العنوان المجتمع الثقافي 1122
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1994
مشاهدات 118
نشر في العدد 1122
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 25-أكتوبر-1994
- ومضة
المتعمق فى الدراسات الفقهية، يبرز أمامه نمطان مختلفان من التفكير الفقهي، أحدهما يميل إلى التجديد، والآخر يرابط في منطقة الترديد الأول يسعى إلى إيجاد حلول للمشكلات القائمة، والثاني إن خرج من دائرة التاريخ فإنه لا يتجاوز الحديث عن الشكليات، وكل همه الرد على الفريق الآخر فى محاولة لتسفيه رأيه وتعطيل حركته من غير أن يبدع جديدًا، أو يقدم بديلًا، أو يطرح حلًا مقنعًا.
لنصطلح بداية على تسمية أحد الاتجاهين بفريق الإبداع، والآخر فريق الردود، وسنرى بأن هذين المصطلحين يمكن تعميمهما على مختلف التوجهات والمجالات الاقتصادية والسياسية والفكرية، لأنهما يرمزان إلى عقليتين تتناول كل منهما الأمور بأسلوب يختلف عن أسلوب الأخرى من أمثلة ذلك أن محمد الفاتح فى اللحظات الحاسمة التي كان يعد فيها لفتح القسطنطينية، وينقل سفته عبر اليابسة بطريقة مبتكرة لإطباق الحصار على المدينة التاريخية... كان النقاش البيزنطي على أشده - حول أسبقية البيضة للدجاجة أو العكس - في المجمعات والأوساط التي يفترض أنها ترسم الخطط وتعمل على مدار الساعة لحماية المدينة من السقوط.
ثم انظر إلى هذا الصحفي الذي يردح ليل نهار يؤيد رأيا وينصر موقفًا حتى إذا مالت الريح مال معها وانحاز إلى الرأي الجديد.. ماذا يستطيع أن يقدم لأمته فضلًا عن أن يبدع لمصلحتها شيئا ولمستقبلها مجدًا.
وإلى ذلك الاقتصادي الذي يحفظ النظريات وينقل الأقوال حتى إذا ما اعترضت بلاده مشكلة أو عصفت بها أزمة استعان بكتبه و مراجعه وأسقط ما فيها على مشاكلنا وأزماتنا دون أن يراعي إن كانت مناسبة أو غير مناسبة، تشكل لنا حلا أم أنها تحتاج هي الأخرى إلى حل.
قد يحفظ كثيرا ولكنه ليس إلا نسخة جديدة للكتاب فى الوقت الذي نحتاج إلى عقلية تبدع في طرح الحلول، لا إلى كتاب آخر في أرفف المكتبات.
الأمثلة كثيرة على وجود العقليتين وعلى تباينهما، وعلى أن هيمنة ثانيتهما على كثير من مناحي وأوضاع أمتنا من أهم أسباب العجز والتخلف اللذان يراد لنا أن نبقى في إسارهما إلى الأبد ..
اللسان العربي
علوم البلاغة 1- علم المعاني
بقلم : عبد الوارث سعيد
البلاغة هي علم الجمال اللغوي، والجمال في اللغة متعدد الألوان والمجالات والمستويات والمذاقات، فمنها ما يخص معنى اللفظة أو مضمونها، وما يخص بنيانها الصوتي، ومنها ما يخص اللفظة المفردة وما يخص العبارة والجملة، وما يخص النثر وما يخص الشعر. ومنها ما له ارتباط وثيق بالظواهر والأساليب النحوية ومنها ما ليس كذلك، ومنها ما هو جوهري في إكساب الكلام صفات الجمال والقوة والتأثير، ومنها ما هو تحسيني تزييني. من أجل هذا التنوع والاختلاف شققت البلاغة إلى علوم ثلاثة:
1- المعاني
2- البيان
٣ – البديع
ولنبدأ بأولها - علم المعاني - لنتعرف على دوره وأفاقه ومباحثه وعلاقاته بسواه.
بهذا العلم يبدأ الانتقال من علوم الصحة. خاصة علم النحو - إلى علم البلاغة، حيث إن مباحث علم المعاني، تنطلق أساسا من مباحث النحو وتنبني عليها، كما بين شيخ البلاغة ومؤسسها الإمام «عبد القاهر الجرجاني» الذي يكاد يسمى هذا العلم «معاني النحو» ويرجع مفاهيمه إلى أصول» النحو وإلى أبواب النحو (!!) كيف؟!
الجملة - التي هي ميدان النحو - تتكون من مسند ومسند إليه« بمصطلحات البلاغة» وهما. بمصطلحات النحو: الفعل والفاعل والخبر والمبتدأ. وقد تتصل بركني الجملة هذين بعض المتعلقات كالمفعول به والجار والمجرود والظرف والحال.. إلخ.
ولكن من الركنين ومتعلقاتهما «موقع» أو رتبة أصلية في ترتيب مكونات الجملة، وقد «يتقدم» أحدها أو« يتأخر» عن «رتبته» وقد يذكر الركنان أو يحذف أحدهما لداع، والجملة إما خبرية تتضمن حكمًا يحتمل الصدق والكذب - على أمر وقع أو يجري الآن أو يقع مستقبلًا وإما «إنشائية» كأساليب الإستفهام، والأمر والنهي والنداء والتمني والترجي... كل تلك القضايا. وغيرها. هي من صميم قواعد النحو، فيأتي علم المعاني فينطلق بها خطوة إلى الأمام ويضيف إليها معاني، إضافية وثيقة الصلة بـ «الحال» أو الموقف وملابساته بحيث تكون البلاغة في استعمالها أن تأتي مطابقة لـ «مقتضى الحال» ولنوضح أكثر بذكر بعض الأمثلة :
- يسوق الإنسان الخبر «الجملة الخبرية» ليبلغ مضمونه «فائدته» إلى من يجهله: «نزل القرآن منجمًا في ٢٣ عامًا وقد يساق إلى من يعرف هذا المضمون، فيعرف ما يلزم عن الإخبار وهو أن المتكلم يعلم ذلك المضمون:« كنت تصلي المغرب في مسجدنا أمس».
- أما علم المعاني، فيبين لنا أن الخبر قد يساق لأغراض بلاغية، غير ذينك الغرضين
مثل: 1 - التحذير والوعيد: ﴿ وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾... (الملك : ٦)
ب - التوبيخ كقولك لمن يسيء إلى والديه والداك: هما اللذان أنجباك وربياك حتى صرت رجلا!
ج- التخويف من عاقبة القعود عن طلب المعاني: كقول أبي القاسم الشابي :
ومن لا يحب صعود الجبال *** يعش أبد الدهر بين الحفر
٢ - وقد يساق الخبر ولا يراد به أيا من أغراضه الأصلية أو البلاغية، بل يراد منه أن يكون« إنشاء» لا حكم فيه، فالعبارة الشهيرة صلى الله عليه وسلم، عبارة عن جملة خبرية في شكلها، لكننا لا نعني بها الإخبار والحكم بأن الله قد صلى وسلم على رسوله، وإنما مقصودنا الدعاء بأن يحدث له ذلك ومثل ذلك: فلان أكرمه الله، وفلان أخزاه الله. الأمر هو من التراكيب اللغوية، ونعرف من علمي الصرف والنحو صيغته وإعرابه ومعناه الأصلي «وهو: طلب الفعل على وجه الإلزام أما علم المعاني فيعرفنا على المعاني الإضافية التي تقصد من الأمر في «المقامات» المتباينة، من هذه المعاني البلاغية :
- الدعاء:﴿ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ...﴾ (سورة المؤمنون:118)
2- التحدي والتعجيز: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ.....﴾ (سورة البقرة:111) ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ....﴾ (سورة البقرة:23)
- الإباحة: ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا.....﴾ (سورة البقرة:60)
- - التهديد: ﴿ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ (سورة إبراهيم:30).
- التحقير: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (سورة الدخان:49)... إلخ.
وقس على ذلك كل التراكيب والأساليب الخبرية والإنشائية، ومعها أساليب وظواهر مثل: الاستثناء والذكر والحذف والإظهار والإضمار وغيرها.. كلها ترتقي في علم المعاني إلى آفاق بلاغية ومعان اجتماعية وثيقة الصلة بالرسالة اللغوية المضمنة فى الكلام ومدى القوة في إبلاغها إلى المستهدفين بسبب نجاح قائلها في استيعاب عناصر الموقف ومراعاتها في التعبير، ومن شاء المزيد من التعرف على علم المعاني، فليرجع إلى أحد كتب البلاغة المتداولة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل