; المواجهة بين الفيل والنملة فـي أفغانستان.. بدأت الحرب فأين ومتي تنتهي | مجلة المجتمع

العنوان المواجهة بين الفيل والنملة فـي أفغانستان.. بدأت الحرب فأين ومتي تنتهي

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2001

مشاهدات 54

نشر في العدد 1472

نشر في الصفحة 22

السبت 13-أكتوبر-2001

بعد تحديد الأهداف ونشر القوات والتنظيم اللوجستي والاستعانة بأجهزة الاستخبارات والأقمار الاصطناعية للتجسس والطائرات المجهزة بالكاميرات والجواسيس المنخرطين بين السكان، أعلن الرئيس بوش الحرب التي قال مؤخرًا إنها قد تشمل عمليات قصف مذهلة يرى الناس بعض مشاهدها وعمليات أخرى سريةبدأت الولايات المتحدة وبريطانيا الحرب مساء الأحد الماضي، ولكن متى وأين تنتهي؟ الله أعلم.

كانت القوات الأمريكية قد ضاعفت تحضيراتها وصدرت الأوامر للقوات بالانتشار وأبحرت قطع حربية باتجاه الخليج والمحيط الهندي وأرسلت طائرات عسكرية إلى أقرب المواقع من أفغانستان، ثم بدأ إطلاق الصواريخ العابرة للقارات وانطلقت القاذفات الثقيلة، فانهمرت موجات من صواريخ كروز (وتوما هوك )الموجهة من غواصات أمريكية وبريطانية في المحيط الهندي، وتتابعت القنابل التي ألقت بها قاذفات بي وبي ٢ لتدمر مواقع مهمة منها مطارات كابل وجلال آباد وقندهار وهيرات ومعسكرات ومساكن وتقتل العشرات من المدنيين والمقاتلين

وكما كانت الحال في الحرب على صربيا في عام ۱۹۹۹م وعلى العراق في عام ١٩٩١م فإن الأولوية هي للسيطرة على الأجواء بالقضاء على شبكة اتصالات طالبان ودفاعاتها الجوية وحتى بقطع تمويناتها من موارد الطاقة، واستهداف المطارات والطرق والنقاط الحساسة الأخرى، كما أن السيطرة على السماء الأفغانية مهمة خصوصًا وأنه يبدو أن الوحدات الأمريكية الخاصة ستلعب دورًا أساسيًا في العملية بعد أن انتشرت أعداداً منها في أوزبكستان وربما باکستان، فضلًا عن تنظيم غارات انطلاقًا من هاتين الدولتين الجارتين المسلمتين للقيام  بالعمليات السرية جدًا التي تحدث عنه بوش فوجود قواعد خلفية في دول متاخمة  أمر ضروري للقيام بعمليات من قبيل البحث عن المفقودين أو فك الحصار عن أي مجموعة تجد نفسها محاصرة ، فضلًا عن تأمين التجهيزات والذخيرة والوقود والطعام واستبدال الأسلحة المعطوبة وإخلاء الجرحى والقتلى.

وكان الرئيس بوش أعلن بدء حملة  لحرب «لا هوادة فيها» على ما أسماه بالإرهاب. «بهدف استئصال جذور من كانوا وراء هجمات الحادي عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة». وقال بوش: «بناء على أوامري بدأ جيش الولايات المتحدة هجمات ضد معسكرات تدريب تنظيم القاعدة والمنشآت العسكرية الخاصة بنظام طالبان في أفغانستان»، وأشار إلى أن الحملة سوف تشمل في مرحلة لاحقة مواقع أخرى من كل أنحاء العالم.

 وقال وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد إن العمل العسكري هدفه إلحاق الهزيمة بمن سماهم الذين يمارسون الإرهاب ومن يؤويهم أو يدعمهم، وإن العملية تهدف في مراحلها الأولى إلى إزالة تهديد المضادات الأرضية، وشل قدرة الطيران الأفغاني، مع توجيه ضربة إلى من سماهم بـ الإرهابيين الأجانب الذين اتخذوا من أفغانستان قاعدة لهم وأشار إلى أن الضربة العسكرية الأولى استخدم فيها ٤٠ طائرة مقاتلة وقاذفة وأن غواصات عدة أطلقت ٥٠ صاروخ كروز في الساعة الأولى من الهجوموالغريب أن رامسفيلد أشار إلى أن الضربات ضرورية لتأمين وصول المساعدات للشعب الأفغاني، وكأن طالبان كانت تحول دون ذلك.

