العنوان الافتتاحية :ما بعد انهزام الجحافل الجرارة من أفغانستان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1988
مشاهدات 62
نشر في العدد 867
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 24-مايو-1988
«أفغانستان
جرح نازف في جسد الاتحاد السوفيتي».. إنها عبارة ميخائيل غورباتشوف الذي لخص فيها
العجز الروسي طيلة 8 سنوات.. أمام الحفاة والعراة من أبناء شعب أفغانستان
المسلمة.. ذلك الشعب الذي واجه واحدة من أقوى دول العالم، وهو أعزل إلا من الإيمان
بالله سبحانه. ومنذ أن أطلق غورباتشوف عبارته الفاصلة.. تلقى المراقبون ذلك على
أنه بداية العد التنازلي الانهزامي أمام إصرار المجاهدين الأفغان، على ألا يحكم
بلدهم غريب.. وعلى ألا يحتكم شعبهم لغير الله الواحد القهار. أفغانستان التي قهرت
الإنجليز والإسبان والأمريكيين.. أعطت الروس اليوم درسًا آخر، وعلمتهم أن عقيدة
الإسلام التي تمسك بها الأفغان في مواجهة القوى المادية هي التي تعلو.. وهي التي
تنتصر، وإذا كان الروس قد لقنوا درسًا بليغًا حتى نزفت الجروح من خواصرهم.. فإن
القوى الكبرى أيضًا عرفت معاني الدرس الأفغاني.. وعرفت أن الإسلام هو المبدأ الذي
لا يقدرون على مواجهته. ومن أجل ذلك.. يُقدر الروس اليوم ومعهم غيرهم من القوى
الدولية الكبرى المتآمرة على أفغانستان المسلمة أن انسحاب الجيوش الجرارة المقهورة
من أفغانستان الإسلامية سيترك الساحة مفتوحة للمجاهدين الذين سوف يتهاوى نظام
كابول الشيوعي أمامهم.. لذا؛ فلا بد -وفق تقدير الروس والقوى الكبرى- من نقلة
جديدة تنقل أفغانستان من الاحتلال إلى أشكال أخرى من القهر، منها:
1- قسم
أفغانستان إلى قسمين بحيث يحتفظ الروس بالقسم الشمالي، كما سمى ذلك بعض القادة
الروس بـ«المنطقة العازلة» وذلك خوفًا من استحواذ المجاهدين الأفغان على
أفغانستان.. الأمر الذي سيجعل الحدود الروسية المتاخمة معرضة لهجوم بعض الفصائل
الأفغانية المجاهدة عليها.. وهنا يخفي الروس أمرًا هامًّا وهو حنين سكان
الجمهوريات الإسلامية السوفيتية إلى استقلالهم عن الحكم الشيوعي.. لذا فالخشية هنا
من أن يستفيد هؤلاء المسلمون من الدرس الأفغاني في تاريخ الاتحاد السوفيتي الذي
استسلم أمام إصرار المجاهدين، وعلى هذا الأساس فإن الروس ينظرون اليوم إلى بقاء
الجزء الشمالي من أفغانستان تحت سيطرتهم على أنه ضرورة استراتيجية.
2- إيجاد نواة
لصراع داخلي يعقب الانسحاب، ويعتمد وفق منظور الروس على تقوية الحزب الشيوعي
الأفغاني في المدن الرئيسية ولا سيما العاصمة كابول، وفي اعتقاد الروس بأن السيطرة
على المدن من قبل الحزب الشيوعي والجيش يسهل السيطرة على بقية الأنحاء الأساسية من
البلاد، أما في المنظور الأمريكي فإنه من الأمور البديهية ألا يتفرد المجاهدون
بحكم بلادهم.. لذا فإن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الغربيين يرون في
الملك المخلوع ظاهر شاه والجماعات الموالية له ورقتهم التي يمكن أن يلعبوا بها
لمنع المجاهدين من التفرد بأفغانستان والاستحواذ على حكومة المستقبل فيها.. ومن
هذين المنظورين «الروسي والأمريكي» فإن الفترة المقبلة يراد لها أن تكون مجالًا
واسعًا للصراع الداخلي بين فئات شعب أفغانستان المسلمة لإنهاك هذا الشعب بوسائل
جديدة.. طالما أنه انتصر أخيرًا على واحدة من أعتى القوى الدولية.
3- إشعال حرب أهلية بهدف «بلقنة» بلاد الأفغان
وذلك «كما تخطط الدول الكبرى» لضرب المارد الإسلامي الذي أثبت ذاته وأكد نفسه
مستعليًا على كل الطروحات السلمية الزائفة التي تمخضت عن المؤتمرات التي كان
يرعاها الروس والأمريكيون معًا. وإذا كانت مثل تلك الخطط السالفة الذكر هي خطط
انتقام وكيد لشعب مسلم.. فإن السؤال الذي يطرح نفسه على أهل أفغانستان:
• ما هي خطة ما بعد انسحاب جحافل الجيش
الروسي المهزوم؟ نقول إجابة على هذا السؤال:
1- لا بد من اكتمال وحدة الصف بحيث يكون الشعب
الأفغاني المسلم كله بنية واحدة خاضعًا لقيادة واحدة هي قيادة المجاهدين التي
أثبتت جدارتها في قيادة شعب أفغانستان خلال سنوات الاحتلال.
2- إن انسحاب الروس من البلاد لا يعني انتهاء
الخطر الشيوعي، فالحكومة والحزب الشيوعي الأفغاني الحاكم يحتاجان إلى معالجة جذرية
من قبل المجاهدين، وإذا كان المجاهدون قد حققوا برنامجهم في طرد المحتل، فإن عليهم
بعد ذلك تحرير أفغانستان من فكر المحتل وعملائه في كابول وغيرها من المدن
الأفغانية.
3- لا بد أيضًا من إتقان منطق اللعبة السياسية
مع الأنظمة العالمية.. ولتكن العلاقة بين حكومة المجاهدين والأنظمة العالمية
مفتوحة منذ الآن.. وذلك على الأساس الإسلامي الذي أثبت الأفغان أنهم تعاملوا معه
بإخلاص طيلة فترات الاحتلال. على أن إقامة العلاقات السياسية عبر الجسور المفتوحة
بين حكومة المجاهدين وحكومات العالم باتت اليوم من المسلمات الضرورية؛ لأنها مفتاح
العمل السياسي لدولة أفغانستان المسلمة.. ونحن هنا لا نخشى على الأفغاني المجاهد
من اقتحام العمل السياسي؛ لأن المخلص في جهاده سيظل سياسيًّا مخلصًا لمبادئه.. وهذا
ما سيثبته المستقبل القريب إن شاء الله.. حيث ستتمكن حكومة المجاهدين -بعون من
الله- أن تتجاوز كل العقبات السياسية التي سيصطنعها الروس أمامهم في الأيام
القادمة. أخيرًا.. لا نملك إلا أن ندعو لشعب أفغانستان ولقيادته المجاهدة باكتمال
النصر.. وذلك كله من عند الله.. إنه سميع مجيب.