العنوان الحروف السبعة
الكاتب عطية زاهدة
تاريخ النشر الثلاثاء 21-ديسمبر-1976
مشاهدات 78
نشر في العدد 329
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 21-ديسمبر-1976
أشهر ما صح من تصريح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بنزول القرآن على سبعة حروف هو ما رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة حتى سلم. ثم لببته بردائه أو ردائي فقلت: من أقرأك هذه السورة قال: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له: كذبت. فوالله إن رسول الله أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، وقام الأخير بالمهمة الموكولة إليه فانطلقت أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسله یا عمر، اقرأ يا هشام فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرؤها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه. وهذا الحديث مروي من جمع كبير من الصحابة يتعذر إحصاؤه.
وقد ورد في رواية أن عثمان بن عفان شهد على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف كاف. كل هذا حمل بعض الأئمة على القول بأن حديث عمر متواتر ويعود ذلك أيضًا إلى ورود حديث "نزل القرآن على سبعة أحرف ... " عن جمع من الصحابة ومنهم ابن مسعود، ابن عباس، أبو هريرة، عمر بن الخطاب، أبو سعيد الخدري، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وأنس بن مالك.
الحروف السبعة في مصاحف عثمان
الكثير من العلماء يميل إلى القول بأن مصاحف عثمان اشتملت على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة وقد أورد أبو بكر الباقلأني هذا الرأي كما جاء في كتاب البرهان للبدر الزركشي: "الصحيح أن هذه الأحرف ظهرت واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" وضبطها عنه الأئمة، وأثبتها عثمان والصحابة في المصحف، وأخبروا بصحتها، وإنما حذفوا منها ما لم يثبت متواترًا.
هل المراد بالسبعة الحصر؟
ذهب أكثر أهل العلم إلى القول: إن المقصود جاء على وجه التحديد والحصر وليس على إرادة الكثرة في الآحاد. ومن هنا ينفي العلماء القول إنها القراءات السبع، أو اللهجات السبع، أو إيراد المعنى الواحد بمفردات مختلفة كلها تؤديه، ومثل ذلك تعال وهلم وأقبل...
والبعض عدد سبعًا وضعًا من عنده ومن ذلك الرأي القائل: "إنها المطلق والمقيد، والعام والخاص، النص والمؤول، الناسخ والمنسوخ، والمجمل والمفسر، الاستثناء وأقسامه" ويرد على ذلك بأن خلاف عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم كان فيما يتعلق بالقراءة لا بغيرها. فليست القضية من هذه الأمور في شيء كما يدل الحديث وهذا الرأي من الواضح أنه يحمل فناءه معه.
ومن هؤلاء من رتب سبعًا من اللهجات واعتدوا في ذلك على ما كان من اختلاف في لهجات القبائل العربية فكان أن اختار البعض سبع لهجات ورأى أنها هي المقصودة في الحديث، والسبع هذه هي لغة قريش، لغة هذيل، لغة تميم، لغة ثقيف، لغة هوازن، لغة ...، لغة ...
وهذا الرأي مردود لما هو معروف من أن هشام بن حكيم، هو الآخر مثل عمر، من قبيلة قريش وابن لغتها ومما يقصي احتمال الاختلاف في لهجتيهما هو أن هشام بن حكيم نشأ في مكة واكتسب لغة قريش مثلما هو الحال بالنسبة لعمر.
كذلك فإن عثمان بن عفان قد صرح بأن القرآن نزل على لغة قريش وكان هذا حينما أمر بعض الصحابة ومنهم زيد بن ثابت، بنسخ المصاحف العثمانية، وزيد كان من الأنصار، والمشهور أنهم اختلفوا في كتابة كلمة التابوت، هل هي بالتاء أم بالهاء فأمر عثمان أن تكون بالتاء على لغة قریش.
وهناك من اعتبرها أسماء لسبعة علوم، دعوها بالعلوم من عند أنفسهم، وهي (علم الأشياء والإيجاد، علم التوحيد والتنزيه، علم صفات الذات، علم صفات الفعل، علم صفات العفو والعذاب، علم الحشر والحساب، وعلم النبوات).
وهذا الرأي شبيه ببيت العنكبوت ولا يخفي تهافته وما فيه من تكلف واصطناع، فما علاقة قراءة القرآن بالاختلاف في مثل هذه العلوم التي صنفها أصحابها وأعطوها من العدد سبعة.
رأي حديث سبع هو الآخر
وصاحب هذا الرأي هو الدكتور صبحي الصالح وقد أورده في كتابه مباحث في علوم القرآن، واعتبرها بعد الدراسة لما ورد عن السابقين، اجتهادًا ارتأه خلاصة لبحوثه في هذه القضية الشائكة وسبعة الصالح هي
- الأول- الاختلاف في وجوه الإعراب، سواء تغير المعنى أم لم يتغير.