 وقد حرص كل من الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني الذي وجه بدوره رسالة حول بدء العمليات على استبعاد الربط بين الحملة على أفغانستان وأي عمل موجه ضد الإسلام والمسلمين وهي محاولات هدفها امتصاص النقمة الشعبية المتوقعة في العالم الإسلامي ضد العمليات

يبدو أن الهدف الرئيس من الحملة هو تحقيق انتصار نوعي للقوة الأمريكية بعيد لها كبرياءها، أما القضاء على الإرهاب فهو هدف يصعب تحقيقه بهذه الطريقة، فالهدف ذو طبيعة خاصة لا يمكن إخضاعها لمقاييس وحسابات الحرب التقليدية، وليست له قواعد محددة يمكن تدميرها عن بعد أو إنزال قوات خاصة لمواجهتها، ثم إن الهدف يتمتع بحماية الدولة التي يقيم على أرضها.

الدخول الأمريكي في المتاهة الأفغانية قد يكون الورطة الكبرى التي ترددت إدارة کلینتون الديمقراطية في الإقدام عليها طيلة السنوات الماضية منذ تفجير سفارتي نیروبي ودار السلام، وربما يكون بداية انفجار كبير في المنطقة يجر على أمريكا وغيرها الكثير من الويلات.

ويبدو أن القائمين على الحملة يدركون تلك الأبعاد، لذا نجد أنهم في الوقت الذي يتحدثون فيه عن حرب طويلة الأمد يتحركون باتجاه تقصير مدة الحملة الحالية بما لا يزيد على بضعة أيام، والاعتماد على الهجمات الخاطفة وتجنب النزول إلى الأرض، وتكثيف استخدام أسلحة نوعية تحقق الهدف.

ومن الواضح أن الأمريكيين سيتركون التحرك الأرضي المكلف بشريًا لقوات تحالف الشمال الذي تردى في وحل الاستعانة بالغرباء ضد أبناء بلده، ولطحن الأفغان بعضهم بعضًا.

ولا يستبعد أن تتوقف الحملة قليلًا لإتاحة المجال أمام طالبان لمراجعة موقفها ويصحب ذلك نشاط دبلوماسي مكثف من بعض المنظمات والدول، ولكن هل ينجح هذا السيناريو في تحقيق أهدافه، أم يزيد طالبان تحديًا في ضوء الموقف الطالباني سيتحدد حجم الخطوة التالية وفي حال إعلان التحدي ستعمد أمريكا إلى توفير المزيد من الدعم لتحالف الشمال المعارض بما قد يمكنه من الزحف إلى كابل مدعومًا بقوات أمريكية خاصة واستلام زمام الأمور في أفغانستان، وإن كان ذلك ليس مرجحًا فالولايات المتحدة لم تكن راضية عن زعيم التحالف الشمالي برهان الدين رباني يوم كان في السلطة، ثم إن التحالف لا يجمعه اليوم سوى عدم وجود السلطة، وحين تعود السلطة يعود الخصام والاقتتال.

 أما إذا بقيت طالبان ولكن تقلص نفوذها ونقصت المساحات التي تسيطر عليها فلا يستبعد اللجوء إلى تقسيم أفغانستان عبر إقامة مناطق عازلة على شاكلة ما حدث بالعراق بدعوى منع الصراع العرقي، وقد يترتب على ذلك أيضًا إعلان ملاذ آمن للاجئين في الشمال يكون في الواقع قاعدة أمريكية مفتوحة وبوابة الدخول إلى وسط آسيا وبحر قزوين ولاندري كيف سيكون عندها موقف روسيا والصين والهند اللاتي سمحن جميعًا ل المعلم الكبير، بالدخول للمنطقة في مقامرة كبيرة قد تكسب منها تلك الدول بتورط أمريكا في المتاهة الأفغانية لتشرب من الكأس الذي شربت منه موسكو من قبل وقد تتورط فيها دول الجوار حين تجد أنها انساقت وراء أطماعها وتمنياتها فتسببت في إدخال المنافس الأكبر لها على طرف حدودها.

