العنوان ملف العدد (1) العنصرية في الغرب.. قوانين برَّاقة وواقع مرير
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأربعاء 01-يوليو-2020
مشاهدات 76
نشر في العدد 2145
نشر في الصفحة 17
الأربعاء 01-يوليو-2020
جاءت حادثة وفاة الأمريكي الأسود «جورج فلويد»، مؤخراً، اختناقاً تحت ساق أحد رجال الشرطة؛ لتثير تساؤلات مهمة حول بعض الأفكار التي تم تدبيجها عن الغرب بصورة عامة، وأمريكا بصورة خاصة، حتى ترسخ في الأذهان أن الحياة هناك تشبه الحياة في المدينة الفاضلة التي كان يحلم بها «أفلاطون».
جاءت هذه الحادثة لتكشف زيف كثير من الادعاءات والصور الذهنية البرَّاقة الخادعة عن هذه الحضارة التي نشأت في الأساس على جماجم شعوب أخرى أبيدت بدم بارد.
ومن المفارقات أن هذه الحضارة تحاول استمداد أسباب بقائها واستمرارها على حساب الطعن في الحضارات الأخرى، وعلى رأسها الحضارة الإسلامية التي قامت في الأساس على منظومة من القيم الفاضلة التي شهد لها أعداؤها وخصومها قبل أبنائها ومحبيها.. كيف لا وهي مستمدة من كتاب رب العالمين الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، وسُنة نبيّه الأمين الذي جاء بالحنيفية السمحة؛ فانفتحت أمامه القلوب والعقول قبل القلاع والحصون؟!
وفي هذا الملف، تلقي «المجتمع» الضوء على قضية العنصرية في الغرب من خلال النموذج الأمريكي، مع مقارنة ذلك بما جاء به الإسلام من قيم رشيدة وأخلاق حميدة، وذلك من خلال الموضوعات التالية:
• خبراء ومتخصصون: العنصرية في الغرب.. قوانين برَّاقة وواقع مرير.
• المجتمع الأمريكي أبيض وأسود.. والإسلامي يضم كل الألوان.
• عنصرية اللون والمال بالولايات المتحدة الأمريكية.. رؤية إسلامية.
كيف عامل المسلمون عبيدهم؟ شذرات من مؤلفات الرحالة الغربيين.
خبراء ومتخصصون لـ»المجتمع»:
العنصرية في الغرب.. قوانين برَّاقة وواقع مرير
د. سلامة:
- حادثة «فلويد» تخرج عن إطار جرائم التمييز العنصري فهي لا تعدو كونها حادثة فردية لها أسبابها المجتمعية
- التراخي الأمريكي في معاقبة مرتكبي مثل هذه الجرائم جرَّأ كثيرين داخل الشرطة على تكرارها وبقسوة
د. صادق:
- بالنظر إلى تاريخ أمريكا نجد أن الدستور الذي وضع عام 1788م لم يذكر السود ولا المرأة
- الولايات الجنوبية حافظت على العبيد بمنطلق اقتصادي لأنهم عصب المزارع لكن الشمالية رفضتهم لنشاطها الصناعي
د. أبو ليلة:
- فلسفة حقوق الإنسان في الإسلام تسمو فوق فكرة القوانين والدساتير فهي جزء من الاعتقاد والثقافة
- من محامد ديننا العظيم عدم تشريعه تشريعاً مباشراً ضد الرِّق
تحقيق- علا سليمان:
من قال: إن العنصرية في الغرب قد انتهت بعد «مارتن لوثر كينج»، وإن السود هناك لم يعودوا منبوذين، ولم يعد يمارَس ضدهم تمييز أو عنصرية؟!
سؤال يبدو طبيعياً في ظل تلك الطلقات التي تلقاها مشروع المناضل ذي الأصول الأفريقية بعد الطلقة التي أودت بحياته هو، طلقات في جسد حلمه الذي ناضل من أجله حتى اغتيل في أول أبريل 1968م.
فلم يكن «جورج فلويد»، إذن، هو الطلقة الأولى التي حاولت اختراق جسد الحلم «اللوثري»، بل سبقتها طلقات كثيرة جعلت من هذا الحلم مجرد ذكرى، وأضحى معها الغرب وأمريكا على وجه الخصوص تعيش على فوهة بركان ينتظر الانفجار في أي لحظة.
في البداية، سنرصد بعض تلك المحطات في أمريكا على وجه الخصوص، باعتبارها «ترمومتر» يقاس به طبيعة التعاطي مع هذه القضية في العالم الغربي بأكمله.
وبعدها ستطرح «المجتمع» أسئلة يجيب عنها خبراء الاجتماع السياسي، والقانون الدولي، والشريعة الإسلامية، أسئلة من قبيل: هل يمكن تصنيف حادثة «فلويد» على أنها ضمن إطار التمييز العنصري، أم أنها حادثة فردية لا تعبر بحال «على المستوى القانوني» عن هذا النوع من الجرائم؟
وفي المقابل، هل هذه الهَبَّة من المجتمع الأمريكي ضد هذه الحادثة تم تغذيتها سياسياً للإيقاع بالرئيس الأمريكي «دونالد ترمب»، أم أنها هَبَّة حقوقية حقيقية؟ وبالتالي: هل يمكن أن تكون حادثة «فلويد» مسماراً في نعش الرأسمالية الغربية باعتبارها حاضنة هذه «العنصرية» بعيداً عن التكييف القانوني للمصطلح؟ وهل ستكون أمريكا بعد مقتل «فلويد» هي أمريكا قبله، أم أن الحادثة ستفرض نوعاً من التغيير؟ وما حجمه ومساراته؟ وما السر الذي يجعل كل ترسانة القوانين الأمريكية والغربية وإعلانات حقوق الإنسان فاشلة إلى الآن في احتواء هذه الظاهرة؟
والسؤال الأبرز، في المقابل: هل نجح النموذج الإسلامي في احتواء تلك الظاهرة؟ أو بالأحرى: كيف نجح؟ وما الآليات التي امتلكها هذا النموذج وجعلته قادراً على تحقيق هذا الذي حققه من نجاح يتحاكى به الجميع؟
التكييف القانوني:
البداية مع التكييف القانوني ليكون هو المنطلق الأساسي لتعاطينا مع الحدث على مستوى الفهم والإدراك، ثم على مستوى التعامل والاستشراف لما ستؤول إليه الأحداث.
«هناك فارق بين جرائم التمييز العنصري، وجرائم الفصل العنصري، والجريمتان جرائم ضد الإنسانية لا بد لتحققهما من توافر ركنين أساسيين»، بهذه العبارة بدأ د. أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولي العام، حديثه لـ «المجتمع»، مشدداً على أن دوره كفقيه قانوني هو التأصيل بعيداً عن العواطف مع أو ضد في أي حادثة كانت.
وأكد سلامة أن أول هذين الركنين أن تكون تلك الممارسة بصورة ممنهجة ومتواترة ضد جماعة بعينها؛ عرقية كانت أو دينية أو مذهبية أو فكرية، والثاني أن تكون بيد الدولة وصادرة من أدواتها.
وبالنظر إلى حادثة «فلويد»، يرى أستاذ القانون الدولي أنها تخرج من هذا الإطار بداية حتى نستطيع فهم الحدث بصورة قانونية صحيحة، مؤكداً أنها وإن كانت بيد أدوات الدولة وهم رجال الشرطة، إلا أنها غير ممنهجة وغير متواترة ضد السود في عموم أمريكا وبصورة منهجية، فهي لا تعدو كونها حادثة فردية لها أسبابها المجتمعية أيضاً.
واستدرك سلامة: لا بد من النظر إلى الحادثة نظرة أكثر شمولاً، حيث درجت الإدارة الأمريكية في السنوات الأخيرة، واعتباراً من عام 2003م، ومنذ ارتكاب الجنود الأمريكيين لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية سواء في العراق أو في أفغانستان أو في بقاع أخرى، إما على «تفليت» مرتكبي هذه الجرائم، بصور كثيرة منها أن يقوم الرئيس الأمريكي بإعفائهم.
وفضلاً عن ذلك -يتابع سلامة- وفي السنوات الأخيرة أيضاً، ارتُكبت جرائم حرب أو تعذيب أو قتل أو احتجاز تعسفي أو معاملة لا إنسانية أو معاملة مهينة، ضد مواطنين أمريكيين ذوي أصول أفريقية، ونتيجة أن مرتكبي هذه الجرائم بحق الضحايا لم يتم محاكمتهم المحاكمة الناجزة العادلة، ولم يحصل الضحايا وعائلاتهم على الإنصاف والتعويض اللازمين من الدولة الأمريكية؛ فما فتئت الشرطة الأمريكية بين الفينة والفينة على ارتكاب جرائم مماثلة وربما أشد قسوة ولا إنسانية من جريمة «فلويد».
ويرى سلامة أن هذه الجرائم تكاد تكون ظاهرة أمريكية تعتور المجتمع الأمريكي، ولا تستثنى منها المؤسسات التنفيذية والقضائية والتشريعية، ومن ثم وبالنظر إلى تشدق الولايات المتحدة الأمريكية بالديمقراطية وحقوق الإنسان، فلزاماً أن تقوم بدراسة شاملة يقوم بها المتخصصون والمعنيون على مختلف الصُّعد، وخاصة علماء الاجتماع والنفس والعرقيات، ودراسة كيفية استشراف ودرء كافة العوامل والعقبات والبواعث والنوازع التي تشجع الشرطة الأمريكية على عدم اعتبار التشريعات القانونية الأمريكية والتعليمات والتوجيهات التنفيذية الشرطية في التعامل مع المواطنين، سواء كانوا مشتبهاً بهم أو متهمين أو محتجزين.
تغيير ثقافي متدرج
«تغيير الأوضاع المتعلقة بأشكال التمييز العنصري هو في الأصل تغيير ثقافي تعليمي، يؤدي إلى تغيير قانوني وسياسي، فالعملية تدريجية، وليست بزرٍّ يتم الضغط عليه لتحدث تغييراً»، هكذا أكد د. سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، في معرض إجابته عن سؤال طرحته «المجتمع»، وهو: هل ستكون حادثة «فلويد» كسابقاتها من الحوادث المصنفة «عنصرية» سرعان ما سيزول أثرها، أم أن أمريكا بعدها لن تكون هي أمريكا قبل الحادثة؟
وللتأكيد على أن التغيير في أمريكا والغرب في موضوع العنصرية هو في الأصل تغيير ثقافي متدرج، عاد أستاذ علم الاجتماع السياسي للتاريخ، قائلاً: عندما ننظر إلى تاريخ أمريكا نجد أن الدستور الأمريكي الذي تم وضعه عام 1788م لم يتم فيه ذكر السود، ولا المرأة تحديداً، فالمرأة والسود لم يكن لهم حق التصويت، وظلت هناك محاولات حثيثة لنيل هذا الحق، حتى عندما ظهرت المؤسسات الأمريكية كالشرطة مثلاً، كان عملها الأساسي يرتكز على ملاحقة العبيد السود الهاربين من مُلّاكهم، وبالتالي فإن تاريخ هذه المؤسسات وثقافتها التي كانت سائدة بداخلها والقوانين التي كانت تعمل بناء عليها كان تاريخاً مُتحيزاً ضد «المُلونين»، و»المُلونون» بالمناسبة هم «African American"، وليسوا الأفارقة المهاجرين في هذه الأيام، وهذا يجب أخذه في الاعتبار.
وتابع صادق أن الأمر كان في بعض الأوقات يرتبط بما يمكن أن نسميه المصلحة، ففي الولايات الجنوبية مثلاً كانت هناك رؤية اقتصادية مفادها استمرار العبيد؛ لأنهم عصب مزارع القطن والتبغ، ولكن الولايات الشمالية رفضت؛ بحجة أن ولاياتهم ولايات صناعية لا مكان للعبيد فيها، وهنا هدد الجنوبيون بالانفصال، ويشاء الله أن تحدث الحرب، فتتحرر القوانين، عام 1863م، ويتم النص على تحرير العبيد.
وهنا يستدرك أستاذ علم الاجتماع السياسي قائلاً: لكن الممارسة لم تكن بهذه الصورة، فقد ظهرت حركات في الجنوب تندد بهذا الأمر، مثل حركة "KKK" التي كانت ترى أنه لا يحق للعبد أن يمشيَ حُرَّ نفسه، لا أمير عليه ولا سيد، فقامت بمذابح ومجازر ضدهم، وكانوا يصلبونهم على الشجر، إلى أن حدث ما يسمى تاريخياً بـ "الهجرة العظيمة"، بين عامي 1916 و1970م، انتقل على إثرها كثيرون من الأمريكيين الأفارقة من الجنوب إلى الشمال بسبب العنف العنصري.
ثقافة مجتمعية
ويخلص صادق من هذه التطوافة التاريخية إلى القول: إنه ليس معنى أن القانون ينص على شيء، أنه يُطبق على أرض الواقع، قلّما تجد من يتبع القانون، فالأمر يحتاج إلى ثقافة مجتمعية يتشربها العقل الجمعي في المجتمع.
ويدلل على ذلك قائلاً: في مصر مثلاً، بوصفها إحدى أكبر الدول العربية، فإن القانون فيها مثلاً لا يمنع المرأة من حق الترشح لأي منصب، ولكن ثقافياً؛ هل سنقبل بوجود «رئيسة الوزراء»، أو «شيخة الأزهر»؟ الوعي الجمعي لا يتقبل هذا حتى الآن! أنا قمت بوضع قوانين تمنح المرأة حق التعليم، والعمل، والترشح للمناصب العليا في البلاد، ولكن مجتمعياً لا يمكن قبول ذلك.
واستطرد صادق: أيضاً لا بد من التأكيد على أن العنصرية لا تقتصر على اللون، فهناك عنصرية الجنسية؛ فهذا أمريكي وهذا مصري وهذا خليجي وهذا صومالي، وهناك عنصرية الطبقية؛ فهذا غني وهذا فقير، وهناك العنصرية المذهبية بين السُّنة والشيعة والبروتستانت والأرثوذكس، والعنصرية السياسية، وكل تلك الأنواع تعج بها المجتمعات وتحتاج إلى تغيير ثقافي متدرج؛ بحيث تنشأ الأجيال على هذه الفكرة السمحة، ثم يأتي دور القوانين بعد ذلك لتكون عنواناً على تولي الدولة مقاليد الأمور.
واختتم صادق قائلاً: أريد أن أؤكد أن عالمنا العربي والإسلامي مليء بالممارسات العنصرية مختلفة الصور، وربما نظرة واحدة على مواقع التواصل العربية ترى كيف هي العنصرية الفكرية، والسياسية والمذهبية، بل والطبقية في بعض الأحيان، ولذلك فأنا أعجب من أنَّ من يمارسون كل هذه العنصرية ينشغلون بأمريكا وما حدث فيها!
