالح الناس واستقرارهم وأمنهم وهكذا كانت خطبته جامعة في ذلك اليوم الجامع فما أحرى أن تكون بنود منهج المؤتمرات اليوم وعناوين بارزة لمشاريع النهضة في كل عصر وإلا فلن يكون هناك نور يضفي جانب إلا من للناس وندعو الله أن نفقه كلمات سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم فتحل الطمأنينة والأمان.
أخي المسلم هكذا عرفنا يوم عرفة يوم خير وفضل وبركة فلنحرص على عمل الخير والتقرب فيه إلى الله
عسى أن نكون من المرحومين المقبولين عند ربهم وبالله التوفيق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل