; المجتمع الثقافي (1648) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1648)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 23-أبريل-2005

مشاهدات 66

نشر في العدد 1648

نشر في الصفحة 48

السبت 23-أبريل-2005

عبد العظيم بدران

الرنتيسي: «الموت خير من حياة الخُنَّعِ»

كثير من الناس قد يؤثرون في مسيرة الحياة، لكن قليلًا منهم من يصر على أن يجعل من سيرته آثارًا منحوتة تستعتصى على المحو والإزالة.

ولقد خط الدكتور عبد العزيز الرنتيسي بأعماله ومواقفه وأقواله خطًا بارزًا في حياتنا، وأودعه من نفحات الشهيد الشيخ أحمد ياسين، التي استمدها بدوره من إمام الأولين والآخرين نبينا محمد ﷺ.

خط الرنتيسي هذا الخط المقدس في الحياة حين ألحت عليه نفسه وهي تحاوره وتجادله وتخوفه من المضي في طريق الشوك والصعاب.. تقول له:

ماذا دهاك؟ يطيب عيشك في الحزن!

  تَشري النعيم وتمتطي صهو الصعاب؟!

ماذا عليك إذا غدوت بلا وطن

  ونعمت رغد العيش في ظل الشباب

لقد عرضت عليه نفسه أن يتخلى عن وطنه، في مقابل أن ينعم برغد العيش في شبابه وصباه، فكيف رد عليها؟ يقول الرنتيسي:

يا هذه يهديك ربك فارجعي

القدس تصرخ تستغيثك فاسمعي

والجنب مني بات يجفو مضجعي

فالموت خير من حياة الخنع

ولذا فشدي همتي وتشجعي

في غمرة الصراع الذي أشعلته نفسه يجد الرنتيسي ذاته مضطرًا إلى أن يأخذ بيدها، داعيًا الله تعالى في البداية أن يهدي له هذه النفس الجامحة، لترجع إلى صوابها ورشدها، ثم يذكرها بقضية الأمة الكبرى: القدس تصرخ تستغيث من قيد الأوغاد ألا تسمعين؟ إنني لا أستطيع النوم مستريحًا والحال كما ترين، إنني لا أرى إلا طريق المقاومة والجهاد لتحرير الأرض وحفظ العرض، والموت إذا مت خير من حياة الخنوع والذلة، فشدي الهمة وتشجعي معي.

لكن نفسه لا تسلم الزمام، وتصر على موقفها فتعيد عليه- من جهة أخرى- الكلام: ماذا ستجني من هذه القيود التي وضعت نفسك أسيرة لها؟ الذي يبدو لي أنك ستظل قيد الحبس حتى يأتيك الموت وينتهي خبرك فلمن ستترك بنيك من بعدك؟ ولماذا لا تفكر في هذه الزوجة التي ربما وقعت في الأسر وتحرش بها ذئاب البشر؟

 ها أنت ترسف في القيود بلا ثمن

  وغدًا تموت وتنتهي تحت التراب

وبنيك وا... عجبًا ستتركهم لمن

  والزوج تسلمها فتنهشها الذئاب

ومع اشتداد وطأة الكلمات وغليان الحوار الذي تعمدت نفسه فيه إثارة المخاوف والمواجع، يثبت الجبل الأشم، ويرد في غاية الثقة قائلًا:

القيد يُظهر دعوتي يومًا فعي

وإذا قُتلت ففي إلهي مصرعي

والزوج والأبناء مذ كانوا معي

في حفظ ربي لا تثيري مدمعي

وعلى البلاء تصبري لا تجزعي

يا لها من كلمات مثبتات، كالجبال الراسيات، سبحان الله الرحمن الذي خلق الإنسان وعلمه البيان.

هذا القيد الذي تظنين أنني حبيسه ينشر مبدئي في العالم كله، ولولاه ما كان ذلك. فلتعي ذلك جيدًا أيتها النفس. أما القتل إذا حدث فهو في سبيل الله، وأما الزوجة والأبناء فإنني وهُمْ منذ أن خُلقنا في كنف الله ورعايته وليس لي عليهم فضل الرعاية والحفظ، ولا داعي لإثارة عواطفي بذكر أهلي وأولادي كي تصيبي مني لحظة ضعف، ولتصبري على البلاء، بعيدًا عن الجزع والهلع.