فمشكلتنا هي انشغالنا بغيرنا –المتفوق علينا- وإهمالنا أنفسنا، ونحن أحق بها من أي أحد آخر.
النموذج الإسلامي.. لا مقارنة
«حينما تريد أن تعرف عظمة الإسلام كمنهج قادر على احتواء البشر جميعاً تحت مظلته على اختلاف أعراقهم وألوانهم ولغاتهم؛ فإن عليك أن تدرك أن حقوق الإنسان فيه جزء من الإيمان بالخالق جل وعلا، وأن فكرة الإيمان بالتبعية من أهم الحقوق التي كفلها الإسلام للإنسان»، بهذه العبارة المفتاحية استهل د. محمد أبو ليلة، أستاذ الدراسات الإسلامية باللغة الإنجليزية في جامعة الأزهر، حديثه لـ «المجتمع»، في معرض إجابته عن سؤال حول النموذج الإسلامي ونجاحه في احتواء ظاهرة العنصرية.. كيف نجح؟ وما الآليات التي ساعدته للوصول لهذا الاحتواء؟ تلك الآليات التي وضعت بلال بن رباح بجانب أبي بكر الصديق، ووضعت صهيب الرومي بجانب عبدالرحمن بن عوف؟
وقال د. أبو ليلة: إن فلسفة حقوق الإنسان في الإسلام تسمو فوق فكرة القوانين والدساتير والإعلانات الحقوقية، تسمو لدرجة أن تكون جزءاً من الاعتقاد، جزءاً من الثقافة الروحية التي يعيش بها المسلم، وفي القرآن والسُّنة آيات كثيرة تؤصل تلك المعاني وتجعل المسلم متشرباً تلك الثقافة بعيداً عن فكرة القوانين ذات المرجعية الأرضية التي فشلت فشلاً ذريعاً في دول كثيرة؛ لأنها لم تستند إلى قاعدة روحية قادرة على دعمها في أوقات المحن.
لكن أستاذ الدراسات الإسلامية يعود فيستدرك ويقول: ليس معنى ذلك أننا ضد هذه الإعلانات أو القوانين، مطلقاً، نحن مع كل ما يدعم التواصل البشري، لكننا نؤكد أن ديننا الحنيف فيه ما ليس في غيره، فهل يمكن قياس إعلان حقوق الإنسان في أثره مثلاً مع خطبة الوداع التي ألقاها نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا المقطع الملهم الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم لآدم وآدم من تراب.. لا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى والعمل الصالح»؟ هل يمكن أن يقاس مثلاً أي قانون ضد العنصرية في العرب أو أمريكا مع وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهم ذاهبون للحرب في غزوة «مؤتة»، أو في سلوك النبي صلى الله عليه وسلم يوم «فتح مكة»؟!
ويتابع: لن أتعرض هنا لسيل من الآيات القرآنية التي تمثل ضمانة أساسية لتلك الحقوق الإنسانية أياً كان صاحبها أبيض أو أسود سيداً أو عبداً، ويكفي أنه جعل الاعتقاد فيه سبحانه وتعالى أهم تلك الحقوق حين قال عز وجل: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة: 256)، وحين قال: (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) (الكهف: 29)، وحين قال مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ) (يونس: 99).
ويرى أبو ليلة أن ما أعطى المنهج الإسلامي تفرداً في مجال حقوق الإنسان، فضلاً عن سبقه فيها، هو أنه حوَّلها من مجال التنظير إلى التطبيق على يد النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره القائد والرئيس المقتدى به، وإلا فمن الذي ساوى بين المهاجرين والأنصار في الحقوق والواجبات؟ من الذي جعل إماء المدينة وجواريها في الإسلام كعائشة، وحفصة، وأسماء؟ ومن الذي جعل سعد بن عبادة مساوياً لبلال بن رباح، وعبدالله بن مسعود؟ ومن الذي جعل أبا بكر مساوياً لأقل صحابي نسباً سواء في المدينة أو في مكة؟ رضي الله عنهم جميعاً.
النبي القدوة
ويتابع أبو ليلة: مَنْ الذي طبَّق القانون على الجميع معلناً الصرخة المدوية في أسماع التاريخ: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها..»، بعد أن أخبرهم أن هلاك من سبقهم كان بسبب عنصريتهم في تطبيق القوانين على الفقراء والضعفاء وإعفاء ذوي المال والسلطان؟
ويتساءل أستاذ الدراسات الإسلامية: مَنْ الذي حمى حق الحياة للإنسان أياً كان؛ مسلماً أو غير مسلم؟ مَنْ الذي جاء بتشريع يجعل الزكاة فريضة يدفعها الغني ليحمل الفقير ويعينه، ليربط المجتمع كله برباط المحبة، بعيداً عن العنصرية الطبقية التي تتمثل في شعبين مختلفي الهموم؛ شعب في «الكمباوند» وآخر في العشوائيات، والأهم أن هذه الزكاة لا تقف عند المسلمين فقط، بل يمكن أن تدفع لغير المسلم داخل المجتمع الإسلامي، لأهل الكتاب، بل للكفار أنفسهم، لأن حماية حق الحياة لا يرتبط بالدين ولا بالعنصر ولا بالجنس أياً كان، بل ضمنه الإسلام للجميع؟
وعلى مستوى المرأة، يؤكد أبو ليلة أن الإسلام حمى حقوقها على مستوى النصوص، وعلى مستوى التطبيق، فهناك نصوص تند عن الحصر تؤكد حقوق المرأة، وقد كُتبت فيها مجلدات من المستشرقين أنفسهم، وعلى مستوى التطبيق؛ هناك عصر تتيه به البشرية كلها، كانت المرأة فيه أيقونة التكريم داخل المجتمع المسلم؛ أماً وأختاً وزوجة وبنتاً.
ويرى أبو ليلة أن الإسلام لم يقف عند حقوق الإنسان في أوقات الرخاء، بل أكد حقوق الأسرى والمحاربين بطريقة تقف أمامها المحاولات البشرية عاجزة عن الوصول إلى هذا الرقي الذي ضمنه التشريع الإسلامي لهذه الفئات، يكفيك أن تعلم أن النبي نهى أصحابه وتابعيه من بعدهم عن متابعة المنهزم.. لماذا؟ إنها فلسفة أسمى من فكرة النصر والقضاء على الأعداء ذاتها، إنها فلسفة قائمة على فكرة الرغبة في أن ينجو الجميع ويعطى الآبق فرصة تلو فرصة ليتم عرض الإسلام عليه بصورة أكثر وضوحاً؛ لعل الله يكتب له النجاة، فكرة قائمة على الحب والرحمة للبشر.. كل البشر.
الرِّق.. شغب على الإسلام
وعن سؤال حول ما يشغب به البعض على الإسلام من أنه لم يشرع تشريعاً واضحاً ضد جريمة الرِّق، قال أبو ليلة: هذه النقطة على وجه التحديد هي من محامد هذا الدين العظيم، وأحد الدلائل الواضحة على أنه دين إلهي وليس تشريعاً بشرياً.
وأوضح أبو ليلة: في التشريعات الصادرة من البشر هناك محاولة لفرض الرؤى دون اعتبار لطبائع المجتمعات ولا لسنن الكون، وحينما يأتي الإسلام وجريمة الرِّق هي أحد روافد الاقتصاد العالمي، فإنه لا يمكن وهو دين إلهي المصدر أن يكون مصادماً لمصالح الناس حتى لا ينفر منه كثيرون، بل القدرة والإبداع يتجليان في أن تستطيع جعل الناس أنفسهم ينفرون من تلك الظاهرة، ويتركونها دون أن تمارَس عليهم سطوة، وهذا ما حدث.
ويتابع: وهذا ما فعله الإسلام العظيم حين أكد أن الحرية أسمى حق للإنسان في تلك الحياة، بنصوص كثيرة، وممارسة عظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم هذه الوصايا المبثوثة في مصادر الإسلام قرآناً وسُنة بالرقيق، حيث يوصي بهم خيراً وباحترام آدميتهم، ثم هذه السلسلة من التشريعات التي تجعل العتق أحد مكفرات ذنوب كثيرة في القرآن الكريم، ثم التشجيع على التحرير لا على الاستعباد، ووضع مجموعة من الآليات الضامنة لحقوق الرقيق وحقوق من يملكونهم، فأباح للرقيق أن يكاتبوا أسيادهم، وأباح للأسياد أن يحرروهم بعد وفاتهم، إلى آخر تلك الآليات التي أسهمت بالفعل في اختفاء هذه الظاهرة بعد ذلك ولم توجد إلا لظروف سياسية لا علاقة لها بالدين من قريب أو بعيد.
واختتم أبو ليلة قائلاً: ونحن إذ ننتقد المجتمع الغربي على هذه العنصرية المتجذرة، ونفخر بنموذجنا الإسلامي، فإننا ننادي على المسلمين أن يقضوا على العنصرية بينهم بكل صورها؛ سياسية اجتماعية فكرية، ولا بد للمجتمعات الإسلامية أن تطبق قواعد الإسلام، وأهمها «الناس سواسية كأسنان المشط»، فأسوأ أنواع العنصرية في العالم الإسلامي هو ما يتعلق بالعدالة الاجتماعية المفتقدة داخل تلك المجتمعات.
بطش الشرطة بالسود متجذر في تاريخ أمريكا العنصري
قُدِّر على السود مواجهة تهديد بطش الشرطة مع تهديد «كورونا» المنتشر في مجتمعاتهم بشكل أكبر من البيض
في بداية القرن العشرين ظهر الإعدام الوحشي للسيطرة على حركات السود بتأييد من الشرطة
«لوثر كنج»: لا يمكن أن نكون راضين أبداً ما دام الزنجي ضحية لوحشية الشرطة التي لا توصف
رغم المكاسب السياسية لحركة الحقوق المدنية فإن السود ما زالوا يُعامَلون كمواطنين من الدرجة الثانية
كيشا بي. بلين (*)
أستاذة مشاركة في التاريخ بجامعة بيتسبرج، ومؤلفة كتاب «أحرقوا العالم: نضال الأمريكيات السود من أجل الحرية» الحائز على عدة جوائز
(*) المصدر: «Washington post”.
اندلعت الاحتجاجات في مدينة مينيابوليس بعد قتل الشرطة للمواطن الأمريكي من أصل أفريقي “جورج فلويد”، الأسود البالغ من العمر 46 عاماً، وأظهر مقطع الفيديو الذي تم تداوله على نطاق واسع يوم القبض على الضحية ضابط شرطة أبيض يضغط بركبته في عنق “فلويد”.
ويذكرنا قتل “فلويد” بذكرى قتل شرطة نيويورك “إريك جارنر”، وهو يئن مردداً: “لا أستطيع التنفس”، بينما يتجاهل الضابط أنينه وتوسلاته، وجاء مقتل “فلويد” بعد شهرين من قيام ضابط شرطة في لويزفيل بإطلاق النار على “برونا تايلور”، وهي مسعفة تبلغ من العمر 26 عاماً، خلال اقتحام شقتها.
بينما يدمر فيروس «كورونا» مجتمعات السود بمعدل أعلى، بشكل غير متناسب، من المجموعات العرقية الأخرى، قُدِّر على هؤلاء السود أن يواصلوا مواجهة تهديد آخر؛ هو بطش الشرطة، والمشكلتان ناتجتان عن عنصرية هيكلية مؤسسية منتشرة في الولايات المتحدة، ولكن معضلة بطش الشرطة المعروض اليوم معضلة متجذرة بعمق في نسيج الحياة الأمريكية تتجاوز خطر جائحة «كورونا».
وجاء مقتل كل من «فلويد»، و»تايلور» بعد نمط مأساوي من العنف العنصري الذي تقره الدولة، وهذا للأسف هو الذي شكل التاريخ الأمريكي لقرون؛ ففي حقبة العبودية كانت حياة السود تقيَّد بأنواع من الأغلال من قبل مجموعات منظمة من البيض الذين كانوا يقومون بحراسة الرقيق المستعبدين.
الرموز السوداء
وفي أعقاب الحرب الأهلية، أدى ظهور ما يسمى بــ «الرموز السوداء» إلى الحد من حقوق السود وحركتهم، وتشجيع قوات الشرطة الناشئة آنذاك، وجماعات اليقظة البيضاء، على القيام بأعمال عنيفة وشائنة تحت ستار القانون والنظام.
وتم في جميع أنحاء البلاد استهداف السود من قبل قوات الشرطة، والقبض عليهم بمعدلات أعلى من نظرائهم البيض، وفي الولايات الجنوبية ظلوا محاصرين في نظام من القيود التي تعكس تاريخاً من الاسترقاق والعبودية.
وفي بداية القرن العشرين، ظهرت عمليات الإعدام الوحشي كتكتيك آخر للسيطرة على حياة وحركات السود؛ فأيدت قوات الشرطة العنصرية عنف الغوغاء البيض بدلاً من تحديه وتحجيمه، وكما لاحظت الناشطة المناهضة للإبادة الجماعية «إيدا بي.ويلز-بارنيت» على موقع «السجل الأحمر»، فإن عمليات إعدام الأمريكيين السود لم يتم التخطيط لها مسبقاً فحسب، بل كانت تحظى بدعم كامل من الشرطة المحلية.
وفي كثير من الأحيان، كانت الشرطة تشارك الغوغاء البيض في مهاجمة السود رجالاً ونساء، وهناك آخرون من الشرطة كانوا متواطئين يعملون على حماية مصالح الجناة البيض لضمان ألا يواجهوا عواقب أعمالهم العنيفة، ونتيجة لذلك تم إعدام الآلاف من السود بجميع أنحاء البلاد في محاكمات صورية.
ولقد نددت «ويلز بارنيت» وآخرون بهذا العنف الذي تمارسه الشرطة، ورغم ذلك استمر العنف؛ فخلال الصيف الأحمر لعام 1919م، اندلع العنف والانتفاضات العرقية المكثفة في أكثر من 12 مدينة بجميع أنحاء أمريكا؛ بسبب حادثة قتل عنصرية بشعة في شيكاغو، قُتل فيها «يوجين ويليامز»، وهو مراهق أمريكي من أصل أفريقي، في 27 يوليو 1919م، عندما تجرأ على السباحة في قسم «البيض فقط» في بحيرة ميتشجان!
وأثار موت «ويليامز» الوحشي بسبب تحدي ممارسات الفصل العنصري غير الرسمية على شواطئ شيكاغو، ورفض الشرطة اعتقال أي من قتلة «ويليامز» في مكان الحادث.. أثار أسبوعاً من الانتفاضات العنيفة في المدينة، وعندما انتهت «أعمال الشغب العرقية» في أغسطس 1919م، كان 15 من البيض و23 من السود قد قتلوا، وأصيب أكثر من 500 شخص، وفقدت آلاف العائلات السوداء منازلها.
وكلما اكتسبت حركة الحقوق المدنية زخماً جديداً؛ زاد استهداف النشطاء من قبل الشرطة المحلية التي تعمل جنباً إلى جنب مع المدنيين البيض لمنع السود من الحصول على الحقوق المدنية والسياسية، وقد لاحظ «لانجستون هيوز» أن الزنجي ليس له صوت، وأن الشرطة تعامله بوحشية، وجل المواطنين يعتقدون أن مثل هذه الديمقراطية الطبقية يجب إصلاحها.
جذور عنصرية
كشفت صور الشرطة التي تهاجم النشطاء السود خلال حملة برمنجهام عام 1963م، ومسيرات «سيلما» إلى «مونتجمري» عام 1965م، الجذور العنصرية للشرطة الأمريكية، وكيف استهدفت هذه الممارسات الرجال والنساء والأطفال، وكذلك فعلت التطورات المحلية في مينيابوليس خلال الستينيات.
ومثلما حدث في الانتفاضات الأخيرة رداً على مقتل «فلويد»، اشتبك السكان السود في المدينة مع الشرطة المحلية في صيف عام 1967م، وحسب روايات عديدة، اندلعت انتفاضات -أسفرت عن تدمير منازل وشركات- بسبب التوترات بين السكان المحليين وضباط والشرطة المقيمين في تلك المناطق.
وقد أدى تهديد قوات الشرطة المستمر لحياة الأمريكيين السود –بدلاً من حمايتهم- إلى قيام زعيم الحقوق المدنية «مارتن لوثر كنج» الابن بحملة لمواجهة هذه القضية خلال خطابه الشهير «لديَّ حلم»، في مارس 1963م بواشنطن، الذي قال فيه: «هناك من يسأل كل من يؤيد الحقوق المدنية: متى ستشعر بالرضا؟ لا يمكن أن نكون راضين أبداً ما دام الزنجي ضحية لأهوال ووحشية الشرطة التي لا توصف».
وبحلول الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، كان من الواضح أن حلم «كنج» بأمة بدون بطش ووحشية من قبل الشرطة لم يتحقق؛ فمن بين ضحايا تجاوزات الشرطة البارزة في مدينة نيويورك فقط: «مايكل ستيوارت» (1983م)، «إليانور بومبورز» (1984م)، «مايكل جريفيث» (1986م)، «إدموند بيري» (1985م)، «إيفون سمالوود» (1987م)، «أبنر لويما» (1997م)، «أمادو ديالو» (1999م)، بالإضافة إلى ضرب الشرطة العنيف لـ «رودني كنج» في لوس أنجلوس عام 1991م، وهذا يدل على ارتباط جذور وحشية الشرطة الأمريكية بعنصرية هيكلية مؤسساتية، وغالباً ما يتم القبض على السود وإطلاق النار عليهم من قبل رجال الشرطة بشكل قاتل أكثر من نظرائهم من البيض، ونادراً ما يتم اتهام ضباط الشرطة بقتل السود غير المسلحين.
كل هذه الحقائق تشير إلى أنه على الرغم من المكاسب السياسية لحركة الحقوق المدنية، لا يزال السود يُعامَلون كمواطنين من الدرجة الثانية في الولايات المتحدة؛ فالأمريكيون السود اليوم يموتون على أيدي الشرطة بمعدل يكاد يكون معادلاً لعدد عمليات القتل الجماعي الموثقة قبل قرن من الزمان.
وكما كشف تقرير صدر عام 2019م، فإن عنف الشرطة هو الآن أحد الأسباب الرئيسة لوفاة السود في الولايات المتحدة، وكما يوضح تقرير «اذكر اسمها» للمنتدى السياسي الأمريكي الأفريقي، فإن النساء والفتيات السود معرضات أيضاً لعنف الشرطة ووحشيتها.
وقد أخرجت الانتفاضات الأخيرة في مينيابوليس إلى السطح استمرار عنف الشرطة في مجتمعات السود، والحاجة الملحة إلى سياسات تتبناها الولايات وسياسات فيدرالية تحمي المواطنين السود، وتضمن مقاضاة ومعاقبة ضباط الشرطة جنائياً، وكما تقول الصحفية الاستقصائية «بيرنت» عام 1909: «لنتولَّ العمل معاً لتطبيق القانون، وجعله هو الأعلى والأكثر فعالية على كل شبر من الأراضي الأمريكية؛ درعاً للأبرياء، وعقاباً رادعاً ومؤكداً وسريعاً للمذنبين».
المجتمع الأمريكي أبيض وأسود.. والإسلامي يضم كل الألوان
حادثة «فلويد» كشفت عن أزمة تعانيها أمريكا منذ قرون وأنها فشلت في تجاوز التاريخ المرير للعبودية والتمييز العنصري
مشكلات مجتمع السود تتجاوز التهميش والعنصرية إلى ظواهر أخرى أبرزها الفقر وعدم الأمان
البعد الجغرافي واللسان الواحد والمظلة الدينية الواحدة أنتجت مجتمعاً عربياً متكاملاً اجتماعياً وسياسياً
كان ينقص العرب الفكرة الخلاقة التي توحّد قلوبهم وعقولهم بعد أن وحدت اللغة ألسنتهم حتى جاءهم الإسلام
روضة علي عبدالغفار
صحفية وكاتبة
تعد مشكلة التجانس الاجتماعي إحدى أكبر المشكلات التي تواجه المجتمعات، خاصة إذا أدت إلى العنصرية والعصبية، ويقصد بالتجانس الاجتماعي التوافق والانسجام بين أفراد المجتمع بسبب وجود مصلحة واحدة تجمع الأطراف كلها، أو وجود فكرة توحد الجهود، فيعمل الجميع بيد واحدة وجهد واحد، ويمكن أن يكون المجتمع متعدد الأعراق والثقافات ولكنه متجانس، بمعنى أنهم يتوافقون ولا يتصادمون، ويتمتع كلٌّ منهم بمساحة من الحرية.
يمثل عدم التجانس الاجتماعي عائقاً أمام استقرار الدولة، وإن حققت تقدماً على المستوى الاقتصادي، فسوف تظل مشكلة الحفاظ على التجانس العرقي قائمة، وإذا كانت غالبية الأعراق مستعدة لبذل تضحيات من أجل عدم إثارة التوتر، يظل في كل عرق عدد من المتطرفين الذين يريدون أن يعملوا من أجل عِرقهم فقط، ولو أدى ذلك للصدام والعنف، وتفضي هذه المشكلات الاجتماعية بدورها إلى الصراع السياسي أو الدموي، فَتَحُول بين الدولة وتحقيق الاستقرار؛ لأن تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي يتمثل بمدى التجانس والتآزر الذي يميز مجتمع الدولة.
نتعرض هنا لمقارنة بين المجتمع الغربي، ونأخذ أمريكا مثالاً، والمجتمع العربي والإسلامي، من خلال مدى تجانس وتضافر المجتمع ودوره في قيام وثبات الحضارة.
