الثلاثاء 05-يوليو-1983
- إذا جئنا إلى الحقيقة لا
يوجد بالكويت مشكلة إسكانية بقدر ما هي مشكلة «تجارية».
- قضية احتكار الأراضي يجب
أن تعالج بقوانين ملزمة والاحتكار لا يقره الشرع ولا النظرة الاقتصادية السليمة.
- يجب أن يكون الهدف من تحديث
الطلبات هو دراسة الحالة الاجتماعية وربطها بمدى حاجة المواطن إلى المسكن الحكومي.
أصدر المجلس الأعلى للإسكان بعد اجتماعه العاشر التوصيات الأخيرة
المختصة بالوضع الإسكاني في الكويت، وتأتي هذه التوصيات حصيلة الدراسات والبحوث والتي
أثرت وساهمت بالخروج بهذه التوصيات وقد ساهم في ذلك العديد من الجهات الحكومية والمؤسسات
المختلفة مثل جمعية المهندسين وعدد من أساتذة الجامعة كما ساهمت وزارة التخطيط بتقديم
دراسة حول هذا الموضوع.
وقد اعتمدت هذه التوصيات من قبل مجلس الوزراء ورفعت مذكرة بذلك إلى
رئيس مجلس الأمة، ويأتي كل هذا الاهتمام بهذه القضية التي أخذت مكانًا بارزًا في السنوات
الأخيرة من اهتمامات المواطنين، والذي استوجب على القائمين بجهات الاختصاص إجراء البحوث
والدراسات المتعلقة بالمشكلة الإسكانية هذا إذا كانت هناك فعلًا مشكلة إسكانية حقيقية.
أساس القضية الإسكانية
الوضع الإسكاني في أي بلد مرتبط
بشكل أساسي برقعة الأرض أو مساحات الأراضي التي تمثل حجر الأساس في أي مشروع إسكاني
أيًا كان نوعه، ونحن في الكويت نعاني الكثير من هذه القضية التي بدأت تتحكم كثيرًا
في نوعية وعدد المشاريع التي تنجزها الدولة، ومن المعلوم أن دولة الكويت بطبيعتها الجغرافية
محدودة الأراضي قليلة المساحات إذا قورنت بالدول الأخرى، وهذا بدوره استوجب على الباحثين
والمختصين أن يأخذوا بعين الاعتبار في خطط المشاريع الإسكانية قلة عدد المساحات والأراضي
المتوافرة للرعاية السكنية.
وإذا جئنا إلى الحقيقة يمكننا أن نقول إنه لا يوجد بالكويت مشكلة
إسكانية بقدر ما هي مشكلة «تجارية»، بكل ما تعني كلمة تجارية من حماية مصالح بعض الفئات
والأفراد، بل ويتعدى الأمر ذلك إلى احتكار الأراضي الشاسعة والكبيرة بدون أي انتفاع
منها، أو أي استثمار لها أو تحقيق أي مردود اقتصادي يذكر وكثير من الحلول التي طرحت
حول الوضع الإسكاني لم تناقش ولم تتطرق إلى هذه القضية الأساسية، ومن المعلوم أن هذه
الأراضي «المحتكرة» كلفت الدولة الكثير من الملايين من الدنانير لإيصال الخدمات والمرافق
إليها، مع العلم أن نفس هذه المبالغ قد تحتاجها الدولة لنفس الغرض عندما يعاد تخطيط
المنطقة للمشاريع الإسكانية.
وتقف الشريعة الإسلامية موقفًا حازمًا إزاء هذه القضية، إذا أردنا
نتحدث عن احتكار الأراضي من خلال المنظور الإسلامي، فلا يجوز لأي فرد في الدولة أن
يمتلك قطعة من الأرض دون أن تستغل أو تستعمل بهدف إحيائها والاستفادة منها، ويجوز للدولة
مصادرتها من أصحابها إذا عمد إلى أسلوب الاحتكار «لأن الأرض في منظور الإسلام وسيلة
إنتاج وثروة غالية سخرها الله سبحانه وتعالى لعباده لا لكي يحتكرها هذا وذاك، بل لكي
تكون لها وظيفة اجتماعية يستفيد من ورائها المسلمون»(۱).
التوصيات
دعت التوصية الأولى للمجلس الأعلى للإسكان كافة المواطنين الذين
قدموا طلباتهم في وزارة الإسكان إلى تحديث الطلبات، ولا شك أن هذه التوصية حاولت تحقيق
غرضين:
أولًا:
إعادة تقديم الطلبات على أساس توحيد نمط البيت الحكومي بدون التفريق
بين الدخل المتوسط والمحدود.