ومع قوة حجته فإن نفسه تلح عليه أكثر، وما زالت تلون له في التحذير من سوء العواقب، وفي هذه المرة تخوفه من النفي خارج البلاد، ليصبح مشردًا أو لاجئًا بينما يعشش الخراب في بيته، وحينها لن يحتمل كتم همومه بين جنبيه وسيظل يبحث عن صاحب أمين يشاركه محنته:

إني أخاف عليك أن تُنفى غدا

  ويصير بيتك خاويا يشكو الخراب

وتهيم بحثًا عن خليل مؤتمن

  يبكي لحالك أو يشاطرك العذاب

لكن الرنتيسي يصر على أن يكون الأطول نفسًا من محاورته العنيدة والعصية، ويظل ذلك متحكمًا في أعصابه التي كادت تفلت منه، ويخاطبها مع ذلك بلهجة حانية قائلًا:

إن تصبري يا نفسُ حقا تُرفعي

في جنة الرحمن خير المرتع

إن الحياة وإن تطل يأت النعي

فإلى الزوال مآلها، لا تطمعي

إلا بنيل شهادةٍ فتُشفّعي

وأمام هذه المحاورة الساخنة تبدأ نفسه في تهدئة اللهجة التي بدأت بها، وكأنها بدأت في الاقتناع بوجهة نظره ورأيه فيما يقول. وتخاطبه قائلة: بدا لي الآن على وجه اليقين أنك قد نذرت نفسك لخوض هذه المعامع العصيبة، ورميت خلف ظهرك كل المناصب المجوفة:

إني أراك نذرت نفس للمحن

  وزهدت في دنيا الثعالب والكلاب

وبدا لي أيضًا أنك تتمنى أن تموت في میدان المعركة وأن تدفن هناك بلا كفن، ولذلك دعوت الله لك أن يصوب خُطاك ويكللها بالتوفيق والنجاح.

وعشقت رمسًا يحتويك بلا كفن

  فرجوت ربي أن تكون على صواب

وهنا يجد الرنتيسي أن الحوار قد تحول في الاتجاه الصحيح، فيضيف موضحًا وهو يخاطب نفسه ومحرضًا لها: فلتعلمي أنني لن أنكس رأسي لهؤلاء المخادعين، وسوف أظل دائمًا في وضع الاستعداد للدفاع عن كرامتنا ووطننا، ولتعلمي أيضًا أنك إذا كرهت هذه التضحية فسوف تلاحقك الصفعات والركلات من الخوارين والمحتالين والأدعياء، أما إذا وطنت نفسك على البذل والتضحية والفداء فستصنعين المجد والنصر لك ولأمتنا.

أنا لن أبيت منكسًا للألمع

وعلى الزناد يظل دومًا أصبعي

ولئن كرهت البذل نفسي تُصفعي

من كل خوارٍ ومحتال دعي

وإذا بذلت الغال مجدًا تصنعي

وفي نهاية المطاف تختم نفسه حوارها بوصايا ثمينة كأنها تحضه وتثبته وتحرضه على الجهاد والمقاومة، تقول:

إياك أن تخضع لأصنام البشر، وليكن سيفك دائمًا مشهورًا على وضع الاستعداد

إني أعيذك أن تذل إلى وثن

  أو أن يعود السيف في غمد الجراب

ولتمض في حياتك بهذه الطريق التي اخترتها واسترحت إليها، وأعلم أنني لا ولن أرضى بحياة دون حياة الجهاد الذي يقود إلى النصر أو الشهادة.

فاقض الحياة كما تحب فلا ولن

  أرضى حياة لا تظللها الحراب.

واحة الشِعر

د. محمد إياد العكاري

من للأقصى؟؟

أننعي الحال نستفّ التّرابا؟!