ثمة أسطورة إعلامية تقول: إن الولايات المتحدة تمكنت من إنهاء مشكلة العنصرية، لكن الأحداث الأخيرة في أمريكا تثبت عكس ذلك؛ حيث كشفت حادثة مقتل «جورج فلويد» عن أزمة تعانيها الولايات المتحدة منذ قرون، وأنها لم تنجح بعد في تجاوز التاريخ المرير للعبودية والتمييز العنصري في الممارسة العملية والثقافة السائدة في مؤسسات تطبيق القانون.
ويصعب تحديد التقسيم العرقي الدقيق للولايات المتحدة الأمريكية؛ نظراً لأن غالبية الأمريكيين ينتمون إلى مجموعة متنوعة من الخلفيات العرقية، فهناك السكان الأصليون أو «الهنود الأمريكيون»؛ وهم الأفراد الذين كان أسلافهم السكان الأوائل للأرض، ثم جاءت الأجناس الأخرى بالهجرة إلى الولايات المتحدة -بعد اكتشافها من قبل الأوروبيين- من إنجلترا ودول أوروبية أخرى بشكل رئيس، ثم من أمريكا اللاتينية وآسيا، وكانت الدول الخمس التي ساهمت بأكبر عدد من المهاجرين إلى أمريكا، هي: المكسيك والهند والصين والفلبين وكوبا.
ونظراً لهذا التنوع من الناحية العرقية، اختلفت بطبيعة الحال أشكال البشر وألوانهم، وتنوعت المعتقدات والممارسات الدينية واللغات واللهجات، ومع عدم وجود مظلة تنصهر تحتها هذه الأعراق المتباينة حدث عدم الاستقرار الاجتماعي؛ فنجد حالة من التنافر بين أفراد المجتمع، قد تصل إلى حد ارتكاب الجرائم بسبب اختلاف العِرق.
وتحظى أمريكا بتاريخ عريض من العنصرية نتيجة عدم التجانس الاجتماعي، من خلال تعرض الأمريكيين من الأصل الأفريقي للعنصرية في مختلف مناحي الحياة؛ مثل دخول المدارس والجامعات، وعند التقدم للوظائف والترقية في العمل، وعند محاولة استئجار أو شراء مسكن، وعند الذهاب إلى الطبيب أو العيادة الصحية، وعند محاولة التصويت.. إلخ، ورغم تبني القانون الذي يُجرّم التمييز العنصري، فإن السود في الولايات المتحدة ظلوا في وضع اجتماعي متدنٍّ بالنظر إلى أوضاعهم الاجتماعية في أسفل الهرم وضعف التأهيل.
ولا تقتصر مشكلات مجتمع السود الذي يشكل حوالي 13% من سكان الولايات المتحدة على التهميش والعنصرية فقط، وإنما يعاني من عدة ظواهر أيضاً، أبرزها الفقر وعدم الأمان، إذ يعيش 24.7% من السود تحت خط الفقر.
كما أن الاستهداف الممنهج في تعامل الشرطة مع السود يجعلهم غير آمنين في بلدهم؛ فوفقاً لاستبيان «التمييز في أمريكا» الذي أجرته مؤسسة «الإذاعة الوطنية العامة»، خلال عام 2017م، قتلت الشرطة الأمريكية 1147 أمريكياً، من بينهم 25% من الأمريكيين من أصل أفريقي، حتى إن آباء الأطفال السود لا يثقون أن الشرطة لن تتعرض لأولادهم بالعنف، وتحاول هذه العائلات تجنب الاحتكاك بين أولادها والشرطة، مما يفضح هشاشة المجتمع في تلك البلاد، وعجز السلطة أن تسد الثغرات الراسخة في بنية مجتمعها.
هذا الوضع جعل أمريكا مهددة بالاحتجاجات وأحداث العنف الناتجة عن العنصرية، ولا تكاد حادثة تهدأ حتى تثور أخرى، وما خفي كان أعظم، ففي عام 1991م ضجت الولايات المتحدة بالاحتجاجات وأعمال الشغب بعد تبرئة المحاكم الأمريكية لضباط شرطة لوس أنجلوس الذين أبرحوا مواطناً أسود ضرباً دون وجه حق، وفي ولاية فلوريدا، عام 1996م، قامت احتجاجات واسعة إثر مقتل شاب أسود غير مسلح على يد الشرطة الأمريكية، وفي عام 2016م أثار حادث مقتل رجل أسود على يد الشرطة الأمريكية غضباً شعبياً دفع عشرات إلى التجمهر، وما لبث أن تطور الأمر إلى أحداث شغب وعنف وإحراق للمتاجر والمحلات.
وكان آخرها في 25 مايو الماضي، عندما لفظ «جورج فلويد» -المواطن الأسود- آخر أنفاسه وهو يصيح: «لا أستطيع التنفس»، وفوق عنقه ركبة شرطي أبيض، وما هي إلا ساعات حتى انفجرت شوارع العديد من الولايات الأمريكية بالغاضبين، وارتجت أركان الدولة المتقدمة بفعل العنصرية؛ مما أدى إلى تخبط الإدارة الأمريكية وتصاعد الصراع بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وزيادة الخلافات بين «ترمب» والكونجرس.
وفي حين يتصاعد هذا الخطاب العنصري ضد ذوي الأصول الأفريقية في الولايات المتحدة، يتراجع بريق هذا المجتمع الذي كان جاذباً ومصدراً لآمال وإلهام كثيرين حول العالم، ويزداد الغموض حول شكل المستقبل، وحول قدرة هذا المجتمع الذي يملك الكثير من عوامل القوة والحيوية، ولكنه لا يستطيع أن يقدم نموذج القيادة الخلاقة، بسبب عدم التجانس الاجتماعي.
دعائم الحضارة الإسلامية
وهنا نتطرق لثبات الحضارة الإسلامية ورسوخها، النابع من التجانس الاجتماعي للعرب من جهة -وهم نواة انتشار الإسلام، ومن تعاليم الدين الإسلامي التي صهرت الأعراق تحت مظلة واحدة، من جهة أخرى.
تميز المجتمع العربي بعدة ثوابت ساهمت في جعله أمة واحدة، وهي البعد الجغرافي واللسان الواحد والمظلة الدينية الواحدة؛ وهو ما أنتج مجتمعاً عربياً متكاملاً اجتماعياً وسياسياً، فالبيئة العربية كانت -وما زالت- بها عرقيات أخرى، ولكن ذلك لم يقف حائلاً أمام التقائهم جميعاً ببعض، خاصة إذا كان الجميع سكان وطن واحد، فالمهم هو إحساس الجميع بأن لهم مصيراً واحداً في ظل ثقافة واحدة، وفي ظل التجانس والتوافق في المعايشة وتبادل المصالح والتعاون المثمر البنَّاء، وهذه القناعات كانت أساساً راسخاً لبناء المجتمع القوي، والإنسان المعافى جسماً وعقلاً ونفساً بغض النظر عن عرقه.
ولا ريب أن حقيقة وحدة المنشأ الحضاري والتاريخي (اجتماعياً وسياسياً)، ووحدة المصير، من عوامل ثبات المجتمع العربي، لكن ما كان ينقص العرب هو الفكرة الخلاقة، التي توحِّد قلوبهم وعقولهم بعد أن وحَّدت اللغة ألسنتهم، وهكذا كان الإسلام؛ حيث اهتم بوحدة المجتمع كنواة لقيام الحضارة، وقد وضح ذلك في إعلان وحدة النوع الإنساني، رغم تنوع أعراقه ومنابته ومواطنه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات: 13)، وتم ترسيخ قيم الحق والخير والعدل والمساواة بين الناس جميعاً، دون النظر إلى ألوانهم أو أجناسهم، فلا يؤمن بنظرية التفوق العنصري أو الاستعلاء الجنسي.
