; لماذا سكتت المدافع في جبهة تحرير مورو؟ | مجلة المجتمع

العنوان لماذا سكتت المدافع في جبهة تحرير مورو؟

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1988

مشاهدات 73

نشر في العدد 888

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 25-أكتوبر-1988

• عام ۱۹۹۲م: عام أوربا الموحدة:

كثيرة تلك الأصوات التي تملأ الذاكرة المعاصرة بنداءات الجهاد والكفاح الشعبي من أجل حقوق الذات المسلمة.. وإذا ما استرجعنا شخوصها فسرعان ما تقفز في مقدمة تلك الأصوات جبهة تحرير مورو الإسلامية؛ إذ إن جبهة تحرير مورو الإسلامية متفردة في نشأتها وأطوار انطلاقتها، كما أنها متميزة في أسلوب حركتها.. فقد بدأت ناضجة مدركة بأن الحق لا بد أن ينطلق من ساحة الجهاد متجاوزة بذلك البدايات التقليدية وأطوار الحركات الاحتجاجية. وتعاملت مع واقعها البيئي وهي تستشرف المستقبل. وفي بالها أن التآمر أكبر حجمًا مما ترى. وسوف تتكالب عليها قوى عديدة، ومع ذلك لم تذعن لأصوات الحكومة الفلبينية يوم كانت سلطة فرناند ماركوس لا يعلو على سلطانها سلطان أرضي.. وحققت انتصارات عدة، وأثبتت أن منطق القوة والحق يملك القدرة على دحر القوة المغتصبة، وعندما سقط ماركوس كانت مورو الإسلامية هي سيدة ساحة المعارضة بلا منازع، ولذلك أرادت كورازون أكينو أن تبدأ عهد الفلبين الجديد بالدعوة للتفاوض مع قادة الجبهة، وعند المفاوضات جاءت أكينو في خمسة آلاف من جنودها تتحسس بذلك قوى الطرف الآخر، فوجدت نور ميسوري وسط سبعين ألف من المجاهدين، وبالرغم من أن أطرافًا دولية عدة أرادت أن ينتهي قرار المفاوضات بإقامة حكم فيدرالي إلا أن أطماع الحكومة الفلبينية كانت أكبر فقد أصرت أكينو على إجراء استفتاء في ٨ أقاليم (تقليلًا من الحكم الذاتي للمسلمين) بدلًا من ١٣ إقليمًا فأضاعت بذلك فرصة ذهبية في إحلال السلام في جنوب الفلبين وطوت صفحة المفاوضات رسميًّا في مطلع العام الحالي، ولكن المدافع ما زالت تملأ فضاء الجنوب المسلم غير أن أصواتها خفتت، وهنا مصدر تساؤل: لماذا سكنت المدافع في جبهة تحرير مورو الإسلامية؟

تركيز التكوين:

إن الهدوء النسبي الذي خيم على أرض المعركة في جنوب الفلبين يرجع أساسًا إلى الاستراتيجية التي تبنتها جبهة تحرير مورو في الفترة الأخيرة، فالمعركة لا تقتصر فقط على الكفاح المسلح، وإنما تتجاوز ميدان القتال لتصل إلى حرب إبادة من نوع آخر.. وفي ميادين أوسع، فالحكومة الفلبينية تستطيع أن تنازل حركة الجهاد في الميادين الثقافية بمضاعفة الغزو الفكري، وكما أن أدوات دعايتها تستطيع أن تحجب كثيرًا من الحقائق بل وتقلبها رأسًا على عقب، ولذلك رأت الجبهة لا بد من بذل جهدها في إحكام المنافذ الفكرية والإعلامية حتى لا تصبح حركتها الجهادية معزولة عن قواعدها الأساسية.. ومن جانب آخر تركز استراتيجية «أحكام التكوين» على ضرورة تحضير المسلمين للمراحل القادمة بنشر الوعي الإسلامي في أوساط المجاهدين وحملة السلاح حتى لا تكون قيادة العمل العسكري منفصلة عن القيادة الجماهيرية، حيث يكون المجاهد هو عسكري في المعركة وداعية إسلامي في الوقت نفسه فهي لا تريد أن يتكرر ما حدث في بلاد إسلامية أخرى حيث اختلفت مرحلة الكفاح الشعبي عن مرحلة الاستقلال، وانتهى دور المجاهدين في تسليم زمام الأمور إلى قيادات علمانية، ولهذا فالاستراتيجية تحمل أهدافًا تحول دون ذلك، وهي كالآتي:

١- التحول الإسلامي «أي تحويل المجتمع «في منطقة الجنوب» إلى مجتمع إسلامي صحيح».

٢- الاكتفاء الذاتي -في مجال المواد الغذائيةوالحاجات الضرورية الأخرى.

٣- رفع مستوى تنظيم الكفاءة القيادية والإدارية علمًا بأن للجبهة حكومة موازية لحكومة الفلبين؛ أي حكومة ظل كما يطلق عليها في الاصطلاح الحديث.

٤- إنشاء قوات إسلامية مسلحة قوية في إيمانها وتنظيمها ونظامها وأجهزتها.

٥- تحرير أرض مورو وتطهيرها بصفة نهائية.

٦- إقامة حكم الإسلام وتطبيق الشرعية الإسلامية.

وقد ساعد في وضع الاستراتيجية على هذا النمط تبدل سياسة حكومة الفلبين تجاه جبهة تحرير مورو الإسلامية، فقد أرادت أن تجرب أسلوبًا متعدد المداخل من قانونية ودستورية وإعلامية وتعليمية واقتصادية، وفي الوقت نفسه بدأت تخفف حملاتها العسكرية على مناطق الجنوب.

وفاق دولي:

ربما كانت الظروف الداخلية هي المانع الأصيل في عدم مواصلة الحكومة الفلبينية لحملاتها العسكرية وتصعيد حرب الإبادة للمسلمين في الجنوب، غير أن الأوضاع السياسية الدولية توحي بأن هناك عاملًا فاعلًا في تحجيم تلك الحملات، فالمرحلة التي بدأت فيها الحكومة مفاوضاتها كانت تتوافق مع بدايات الدعوة للانفراج الدولي عقب لقاء ريغان- غورباتشوف في موسكو من العام الماضي والهدوء النسبي الذي أظل منطقة جنوب شرق آسيا والمساعي المبذولة لحل أعقد قضاياه، وبالضرورة تتصل مشكلة جنوب الفلبين بتلك الاستراتيجية الدولية- الإقليمية، لذا كانت دوافع حكومة أكينو نحو عدم التصعيد ترتكز إلى وضع إقليمي ربما تتنامى في ظلاله بعض حلول قد تدفع بالمشكلة إلى مائدة المفاوضات من جديد، أما بالنسبة لجبهة تحرير مورو الإسلامية ربما تكون على علم باللعبة الدولية، لذلك شيدت استراتيجيتها في «تركيز التكوين» على شمولية الخط الإسلامي، واضعة في حساباتها الظروف وإمكانية الاستفادة منها بقدر الإمكان.. وعلى كل حال فإن الجبهة ترى نفسها أنها هي المستثمر الأمثل لهذه السياسة، وحتى في حال فشل الحكومة الفلبينية في مرحلة الهدوء النسبي والهدنة غير المعلنة، فإن الحركة لن تندم على تجاوبها لأنها لم تبن عليها أساسًا، وإنما وضعت سياستها المستقبلية على الاستفادة من مرحلة الهدوء النسبي بقدر المستطاع، والأرجح أن المدافع في جبهة مورو الإسلامية لن تسكت طويلًا.. ما لم تخرج حكومة أكينو من تصوراتها الفوقية، فالجهاد آت لتحرير الجنوب.

د. عبد الله موسى:

تصريحات المستشار الألماني الغربي هيلموت كول في أوائل أكتوبر من هذا العام حول ضرورة وجود جيش أوربي موحد وشرطة موحدة لتعزيز وحدة أوربا ومكانتها العالمية لم تثر الكثير من الاستغراب، كما أنها ليست جديدة.. فقبل هذا التصريح بأربعة أشهر ذكر المستشار الألماني السابق هيلموت شميدت هذه الملاحظات في وصفته الجريئة لأوربا، ويضيف إليها توحيد العملات الأوربية، ويرى أن هذه الخطوات لن تضعف علاقة أوربا مع الولايات المتحدة الأمريكية بل ستعززها وتؤكد استمرارها.

وحدة الاقتصاد أولًا:

الوحدة الأوربية التي قامت بعد قرون من صراع القوة نجم عن إحساسها بأن هذا الصراع الداخلي قد أضعف القوة الأوربية وجعلها تتقهقر خاصة بعد الحرب العالمية الثانية لتبرز قوى جديدة، وتحول مركز السيطرة العالمية من غرب أوربا إلى أمريكا وروسيا. المدهش أن اقتراحات توسيع قاعدة الوحدة جاءت من ألمانيا التي بدأت الحروب العالمية ومزقت بسببها أوربا!

ومن المعروف أن الدول الأوربية ترتبط الآن بالسوق الأوربية المشتركة التي بدأت بمعاهدة «بنيلوكس» التي هدفت في البداية إلى توحيد التعاون الاقتصادي بين بلجيكا وهولندا ولوكسمبرغ، ثم توسعت لتشمل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، ثم بعد ذلك حتى إسبانيا وتركيا تقاتلتا من أجل دخول هذه السوق.

وتستعد أوربا الآن لتوحيد سوقها الاقتصادية الداخليةلتصبح موحدة بالكامل، فقد صدر كتاب أبيض يجدد تاریخ ۳۱ ديسمبر ۱۹۹۲ م موعدًا للانتهاء من توحيد التشريعات الأوربية.

اليهود واقتصاد أوربا:

الذي يشرف على هذه المسألة اللورد أرثر كوكفيلد وهو رجل إنجليزي يمثل المصالح اليهودية الأوربية التي طرحت المشروع من خلاله ثم رشحت للإشراف على تنفيذه.. فبالرغم من التوقعات المتفائلة للدراسة التي تبشر الأوربيين بتوفير مبلغ ١٧٥ ألف مليون جنيه استرليني و٥ ملايين وظيفة، فإن فوائد هذه الوحدة لأوربا ربما كانت أقل بكثير.

وقد ألقيت في العام الماضي المئات من المحاضرات في الدول الأوربية حول موضوع الوحدة وتم التسويق له بجدية بين أصحاب الفعاليات الاقتصادية في أوربا، بالإضافة إلى الطلاب وغيرهم من القوى المؤثرة حتى صار عام ۱۹۹۲ ذا مدلول خاص في قاموس اللغات الأوربية الغربية: الوحدة.

لا يمكن التقليل من شأن هذه الخطوة التي يحاول الأوربيون استغلالها بشكل أكبر وأفضل لتصبح وحدة عسكرية وسياسية شاملة. فهذه الوحدة تمثل نقطة تحول كبيرة في تاريخ أوربا كلها. فإذا ما تلا توحيد السوق توحيد العملات فإن الحدود السياسية تسقط تدريجيًّا.

خطوات أكثر فعالية:

بالرغم من التاريخ الأوربي الحافل بالعداء والصراع بين قواها المختلفة بين فرنسا وبريطانيا، وبريطانيا وإسبانيا، وبين المحور وألمانيا وبالرغم من التباين الشديد في لغاتها الشديدة الاختلاف، فإن كل هذه الدول جميعًا قررت نسيان التاريخ وتذكرت أهمية الجغرافيا والاقتصاد. بل إنها قررت أن تتخذ خطوات أكثر فعالية، فصانعو القرار الأوربيون كلهم يجمعون على ضرورة توحيد العملات والجيوش والشرطة، وهم جادون في ذلك.

درس للآخرين:

بالرغم من الدور الذي يلعبه اليهود في الخفاء من أجل تحقيق الوحدة الاقتصادية لتركيز وجودهم في أوربا والذي تعوق بعض الشيء لعدة أسباب، فإن الآخرين يجب أن يقفوا طويلًا أمام إحساس الأوربيين بحاجتهم للوحدة وعملهم على تحقيقها ولو بأدنى الروابط التي تجمعهم، وهو العامل الاقتصادي، إضافة إلى العامل الجغرافي.

إنه صفعة للذين بقي لديهم بقية من إحساس وحياء في عالمنا الإسلامي، وهم يجمعهم دين واحد هو الإسلام، وتجمعهم لغة واحدة هي لغة القرآن، ويجمعهم تاريخ واحد هو تاريخ النبوة والخلافة الراشدة؛ ومع ذلك فهم يصرون على الفرقة والخلاف رغم كل ما يجمعهم.

وإذا توحدت أوربا سياسيًّا فإنها ستكون القوة الرابعة عالميًّا بعد أمريكا وروسيا والصين، والقوة الثالثة اقتصاديًّا بعد اليابان وأمريكا. أما نادي الدول الكبرى في العالم سياسيًّا واقتصاديًّا فيصير أول سبع أعضاء فيه كما يلي: أمريكا- روسيا- الصين- أوربا الموحدة- اليابان- الهند- كوريا.

فهل يصحو المسلمون؟ ذلك ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37).

الرابط المختصر :