ثانيًا: تجديد
الطلبات وفق المعلومات الحالية والجديدة حول الوضع الاجتماعي لدى المواطن وعائلته،
وما استجد لها من ظروف معيشية عما كانت عليه عند تقديم الطلب.
والحقيقة التي يجب أن نشير إليها
هذه التوصية أنه إذا القصد من تحديث الطلبات هو دراسة الحالة الاجتماعية وربطها بعدى
حاجة المواطن إلى المسكن الحكومي، أو بمعنى آخر ربطها بالتوصية الثالثة التي حددت الأولوية
والحاجة كأساس يتم من خلاله تقديم الطلب للمسكن الحكومي فهذا أمر جيد، وسيحقق منفعة
كبيرة للمواطن ذي الحاجة الماسة إلى المسكن الحكومي.
ونأمل ألا تعمل التوصية الخاصة بتحديث الطلبات على إشغال ما يقارب
٢٠ ألف مواطن بالتردد على الوزارة لاستخراج الأوراق المطلوبة لتقديم الطلب للمسكن الحكومي
من جديد حيث يصبح عملًا روتينيًا لا داعي له، بل يجب أن تعمل في اتجاه إقرار مبدأ الحاجة
والظروف الاجتماعية التي طالب بها المواطنون في أوقات كثيرة وعلى صفحات الجرائد.
وقد تطرقت التوصية الخامسة حول تخصيص نسبة ١٥% من البيوت الحكومية
المعدة للرعاية السكنية لتوزيعها على الأرامل والأيتام والقصر ومن في حكمهم، والملاحظ
أن هذه النسبة عالية ويمكن تحديد ذلك بدراسة حالة الأرملة والأيتام هل هي فعلًا بحاجة
إلى مسكن وذلك يمكن إدخاله كحالات خاصة ضمن التوصية الثالثة التي حددت الأولوية والحاجة،
وعبارة «ومن في حكمهم» تبدو أنها تقبل
التفسيرات المختلفة مما يخشى أن تستغل لأغراض شخصية، والواجب أن تحدد العبارة المنصوص
عليها في التوصية.
وتتحدث التوصية السادسة حول توحيد نمط الإسكان الحكومي لكافة المواطنين،
وقد حددت التوصية مساحة القسائم بأن لا تزيد عن (٤٠٠ م2»، ويبقى تساؤل حول الفقرة الأخيرة
أي «ألا يزيد السكن عن ٤٠٠م». فيحتمل
أن تكون أقل من (٤٠٠ م2)، وكثيرًا ما يشتكي المواطنون من قلة المساحة المخصصة للسكن
و(٤٠٠م2)، كما يقال إنه أحسن البدائل للمساحة التي خصصت أخيرًا، وبهذا يبدو لزامًا
تحديد هذه المساحة (٤٠٠ م2).
-
وتضمنت التوصيات الأخرى العديد من الاقتراحات الإيجابية في سبيل إسهام
الجهات الحكومية في التنسيق والتعاون فيما بينهم وتطوير أساليب العمل في القطاعات الخاصة
والوزارة الحكومية مثل وزارة المواصلات والأشغال والكهرباء والماء والهيئة العامة للإسكان
ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، بشكل يهدف إلى المشاركة الإيجابية في تطوير وتحسين
الوضع الإسكاني لتحقيق السرعة في إنجاز المشاريع الإسكانية.
وخلاصة القول إن هذه التوصيات التي أقرت من قبل مجلس الوزراء يبقى
محكها الأول والرئيسي في تطبيقها على المشاريع الإسكانية، وسوف يبدأ العمل بها في مطلع
العام القادم ١/١/١٩٨٤م.
ومن الأمور المهمة بمكان والتي تخدم مصالح المواطنين، وتضمن لهم
سلامة تطبيق التوصيات هو ضمان حسن سير اللجنة المختصة بدراسة الحالة الاجتماعية لمقدمي
طلبات السكن الحكومي، واعتمادها على الأسس الموضوعية والعلمية بعيدًا عن كل المصالح
الشخصية وتدخل «الواسطات» في تقديم أو تأخير الطلبات، ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال إيجاد
أكثر من لجنة من اللجان المختصة بتحديد أولوية الحاجة عن طريق القيام ببحوث اجتماعية
وميدانية بحيث تستطيع من خلاله أن تضبط العمل حتى لا يكون هناك تطبيق خاطئ للتوصيات.
وأخيرًا يبقى التساؤل عن جدوى وصلاحية هذه التوصيات المتعلقة بالوضع
الإسكاني في الكويت.
هذا ما سيكشف عنه خلال السنوات المقبلة.
__________________
(۱) مقال للدكتور عبد الله النفيسي جريدة الوطن ٢٧ يونيو ۱۹۸۳م.