وبعد إعلان وحدة النوع الإنساني لتثبيت المجتمع، وحَّدت الحضارة الإسلامية مصدر الأخلاق، وهو الوحي، لتكون قيماً ثابتة تصلح لكل إنسان بصرف النظر عن جنسه وزمانه ومكانه ونوعه، وذلك بعكس مصدر الأخلاق النظرية التي هي نتاج العقل البشري التي تتغير من مجتمع لآخر، وهكذا تُقدِّم الحضارة الإسلامية نموذجاً فريداً في تثبيت قاعدة المجتمع وصهره تحت مظلة واحدة.
وبعد انصهار الأعراق والأجناس المختلفة تحت مظلة الإسلام، لم ينسَ الإسلام حقوق الأقليات غير المسلمة ليضمن استقرار المجتمع، فكفل لهم حرية الاعتقاد، وسنَّ لهم ما يحافظ على حياتهم، وحذَّر من ظلمهم أو انتقاص حقوقهم، وحرَّم أخذ أموالهم أو الاستيلاء عليها بغير وجه حق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا من ظَلمَ معاهَداً، أو انتقصَه أو كلَّفَه فوقَ طاقتِه أو أخذَ منهُ شيئاً بغيرِ طيبِ نفسٍ، فأنا خَصمهُ يومَ القيامةِ»، وهذه أسس لم تعرفها البشرية قبل الإسلام، واليوم تتطلع إلى تحقيقها المجتمعات الحديثة، فلا تكاد تصل إليها بسبب العصبية والعنصرية.
هذه الخصائص الاجتماعية التي تتفرد بها الحضارة الإسلامية تكتسب طابع الديمومة والاستمرار، وتضفي على الحضارة رسوخاً وثباتاً حتى في فترات الضعف، وهذا هو سر قوة المجتمعات الإسلامية بالمقارنة بالمجتمعات الغربية.
وعلى الجانبين، هنا مجتمع يدعي الحضارة وما هو بمتحضر؛ يبلغ أقصى درجات التقدم الاقتصادي، ولكنه مهدد دائماً بالانهيار بسبب الصراعات العنصرية، وهنا مجتمع راسخ قوي مترابط ذو حضارة عريقة، لا ينقصه سوى إدراك قوته، وأن التوافق والتجانس والالتقاء ضروري لبقائه، في زمن لا مكان فيه للضعفاء والمتفرقين الذين تشق صفوفهم النعرات العنصرية والعرقية، فهل يدرك المجتمع العربي الإسلامي صلابة تكوينه التي تؤهله لقيادة الأمم بجدارة؛ وينطلق ليبني حضارته من جديد؟!
أمريكا والمرأة السوداء.. السراب الخادع
الفلسفة البرجماتية بأمريكا أفرزت بِنىً ثقافية ومجتمعية لا تدعم المرأة وتحرمها كثيراً من الحقوق الطبيعية
من بين كل 5 سيدات أمريكيات تتعرض 4 منهن للعنف المنزلي و5 ملايين للضرب سنوياً
السود رغم قلة أعدادهم بأمريكا يمثلون 40% من أعداد المسجونين و26% من المصابين بـ «كورونا» و23% من الوفيات
المرأة السوداء بأمريكا لن تنقذها حزمة القوانين ما دامت عقلية اليمين المتطرف هي المهيمنة على المشهد
فاطمة عبدالرؤوف
يبدو الحلم الأمريكي كسراب بعيد للمرأة الأمريكية ذات الأصل الأفريقي؛ فكل ما تردد على أذنيها عن أرض الأحلام حيث المساواة بغض النظر عن الجنس واللون والدين والأصل ومكان المولد.. عن الفرص المتكافئة والعدالة الاجتماعية.. عن أحلام الثراء ومجتمع الوفرة واحترام حقوق الإنسان.. ذلك الحلم الذي داعب خيال ملايين البسطاء حول العالم.. الحلم في أرض تشبه الفردوس الأرضي متجاوزة مظالم التاريخ وأخطاء الحضارات حيث تتحقق للإنسان إنسانيته لم يكن إلا وهماً كبيراً وفكرة مزيفة نالت من الدعاية أكثر مما تستحق وتكسرت على أرض الواقع.
ببساطة، كانت المرأة السوداء أكثر من اكتشف هشاشة هذا الحلم وزيفه؛ فأن يكون الإنسان امرأة في المجتمع الأمريكي يعني أن يكون مجرد ترس صغير في آلة عمل الرأسمالية المتوحشة بلا حرية مطلقاً في اتخاذ قالب آخر للحياة.
مشكلة المرأة في أمريكا تتجاوز عدم المساواة في الأجور أو التحرش في أماكن العمل؛ فالفلسفة البرجماتية أفرزت بِنىً ثقافية ومجتمعية لا تدعم المرأة وتحرمها كثيراً من الحقوق الطبيعية، وما مشكلات الأم العازبة إلا نموذج لهذه الضغوط التي تعانيها المرأة هناك.
وعلى الرغم من كل القوانين والمواثيق التي تساوي بين المرأة والرجل، فإن الواقع يشهد بغير ذلك، يكفي في هذا الصدد أن نذكر ما قاله الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب» عن النساء ذات مرة بأنهن حيوانات مقززة وخنازير وقاذورات، وتحدث أكثر من مرة عن علاقة المرأة بدورة المياه بألفاظ عامية سوقية، وأشار بسخرية إلى موضوع العادة الشهرية، وفي أحد تصريحاته يقول: «لا يهم ما يكتبونه، المهم أن لديهن وجهاً جميلاً و... أجمل»! ويقول أيضاً: «عليك أن تعامل المرأة بحقارة»!
«ترمب» لا يمثل استثناء في المجتمع الأمريكي؛ فكثير من الرجال الذين انتخبوه يشاركونه نفس الأفكار والقيم إن لم يكن نفس الألفاظ، وهذه هي القيمة الحقيقية للمرأة عندهم لا تلك التي يتم الترويج لها في الخارج.
على أن الأمر يتجاوز القيم والأفكار والكلام المسيء؛ حيث تشير بعض الإحصاءات إلى أنه من بين كل خمس سيدات أمريكيات تتعرض أربع منهن للعنف المنزلي، وفي كل عام تتعرض ما يقرب من خمسة ملايين امرأة أمريكية للضرب والتعنيف من قبل شريك حياتها، وما لا يقل عن ثلاث سيدات يتم قتلهن على يد الزوج أو الشريك.
عنصرية تقاطعية
إذا كنتِ امرأة، وإذا كنتِ سوداء أيضاً، فهنا يتقاطع التمييز والعنصرية ضدكِ!
أما إذا كنت امرأة وكنت سوداء وكنت مسلمة؛ فهنا يجتمع عليك الاضطهاد بسبب الجنس والاضطهاد بسبب الأصول ولون البشرة، والاضطهاد بسبب الدين بحيث تبدو الفرصة شحيحة في النجاة من التعصب والعنصرية خاصة في بعض الولايات، حتى عندما تصل امرأة سوداء مسلمة إلى أن تكون عضواً في الكونجرس الأمريكي -أعلى جهة تشريعية في البلاد- فإنها لا تنجو من هذه العنصرية، هذا بالضبط ما حدث مع إلهان عمر، عضو الكونجرس الأمريكي المسلمة المهاجرة ذات الأصول الصومالية، حيث هددها أحدهم بقوله: «سأضع رصاصة في جمجمتها أو أنسفها بقنبلة.. إنها إرهابية»!