- الثاني- الاختلاف في الحروف إما بتغير المعنى دون الصورة، وهو ما يعبر عنه بالاختلاف في النقط، مثل يعلمون وتعلمون، وإما بنفي الصورة دون المعنى مثل الصراط والسراط.
- الثالث- اختلاف الأسماء إفرادها وتثنيتها وجمعها وتذكيرهــا وتأنيثها، مثل، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، فقد قرئ لأمانتهم بالإفراد.
- الرابع- الاختلاف بإبدال كلمة بكلمة يغلب أن تكون إحداهما مرادفة للأخرى وإنما تتفاوتان بجریان اللسان بإحداهما لدى قبيلة دون أخرى، كقوله تعالى ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ (سورة القارعة:5) فقد قرئ كالصوف أو يكون بين الكلمتين المبدلتين تقارب في المخارج يسمح بالتناوب بينهما ويكاد يشعر بتصاقبهما معنى لتصاقبهما لفظًا، كقوله ﴿طَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ (سورة الواقعة:25) فقد قرئ طلع منضود.
- الخامس- الاختلاف بالتقديم والتأخير فيما يعرف وجه تقديمه أو تأخيره في لسان العرب العام أو في نسق التعبير الخاص، كقوله تعالى في شأن المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم "بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتُلون ويقتَلون"، فقد قرئ فيقتَلون ويقتُلون.
- السادس- الاختلاف بشيء يسير من الزيادة والنقصان جريًا على عادة العرب في حذف أدوات الجر والعطف وإتيانها تارة أخرى ومثل ذلك ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ (سورة التوبة:89) فقد قرئ بحذف من.
- السابع- اختلاف اللهجات في الفتح والإمالة والترقيق والتفخيم والهمز والتسهيل وكسر حروف المضارعة وقلب بعض الحروف ز، وإشباع ميم الذكور، وإشمام بعض الحركات.
-ولكن أين يكون الحل-
الحل يكمن في القراءات الصحيحة التي حصل قبولها ليس في عددها لكن في وجوه الاختلاف بينها، وميدان هذا الاختلاف. والاعتماد على هذه القراءات يرجع لاعتبار العلماء للتواتر لكثير مما فيها.
وهي عند الأكثر توقيفية وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أما الزمخشري، وهو المعتزلي وصاحب الكشاف، فقد رأى أنها اختيارية تدور مع اختيار الفصحاء واجتهاد البلغاء.
وإني أرى أن هناك قسطًا من الصحة في آراء الإمام الزمخشري يمكن أن نحدده انطلاقًا من الدراسة التي لا تبدأ بالمسلمات ولا تعتبر الرأي بها.
واشتهار القراءات، سبعًا كانت أم غير ذلك، كان في وقت بعيد عن عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
القرآن والقراءات
عرف العلماء القرآن الكريم بأنه اللفظ المعجز الموحي به إلى الرسول والمتعبد بتلاوته، والمنقول إلينا عن طريق التواتر.
وأما القراءات فهي ما قد يطرأ على اللفظ أو يعتوره، من أوجه النطق والأداء كالمد والقصر والتخفيف والتثقيل وغير ذلك مما قرأ به رسول الله وروي عنه بالسند الصحيح المتواتر.
التأليف في القراءات
-من ذلك كتاب "المحتسب في توجيه القراءات الشاذة" لابن جني. وكتاب "إملاء ما من به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن" لصاحبه أبي البقاء العكبري. ثم هناك كتاب ابن خالويه "المختصر في شواذ القراءات"، وله أيضًا كتاب "الحجة في القراءات السبع" وقد حققه الدكتور عبد العال مكرم من جامعة الكويت.
ومن الكتب الأخرى "النشر في القراءات العشر". وقد لقيت القراءات وكتبها عناية ملحوظة من المفسرين فأكثر البعض من الاستشهاد بها، خاصة صاحب المحيط "أبو حيان الأندلسي" والقراءات تساعد في فهم الكثير من الآيات والأحكام.
ومن أشهر القراء:
عبد الله بن كثير الداري، في مكة، (ت ۱۲۰ هـ).
نافع بن أبي نعيم، في المدينة، (ت ١٦٩ هـ).
ابن عامر عبد الله اليحصبي، في الشام، ( ت ۱۱۸ هـ).
حمزة بن حبيب الزيات، في الكوفة، ( ت ١٨٨ هـ).
عاصم بن أبي النجود الأسدي، في الكوفة، (ت ١٢٧هـ).
يعقوب بن إسحق الحضرمي، في البصرة، (ت ٢٠٥هـ).