من العجائب أنه في مواجهة أفغانستان المعدمة اقتصاديًا، المحدودة القدرات عسكريًا تقف أكبر دولة عسكرية في العالم مجهزة بمعدات متطورة وأسلحة تحتاج إلى تجربة عملية في ميادين القتال ليتم بيعها بعد ذلك رغبًا أو رهبًا، وكأن تلك القوة الأمريكية الكبرى لا تكفي حيث جرى حشد تحالف دولي كبير لمساندتهاإنه سيناريو أشبه بقصة نملة ظلمها أهل الغابة ولم يسمحوا لها بتناول الفتات المتبقي من خلفهم فقررت أن تنال من أكبر رموز الغابة الفيلتسلقت النملة جسد الفيل استغرق الأمر وقتًا طويلًا لكنها تحلت بالصبر حتى وصلت إلى خرطوم الفيل وأخذت تقرصه صرح الفيل وضحك سكان الغابة، كان لابد للفيل أن يستعيد مهابته في الغابةأقسم أن يؤدب النملة فراح يحطم أشجار الغابة بحثًا عنها ونسي أنه بتحطيمه للأشجار إنما وفر للنملة الملاذ الأمن الذي تختبئ فيه، وهكذا لا الفيل وجد النملة ولا النملة تهتم بما يفعل الفيل في الغابة التي سبق أن نبذها أهلها ولم يهتموا بأمرها.

أفغانستان ضحية القوى الكبرى يغزوها الإنجليز مرة لأنهم القوة الاستعمارية الأولى في العالم التي لا تغيب الشمس عن مستعمراتها، ويغزوها الشيوعيون طمعًا في الوصول للمياه الدافئة التي ينعم بدفئها الرأسماليون، واليوم تدفع أفغانستان ثمن توافق المصالح بين خصوم الأمس وكالعادة فقد سارع كل طرف لينال حظه من الوليمة لكن الأيام المقبلة، لا مخططات الساسة العسكريين هي التي ستكشف من؟

على صعيد ردود الأفعال الدولية، أكدت موسكو دعمها للغارات على أفغانستان، وقال بيان صادر عن الخارجية الروسية: «إن الوقت قد حان للتحرك ضد الإرهاب»، محذرًا من وصفهم بالإرهابيين في الشرق الأوسط وأفغانستان والشيشان والبلقان من أن سيف العدالة سيطولهم أينما كانوا

وفي باريس أعلن وزير الدفاع الفرنسي الان ريشار أن مسألة مشاركة فرنسا في الهجمات العسكرية مسألة أيام. وقال الرئيس الفرنسي إن قوات بلاده ستشارك في العمليات العسكرية ضد أفغانستان، ولم يستبعد وزير الدفاع الفرنسي شن هجوم بري، وقالإنه يمكن زيادة مستوى مشاركة القوة العسكرية الفرنسية في غضون أيام.

وأكد رئيس الوزراء الكندي جان كريتيان أن بلاده ستشارك عسكريًا، وقال إنه أصدر تعليمات لبعض الوحدات العسكرية الكندية بالبقاء في حالة تأهبوفي بروكسل أعلن رئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي أن أوروبا تقف بثبات مع الولايات المتحدة، وأعلن المستشار الألماني جيرهارد شرودر استعداد بلاده للمشاركة العسكرية إلى جانب الولايات المتحدة بمجرد طلبها ذلك، وأكد دعم ألمانيا دون تحفظ للعمل العسكري وأبدى رئيس وزراء إيطاليا سيلفيو برلسكوني استعداد بلاده للتجاوب مع العمليات العسكرية، كما أكد رئيس الوزراء الياباني جونيشيرو تأييد اليابان بقوة للضربات العسكرية على أفغانستان وقالت باكستان عقب الهجمات على أفغانستان إن حركة طالبان جلبت على نفسها الغارات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا وأعربت عن أملها بأن تكون العملية العسكرية قصيرة الأجل وأن تتجنب إيقاع خسائر في صفوف المدنيينوأدانت إيران من جانبها الضربات العسكرية لأفغانستان، وقال حامد رضا أصفي المتحدث الرسمي باسم الخارجية الإيرانية إن الهجمات على أفغانستان غير مقبولة وستضر بالمدنيين الأبرياء

الرابط المختصر :