وقال عنها «ترمب»: «من الغريب أن نرى الآن عضوات الكونجرس الديمقراطيات «التقدميات» اللائي جئن أصلاً من بلدان تعتبر حكوماتها كارثة كاملة وشاملة والأسوأ والأكثر فساداً وغير الكفؤة في أي مكان في العالم، وفي الوقت نفسه يخبرن شعب الولايات المتحدة «أعظم وأقوى أمة على وجه الأرض» بشراسة كيف تتم إدارة حكومتنا»!
بل ذهب أبعد من ذلك، حيث ألمح إلى طردها وعودتها من حيث أتت؛ «لماذا لا يعودن ويساعدن في إصلاح الأماكن المنهارة تماماً والمليئة بالجريمة التي أتين منها ثم يعدن ليوضحن لنا كيف تم ذلك؟»، وأخذ مؤيدوه يهتفون بصخب: «أعيدوها من حيث أتت»!
الأسرة السوداء
على أن العنصرية التي تواجهها مثل إلهان عمر تبدو أبسط بكثير من تلك التي تعانيها المرأة السوداء العادية البسيطة هي وأسرتها، فإذا كان عدد السود 42 مليون نسمة؛ أي 13% من إجمالي عدد السكان، فإنهم يمثلون 40% من أعداد المسجونين، و26% من حالات الإصابة بفيروس «كورونا»، و23% من الوفيات.
ويعاني 25% منهم من الحياة تحت خط الفقر، وفي ظلال جائحة «كورونا» تعقدت المشكلة الاقتصادية أكثر في الأسر السوداء؛ حيث فقدت 44% من الأسر وظيفة لأحد أفرادها، أو تم تخفيض راتبه، ولم يستطع 73% منهم الحصول على أي مساعدات مادية.
وكانت نتيجة هذا كله أن هناك 12 مليون طفل أمريكي أسود يعيش تحت خط الفقر يعاني من نقص الخدمات الأساسية في التعليم والصحة.
وهناك أسر تعيش حالة من التشرد، حيث يشكل السود النسبة الأكبر من المشردين الذين يتجاوز عددهم أكثر من نصف مليون شخص (عدد الشقق الشاغرة 5 أضعاف هذا العدد)، وهناك عدد كبير منهم من النساء والأطفال، وتشير بعض التقارير إلى أن نسبة النساء المشردات تمثل 40% من المشردين، واحتمال تعرضهن للمخاطر التي قد تصل للموت أو القتل مضاعفة، خاصة إذا أضفنا لذلك القسوة الرهيبة الممنهجة التي تتعامل بها الشرطة مع النساء السود، ولعل ما حدث مع مارلين بينوك المشردة المسنة السوداء التي انهال عليها أحد أفراد الشرطة بالضرب العنيف المبرح حتى أوقعها أرضاً، ثم جثا فوقها وأخذ يضرب رأسها بالأرض؛ نموذج بالغ الوضوح على الوحشية التي تنتهجها الشرطة حتى لو كانت الضحية سيدة تجاوزت الخمسين عاماً.
ومن المشكلات القاسية التي تواجهها الأسرة السوداء مشكلة الأطفال الذين يعيشون مع الأم الوحيدة التي لا تتمتع بالدعم الكافي، وما ينتج عن ذلك من مشكلات مادية ونفسية واجتماعية، فإذا كان 75% من جميع الأطفال البيض الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً يعيشون مع الوالدين، فإن أقل من 40% من الأطفال السود من يتمتع بأسرة طبيعية مع والديه، بينما يعيش أكثر من ثلث الأطفال السود في الولايات المتحدة تحت سن 18 عاماً مع أمهات غير متزوجات، مقارنة بـ6.5% من الأطفال البيض، والواقع يشهد أنه لا تُقدَّم لهؤلاء الأمهات صور الدعم التي تلقاها النساء البيض سواء من الناحية الاقتصادية أو الصحية أو الثقافية، بل هناك اتجاه متزايد لسحب الإعانات؛ في حالة من تكريس العنصرية في ظل توجه عام معاد لها حتى إنه كثيراً ما توصم الأم السوداء الوحيدة بالشيطنة.
حضور الماضي
على أنه لا يمكن أن نفهم كل صور العنصرية والاضطهاد التي تلقاها النساء السود في اللحظة الراهنة دون النظر إلى ماض ليس ببعيد، ولكنه حاضر وبشدة، بل لعله لا يزال ساخناً طازجاً في الوعي الجمعي الغربي؛ فالمجتمع الأبيض ما زال منبهراً بـ «سكارلت» (بطلة رواية «ذهب مع الريح» للمؤلفة الأمريكية الشهيرة مرجريت ميتشل التي تحولت لفيلم من أهم وأشهر الأفلام الأمريكية وأعلاها إيراداً وأكثرها تأثيراً)؛ حيث تقول عن رائحة العبيد: «ولم تكد القطعة المقضومة تبلغ معدتها الفارغة المهتاجة حتى استلقت سكارلت على التراب تتقيأ بعناء، وزادت الرائحة الخفيفة المنبعثة من غرف الزنوج في اشمئزاز نفسها فاستمرت تتقيأ في صورة مزرية».
وكانت شخصية «مامي» -في الرواية نفسها- تلك السيدة السوداء السمينة التي لم نعرف اسمها أبداً هي النموذج المثالي للنساء السود -في البنية العقلية للبيض العنصريين- فهي تابعة مخلصة لسيدتها حتى بعد أن تحررت ترفض أن تتركها، وحتى عندما كرمت الممثلة السوداء التي أدت دور «مامي» بعد حصولها على جائزة «أوسكار» لأفضل ممثلة مساعدة رفضوا أن تجلس معهم في القاعة نفسها، ووضعوا لها طاولة بعيدة عن السادة البيض.. هذا الفيلم مجرد نموذج للذاكرة الجمعية الغربية التي تأصلت فيها العنصرية.
أما الذاكرة الجمعية للنساء السوداوات فهي مليئة بالجراح النازفة، وهل يمكن أن ينسين ما قام به طبيب النساء الشهير جيمس ماريون سيمز -الذي يطلق عليه «أبو علم طب النساء الحديث»- الذي قام بعمل تجارب لعمليات جراحية نسائية جديدة على نساء مستعبدات من ذوات البشرة السوداء دون أن يكلف نفسه عناء التخدير؛ لأنه كان يزعم أن النساء السود لا يشعرن بالألم وكأنهن لا ينتمين للجنس البشري! وقد صورت إحدى اللوحات الفنية الطبيب وهو يقف قبالة المرأة السوداء الجاثية باستسلام وإذعان وهو يرمقها بنظرة بالغة البرود، وقد أمسك بإحدى يديه إحدى أدوات الجراحة، بينما تراقب نساء سوداوات أخريات من خلف الستار ما يحدث وما سيتعرضن له لاحقاً.
يمكننا إذن القول: إن المرأة السوداء في أمريكا لن تنقذها حزمة القوانين والمواثيق ما دامت العقلية العنصرية التي يزكيها اليمين المتطرف هي المهيمنة على المشهد، وظلت الثقافة التي لا تحترم قيمتها الإنسانية هي المسيطرة على الشارع.