خلف بن هشام (ت ٢٢٩هـ).
"شروط القراءة المقبولة"
إن اعتبار العلماء للقراءات بأنها توقيفية، عدا الزمخشري، جعلهم يشترطون في قبولها أن تكون بإسناد صحيح، وأن يثبت أخذها بالسماع والمشافهة، حتى تصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. وعند ابن الجزري، صاحب كتاب منجد المقرئين "الشرط في القراءات أن تكون متواترة."
وضوابط القراءة المقبولة ثلاثة:
- الأول- موافقة القراءة لرسم أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالًا وتقديرًا.
- الثاني- موافقتها العربية ولو بوجه.
- الثالث - صحة إسنادها، ولو كان عمن فوق السبعة أو العشرة من القراء الثقات.
رسم المصحف
المعروف أن جمع القرآن الكريم قد تم في عهد أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وقد ندب لذلك صحابيًا أنصاريًا هو زيد بن ثابت بدقة وأمانة وضبط لم يعهد مثلها في التاريخ. ولما صار القرآن بين دفتي كتاب وضع عند أبي بكر. وبعد موته، وانتخاب عمر بن الخطاب خليفة له، انتقل الكتاب إلى الفاروق رضوان الله عليه وبعد أن اغتاله أبو لؤلؤة المجوسي، فإن الكتاب أودع عند أم المؤمنين، حفصة بنت عمر وزوج الرسول وحين ولي عثمان بن عفان الخلافة كان القرآن لا يزال عند حفصة ولما سمع حذيفة بن اليمان اختلاف المسلمين خاصة بعد دخول غير العرب في الإسلام، سارع إلى الخليفة عثمان حتى يعمل الأخير على تدارك الأمة من أن يحصل بها ما حصل لليهود والنصارى في التوراة والإنجيل، حينما حرفا، فطلب عثمان القرآن من أم المؤمنين حفصة بنت عمر، لينسخ عنه زيد بن ثابت، وثلاثة نفر من قريش بضع مصاحف أرسلت إلى الأمصار الإسلامية وقد نسخت بلغة قريش والطريقة التي اتبعت في كتابة ألفاظ القرآن تسمى الرسم العثماني وهي لا تزال إلى يومنا هذا كما اثبتها هؤلاء النفر الأمناء، ولم يطرأ عليها إلا بعض صور من وجوه التحسين.
والقرآن، يقال: إنه لم يكن منقطًا في أول الأمر حتى جاء أبو الأسود الدؤلي، الذي اعتبره البعض أول من وضع التنقيط في القرآن العزيز وإذ لم يصلنا أن عثمان بن عفان أمر بتنقيط القرآن، فذلك قد يكون لسبب نزول القرآن على الحروف السبعة أو لعل التنقيط لم يكن معروفًا حينها.
-الحروف في لسان العرب-
يقول العلامة ابن منظور كل كلمة تقرأ على الوجوه في القران تسمى حرفًا، فنقول هذا في حرف ابن مسعود أي في قراءة ابن مسعود فمن قرأ بحرف ولا يخالف المصحف بزيادة أو نقصان أو تقديم مؤخر أو تأخير مقدم، وقد قرأ به إمام من أئمة الأمصار، فقد قرأ بحرف من الحروف السبعة التي نزل القرآن بها.
أما معنى الحرف فهو، كما يقول حرف كل شيء هو طرفه وشفيره وحده، ومنه حرف الجبل أي أعلاه أما الفعل حرَّف فيقال في استعماله حرف من الشيء بمعنى عدل عنه ومال.
وماذا في القرآن
إن أفضل مرجع لتحديد معنى هذه الحروف هو القرآن نفسه، ذلك أن أحادیث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد وصفها البعض "ما قال النبي من شيء فهو في القرآن، وفيه أصله، قرب أو بعد، فهمه من فهمه، وعمه عنه من عمه".
والكلمات المشتقة من الفعل، حرف، والواردة في القرآن، جاء منها في الآيات
آية ١١(سورة الحج) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾
إن الاطمئنان هو الاستقرار ولا يكون إلا بعد حركة واضطراب ومن هنا فإن كلمة حرف في الآية تحمل معنى الحركة بوضوح، وقد تظهر الدراسة اللغوية أنها مرادف للحركة.
وفي سورة الأنفال:-
الآيتان ١٥، ١٦، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وواضح من الآية أن كلمة متحرفًا تحمل معنى التنقل والتحرك بجلاء لا ريب فيه.
وفي (سورة النساء:الآية - ٤٦ –) ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾
وكلمة يحرفون تحمل معنى الحركة بشكل بين، فهم أي اليهود، يحركون الكلم عن مواضعه وينقلونه ويغيرونه وحرف الجر عن ـ يفيد المباعدة والإبعاد، ولا مباعدة أو إبعاد إلا بحركة أو تحريك.
إن هذا هو ما آنسه من حديث الرسول ومن امتناع عثمان بن عفان من التنقيط، على فرض معرفته في وقته، ومن معنى حرف في لسان العرب. وفوق كل ذلك ما حملته مشتقات حرف في القرآن الكريم من معنى الحركة. وكذلك ففي القراءات المشهورة دليل قوي على ذهبت إليه.
سورة الفرقان في كتاب ابن خالويه جاء في الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب أنه سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان، وهذا كتاب الحجة في القراءات السبع، يمكننا بالرجوع إليه أن نستدل على شيء من هذا الخلاف، عبر القراءات المختلفة لسورة الفرقان. فمن أراد الرجوع إلى مثل ذلك يمكنه أن يستعين بهذا الكتاب أو بغيره من كتب القراءات المتوفرة.
إذن هل الحروف السبعة هي الحركات السبع؟
مما سبق يمكن لنا أن نأخذ بهذا الرأي الذي أوردت ما يؤيده، سواء عبر مناسبة الحديث أو عبر المعاني التي تحملها مشتقات -حرف- في الآيات القرآنية الكريمة التي أيدت معنى الحركة في مشتقات -حرف- وكذلك فإن علم القراءات دليلًا جيدًا على أن المقصود بالحروف السبعة إنما هو الحركات السبع، لأن هذه الحركات هي أهم ما تختلف فيه القراءات.
ومن مثال هذا الاختلاف في الحركات ما قرئت به كلمة مثقال الآية (١٥)، من سورة لقمان، قال تعالى ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾. فقد قرأها نافع بالضم أي بضم حرف اللام في كلمة مثقال، بقية القراء أجمعوا على نصبها.
والحركات السبع التي نشكل بها الكلمات بحسب اشتقاقها أو إعرابها هي:
الفتحة - ومعها الألف علامة النصب في الأسماء الخمسة، والرفع للمثنى.
الضمة - ومعها الواو علامة للرفع في جمع المذكر السالم والأسماء الخمسة.
الكسرة - ومعها الياء علامة الجر والنصب في جمع المذكر السالم، وعلامة الجر في الأسماء الخمسة.
تنوين الفتح.
تنوين الضم.
تنوين الكسر.
السكون.
والظاهر أن كل حرف من الحروف الأبجدية أخذ وصفه بالحرف لأنه لا يمكن أن يلفظ دون أن يأخذ حركة من الحركات، ومن هنا. سمي الحرف حرفًا لأنه، عند لفظه يأخذ حرفًا واحدًا، أي حركة واحدة، وبذلك يكون القرآن قد نزل على سبعة أحرف.
ومعنى ذلك ببساطة أن الرسول قصد أن يلفت نظر عمر بن الخطاب إلى أن القرآن جاء على لسان العرب، التي هي لغة الحروف السبعة، أي الحركات السبع.
هل من حكمة في ذلك النزول؟
قيل هو للتيسير والتسهيل، والظاهر أن منشأ ذلك هو إعجاز القرآن بحيث استوعب بهذه الأحرف السبعة وجوه البلاغة العربية كلها، وذلك بالمرونة في التحريك من حرف لحرف.
وبهذه الحروف أيضًا يستوعب كل الوجوه الممكنة للإعراب الذي يقوم على القواعد النحوية في لسان العرب والحرف كما يقول ابن منظور من معانيه الوجه أو الجهة.
والاطلاع على شيء يسير من القراءات يظهر بوضوح كيف تقوم الكثير من الحجج على أسس نحوية في الإعراب وما ذلك إلا بقصد الخروج بالآية إلى وجه من البلاغة أقوى وأجمل، وأمثلة ذلك كثيرة في كتب القراءات.
وهناك ناحية هامة أخرى هي أن أوزان الفعل الثلاثي تأتي إما بتحريك عين الفعل بالفتح أو الضم أو الكسر وعند بناء المضارع منها فإن هناك احتمالات ثلاثة من فتح أو كسر أو ضم عين الفعل. فقد يأتي ثلاثي الفعل على وزن من الثلاثة الأولى أو أكثر من وزن في حالة المضارع وذلك من حيث حركة عين الفعل.
ومن هنا فإن الأحرف السبعة أعطت المجال لاستيعاب كل ذلك، وهذا ما وضع له الشرط في قبول القراءة من حيث موافقة القراءة العربية ولو بوجه.
والحكم على مجيء عين الفعل بالفتح أو الضم أو الكسر من عمل معاجم اللغة، ومن اختصاص ثقاتها الأقحاح.