  ونلقى الخطب بالصّبر احتسابا!!

أننأى والدّواهي سافراتٌ؟!

  وبُح الطُّهر في الأقصى خطابا!!

أنلهو والمنايا شاخصاتٌ؟!

  ولا مرأى سوى الجُلّى مصابا!!

أنغفو والشّراذم في نفير

  بساح القدس والمسرى انتهابا!؟

وننشد للسّلام لنا دروبًا!!

  ونتبع في الحياة سدىّ سرابا!!

كفانا خدعةّ وكفى جنوحًا

  وواقعنا على النّطع استتابا!!

ونقع الذّل بات شراب قومي!!

  وزقّوم السلام لهم رغابا!!

وبات الحال مذمومًا بئيسًا!!

  تخلّينا وجافينا الكتابا!!

فأين الهديُ؟ أين مضى وولّى؟؟

  وأين سناه لا يلقى جوابا؟؟

أغمّ الفكر والأبصار عميٌ؟!

  كأن العقل قد فقد الصوابا!!

وأمتنا بلا ربان تمضي!!

  رؤوس القوم في الجُلّى غيابا!!

ولا أصداء في النكبات حسّا!!

  ولا استنفار حين الخطبُ قابا!!

فلا نلقى سوى الغربان سودًا!!

  نعيق البوم قد ملأ الرحابا!! 

وأرض الطهر للقطعان مرعى!!

  وأقصانا غدا لهم احتطابا!!

تنادوا واستعدوا دون خوف..

  وشاع القتل والحال اغتصابا!!

وكبّل بالعهود وقود قومي!!

  ولست ترى عتادًا أو حرابا!!

وهرول جمعهم والحال يُرثى!!

  مضوا يرجون في الغرب الثّوابا!!

فمن للجامع المحزون نلقى؟!

  ومن للمسجد الأقصى طِلابا؟!

ومن للقدس تفديها نحورٌ؟؟

  ونبض الروح نجعله قرابا

فعودًا للعقيدة شمس عز

  تنير الدرّب تنجده إهابا

فنيل الحق بالعزمات بذلًا

  وليس السِّلم يا قومي استلابا

  ولا استسلام فالأقصى عزيزٌ

  ولا تفريط مهما القسطُ غابا

سيمضي للنفير كرامُ قومي

  لنلقاهم بها أسدًا غضابا

ونشهد نصرة الأقصى خميسًا

  فجند الحق كالشّمس التهابا


أناشيد الطفل المسلم.. من الميلاد إلى الاستشهاد (2 من 2)

الشِعر التربوي.. وتهمة الوعظ والإرشاد!

 لماذا نزل كامل كيلاني من سقف «أبي العلاء» و «ابن الرومي» و «دوزي» والأدب الأندلسي.. إلى عالم حكايات «النملة» و«النحلة العاملة» و«الفيل الأبيض»؟

د.محمود خليل

عندما أقام أدباء العروبة وشعراؤها مهرجانًا عامًا لمبايعة أحمد شوقي بإمارة الشِعر، وذلك في حفل بدار الأوبرا، في ٢٩ أبريل عام ۱۹۲۷م، تمرد جماعة من الشعراء على هذه الإمارة، بزعامة الشاعر المرحوم محمد الهراوي (1885- 1939م)، حيث رأوا أن إمارة الشِعر بدعة، وأن لكل شاعر مكانته ووضعيته وامتيازه وخصوصيته، وعلى هذا أخذ الهراوي يحرض الشعراء على مقاطعة مهرجان شوقي (1870- 1932م) والحيلولة دونه والإمارة.. وكتب ساخرًا من قصيدة شوقي:

مال واحتجب وادعى الغضب

  ليت هاجري يعرف السبب

فكتب الهراوي قصيدته الهزلية:

شال وانخبط وادّعى العبط

ليت صاحبي يبلع الزلط

وأخذ الحاضرون يجيزون ويزيدون على هذا المنوال، حتى بلغوا بالقصيدة ستين بيتًا.

ليت هذا المدخل يضع أيدينا على أن الهراوي لم يكن واحدًا من عرَض الناس، ولا شاعرًا من جموع الشعراء، بل كان واحدًا من الواعين لرسالتهم المعتزين بأنفسهم المدركين لدورهم ووزنهم.. حتى إنه جعل رأسه يومًا ما من رأس أمير الشعراء أحمد شوقي..

من هنا ندرك إلى أي مدى وضع الرجل يديه على قيمة ما يؤديه من رسالة ثقافية نذر نفسه لها، وهي شِعر الأطفال.. فقدم لهم:

سمير الأطفال للبنين «3 أجزاء».

وسمير الأطفال للبنات «3 أجزاء»

وأغاني الأطفال.

وديوان الطفل الجديد.

والسمير الصغير.

وديوانه الإسلامي القيّم للأطفال «أبناء الرسل» محاولًا في كل ما قدم الجمع بين الترفيه والتربية، والتعليم والترفيه، والتهذيب والتأديب.. فمن منا لم يحفظ يومًا:

أنا مسلم وتحيتي

  عند القدوم إليكم

وإذا رأيت جماعة

  قلت السلام عليكم

ولقد صال الهراوي وجال في حقل التربية والتوجيه الخاص بالأطفال، فكتب عن العلاقات الاجتماعية والسلوكيات والآداب المحمودة والمذمومة، وكتب عن مخترعات عصره من الطيارة والسيارة والمسرة والآلة الكاتبة والدراجة والقطار.. كما كتب عن كل ألعاب الطفل المتاحة في عصره.. وتدرج مع الطفل في أعماله وأقواله.. بدءًا من تعليمه حروف الهجاء:

وأحرف الهجاء

  من ألف لياء

عندي لها أمثال

  يفهمها الأطفال

وكل حرف آت

  في أول الكلمات

فألف في «أرنب»

  قد اشتراها لي أبي

والباء مثل «بقرة»

  تأكل تحت الشجرة

إلى تداوله وتناوله لأدوائه وملابسه، من لبس الحذاء، إلى تجهيز حقيبة المدرسة.. إلى سلوكياته المدرسية إلى ألعابه وتساليه، وترانيمه وأغانيه، وثقافته ووطنيته، ودينه وأخلاقه.. وتمثيلياته ومسرحياته.

وبالإجمال.. نستطيع أن نقول: «إن الهراوي هو الشاعر الأول في ميدان تربية الطفل وثقافته الأدبية والدينية.. لا سيما أن الرجل كان واعيًا أيما وعي بشمول رسالته.. من سقف العقيدة وحتى وداعة المهد.. كل ذلك في بساطة شديدة، وسهولة ممتعة..

فالرجل كان رائدًا بكل المقاييس، ومبدعًا أصيلًا بكل معنى الكلمة.. في الأنشودة والأغنية والمسرحية، التي تعاملت مع الطفل من خلال لغة بسيطة موحية، تحمل الإيقاع الرشيق والمعنى الدقيق.

 ثم جاء الأمير..

ثم جاء أحمد شوقي أمير الشعراء (1870 – 1932م) الذي يعتبر بحق، قطب الرحى وخط الاستواء في مادة الشعر العربي المعاصر.. ما كان منه للكبار وما كان للصغار.. قصيدة كانت أو مسرحية.. وإن كان البعض قد سبقه كعثمان جلال الذي أصدر الطبعة الأولى من «العيون اليواقظ» ما بين عامي (1848و ١٨٥٤م) أي قبل ميلاد شوقي (16/10/1870م) بخمسة عشر عامًا تقريبًا.. إلا أن أحمد شوقي قد امتاز على شعراء عصره، بأنه قام بكل واجبات الإمارة تقريبًا، من سعي ورعي، وشمول ووعي.. فنسق بستانه الشعري بكل الأزاهير والرياحين، وغرس فيه كل الألوان والأشكال.. ومن ثم أتت حركته القوية، تحدث أثرها في كل من تناوله قلمه الذي كان يغمسه في وادي عبقر.. فيخرج المعجب والمطرب من فنون القول، وسبائك الأناشيد، ومرصوف القصائد.

ويحسب لشوقي أنه توفر بعناية على شعر الأطفال، وعد ذلك إحدى أمنياته: «وإني كنت أتمنى.. ولا أزال ألوي في الشِعر على كل مطلب وأذهب في فضائه الواسع في كل مذهب»..

«والمأمول أن نتعاون على إيجاد شِعر للأطفال والنساء، وأن يساعدنا سائر الأدباء والشعراء على إدراك هذه الأمنية».1

ثم يقول شوقي: وجربت خاطري في نظم الحكايات على أسلوب «لافونتين» الشهير، فكنت كلما فرغت من وضع «أسطورتين» أو ثلاث، أجتمع بأحداث2 المصريين، وأقرأ عليهم شيئًا منها، فيفهمونه لأول وهلة، ويأنسون إليه، ويضحكون من أكثره، وأنا أستبشر لذلك، وأتمنى لو وفقني الله لأجعل الأطفال المصريين مثلما جعل الشعراء للأطفال في البلاد المتمدنة منظومات قريبة التناول، يأخذون الحكمة والأدب من خلالها على قدر عقولهم.3

ومن هذا الإدراك الواعي، يقدم في ديوانه بابين خاصين بالأطفال هما: «ديوان الأطفال»، «باب الحكايات».. على أن أهم إضافات شوقي التي رسخت أصالته الفنية.. وليس التاريخية هي:

1- توظيفه الفني الجيد للرمز.

2- فنية التناول الإبداعي لنشيد الطفل.

3- الإتكاء على القصة الشعرية الملتزمة بالضوابط الفنية للقصة.

4- التضمين القيمي للقصة الشعرية.

5- التوفيق الجيد للقاموس اللغوي للطفل.

6- استهواء الطفل واستمالته من خلال الحكايات الشعرية على ألسنة الطير والحيوان.

7- المهارة الانتقائية لنماذج البطولة والحكمة.

8- الرشاقة الإبداعية، والسلاسة العروضية.

ومن أبرز النماذج الشوقية التي سارت بين جماهير الأطفال.. فشرقت وغربت.. حكاية «الثعلب والديك»:

برز الثعلب يومًا

  في ثياب الواعظينا 

فمشى في الأرض يهدي

  ويسب الماكرينا

ويقول الحمد لله

  إله العالمينا

يا عباد الله توبوا

  فهو كهف التائبينا

وازهدوا في الطير إن

  العيش عيش الزاهدينا

واطلبوا الديك يؤذن

  لصلاة الصبح فينا

فأتي الديكَ رسولٌ

  من إمام الناسكينا

عرض الأمر عليه

  وهو يرجو أن يلينا

فأجاب الديك: عذرًا

  يا أضل المهتدينا

بلغ الثعلب عني

  عن جدودي الصالحينا

عن ذوي التيجان ممن

  دخلوا البطن اللعينا

أنهم قالوا وخير الـ

  قول، قول العارفينا:

مخطئ من ظن يومًا

  أن للثعلب دينا

الأب الروحي

ثم جاء الرائد المجنح كامل كيلاني (1897- 1959م) ليمد الطفل بأول مكتبة عربية شاملة. عنيت بتنشئته على أسس علمية تربوية صحيحة، حيث كان الرجل معنيًا بفتح السبل، وارتياد الطرقات التي لم يرتدها أحد من قبل.. فأبدع ونقل، وترجم وصقل وقيد وفصل، وبسط وأجمل.. ونزل من سقف أبي العلاء4 ودوزي5 وابن الرومي6 وموازين النقد الأدبي7، وابن زيدون8، ونظرات في تاريخ الأدب الأندلسي9.. إلى حكايات بهلول والفيل الأبيض، وشنطح وشطرية.. إلى القصص الإسلامي في «من حياة الرسول» في ٣٧ جزءًا.. إلى النحلة العاملة التي تتشدنا:

أنفع الناس وحسبي

  أنني أحيا لأنفع

أنفع الناس ومالي

  غير نفع الناس مطمع

ولقد كان كامل كيلاني في أدبه كله مسلمًا مؤمنًا.. حاول بأدبه أن يغرس القيم الدينية في نفوس «الناشئين» على حد تعبير عبد التواب يوسف الذي حقق وقدم ديوان كيلاني للأطفال، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام ١٩٨٨م.

والحق أن كامل كيلاني نزل حقل أدب الأطفال قصة وشِعرًا بكل ثقله.. بل نذر له نفسه واستجمع له وقته ومواهبه الكبار.

ومر بهذا الموكب الرائد «إبراهيم العرب» الذي قدم «آداب العرب» عام ۱۹۱۱م، وضمنه تسعة وتسعين نشيدًا في صورة قصص شعرية على ألسنة الحيوان.

ثم أخرج «جبران النحاس» ديوان «تطريب العندليب» عام ١٩٤٠م، وبه سبع وتسعون قصة شعرية مقتبسة من «حكايات لافونتين». كما قدم محمود أبو الوفا (۱۹۰۰- ۱۹۷۹م) مجموعات شعرية صغيرة للأطفال، فقدم «أناشيد دينية» عام ۱۹۲۷م، و«أناشيد عسكرية» ١٩٣٩م. و«أناشيد وطنية» ١٩٥٦م10، كما اختارت لجنة تربوية من وزارة التربية والتعليم مجموعة من أشعاره الخاصة بالأطفال وطبعتها عام ١٩٣٤م في كتاب المحفوظات المختارة.

ولكن أشعار محمود أبو الوفا الخاصة بالطفل المسلم، لم يكتب لها الحياة، إلا بعد أن اتخذتها بعض المدارس التربوية كأناشيد لأشبالهم في مدارس الجمعة وغيرها من وسائلهم التربوية.

الملاحظة العامة على هذا الامتداد التاريخي لأنشودة الطفل طوال السياق السابق، أنها ظلت في الأغلب الأعم منها تقليدًا بحتًا، ومحاكاة باهتة لأناشيد الطفل الغربي، حتى في الكثير من المضامين والأغراض، وقد قرر ذلك كثير من الرواد دون خجل، مما يفتح الكثير من الأسئلة الخاصة بالأصالة والتطور، والخصوصية والمحاكاة خاصة في رحيق أدب الطفل المتمثل في أغنيته وأنشودته، وأغاريده وأهازيجه التي تعد بمثابة السلم المتحرك إلى مكونه الحيوي الخاص والقانون الحاكم للكثير من سلوكياته ومفاهيمه وحركته في الحياة.

1  نظر: «الحكايات على لسان الحيوان في شِعر شوقي» د. سعد ظلام، دار التراث العربي، ١٩٨٢م.

2  أحداث: أطفال.

3  كان شوقي حينئذ يعيش في فرنسا.

4  قدم كامل كيلاني تحقيقًا لرسالة الغفران، مكتبة الآداب، القاهرة، ١٩٣٩م في ثلاثة أجزاء، وقدمها بالإنجليزية بالإشتراك مع براكنبري.

5  ملوك الطوائف ونظرات في تاريخ الإسلام للعلّامة دوز، ترجمة كامل كيلاني.

6  ديوان ابن الرومي، تحقيق كامل كيلاني.

7  موازين النقد الأدبي، كامل كيلاني، مطبعة حجاري القاهرة، ديسمبر ١٩٣٢م.

8  دیوان ابن زیدون تحقيق كامل كيلاني وعبد الرحمن خليفة.

9  نظرات في تاريخ الأدب الأندلسي، محاضرات ألقاها كامل كيلاني بالجامعة المصرية.

10  أناشيد وطنية ١٩٣٧ مطبعة مصر، القاهرة طبعة أولى.. أناشيد عسكرية ۱۹۳۹، مطبعة مصر، القاهرة، طبعة أولى.. أناشيد وطنية ١٩٥٦م، دار الكاتب العربي، القاهرة طبعة أولى.

الرابط المختصر :