; على مشارف العام الرابع للصمود الأفغاني | مجلة المجتمع

العنوان على مشارف العام الرابع للصمود الأفغاني

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1982

مشاهدات 58

نشر في العدد 601

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 28-ديسمبر-1982

لا شك أن صمود المسلمين الأفغان يمثل بسمة يتيمة وسط عشرات من الأحزان على الحاضر المُعاش في عالمنا الإسلامي، فقد جسد هؤلاء المجاهدون صورًا عملية من الجهاد الحق. معتمدون على الله، رافعون لكلمته التي جعلوها شعارًا وأمانة ألزموا أنفسهم استشهادًا في سبيلها. أو تعود بلاد الإسلام في أفغانستان مبرأة من كل أدران الإلحاد وأرجاس المادية.

وكادت الحركة الجهادية في أفغانستان أن تسلخ العام الثالث من عمرها، وتدخل في عامها الرابع. وجدير بنا قبل الخوض في مستجدات هذه القضية المشرفة، أن نذكر بــ: 

الأهداف السوفيتية من هذا الغزو:

أولًا- من الأحلام المتوارثة للروس منذ العهود القيصرية، الوصول إلى المياه الدافئة «الخليج والمحيط الهندي»، وقد تعزز هذا الهدف بوجود النفط في هذه المناطق. وعمدت روسيا لتطويق المنطقة بوجود مدعم لها في اليمن الجنوبي والقرن الإفريقي. ووفقًا لهذا فإن سيطرتها على أفغانستان تمهد لتطويق المنطقة النفطية، فهم بهذا الوضع صاروا أقرب من طهران نفسها!

هذا، ولا يجد السوفييت غضاضة في التصريح بهذه المطامع، فقد قال بريجنيف على الملأ -بعد الغزو-: «نحن نحتاج النفط اعتبارًا من منتصف الثمانينيات، ونحن منذ الآن نستطيع أن نرفع الصوت، لماذا النفط العربي للعالم الغربي وحده؟!».

ثانيًا- تأمين الجبهة الداخلية والمحافظة على وضعية الاحتلال للجمهوريات الإسلامية، فالمراقبون يطيلون الحديث في الفترة الأخيرة من حركة الإحياء والانبعاث في الجمهوريات المسلمة المغتصبة، ويعددون كثيرًا من المظاهر والعلامات الدالة على ذلك. وإذا علمنا أن الحدود المشتركة لهذه الجمهوريات مع أفغانستان تمتد لمسافة ألف ومائتي كيلومترًا، لزاد تعجبنا وزاد انزعاج الروس بعد تعالي المد الإسلامي، الذي ينتظم العالم الإسلامي عمومًا وفي منطقته الآسيوية بصفة خاصة، فكان هذا التخوف وتلك الحماية هدفًا رئيسًا من أهداف هذا الغزو.

ثالثًا- وهذا السبب يعد هدفًا مشتركًا للقوى الطاغوتية جمعاء بشرقها وغربها، ألا وهو: المحافظة على حالة الضعف والمرض للخصم التقليدي، والمنافس المتوقع «بلاد الإسلام»، وروسيا على وجه الخصوص تحمل أبغض الذكريات لأفغانستان وبلاد الإسلام عمومًا عبر عهدها القيصري، وهم يعون تلك التجارب جيدًا ويحرصون على عدم تكرارها. وأجدى وسيلة في ذلك: ترسيخ الضعف والمحافظة عليه. ولا ريب أن الغزو المباشر أنجح وسيلة لتحقيق ذلك الهدف، لا سيما إن وجد عميل داخلي رخيص، كالشيوعيين الأفغان!

والعوامل المساعدة:

ويسَّر تحقق ما سبق العديد من العوامل المساعدة، يأتي في أولاها تفكك واهتراء البنية الداخلية لأفغانستان، وكذلك حالة «الغنائية» المسيطرة على العالم الإسلامي، والتي تُفقده وزنه وفعاليته كقوى تأثير يخشى منها «من ناحية الثقل السياسي الممكن، وتحكم مناطقه في الطاقة مثلًا». وهذا المستوى من الضعف، وانعدام الفعالية للقوى الإسلامية، يغري الأعداء والخصوم بالتمادي اللامبالي، والضعف المعين للخصوم لا سيما في وقتنا الحاضر هذا.

ولا ننسى عامل سياسة الوفاق، التي تقر -سرًّا- كل تحرك في هذا الاتجاه ما دامت المصالح آمنة ومصونة! والروس على كل حال لا يخسرون شيئًا من تصريحات أمريكا والمعسكر الغربي عمومًا ما دام ذلك في حدود التصريحات! كما لا يضيرهم كثيرًا أن تعلن عليهم عقوبات غير عملية، أو لا يلتزم بها جميع المقرين بها، فهذه كلها وسائل عديمة التأثير على واقع ومخطط السوفييت، وهي لن تعطل من جهودهم الساعية في إمضاء هدفهم الأساسي.

حالة الشلل التي أجبر عليها الروس:

إن من الأشياء التي لم يستطع العالم بمختلف معسكراته تجاهلها، حالة الشلل التي وصل إليها السوفييت في أفغانستان، فليست هناك وجوه للمقارنة بين قوة الاتحاد السوفييتي وقوة المجاهدين الأفغان، وبرغم تصدر السوفييت لقوائم الدول المتقدمة لا سيما في تصنيع الأسلحة، ومع استخدامهم لكل الأنواع الممنوعة منها، إلا أنهم عجزوا عن تحقيق أي قدر يؤديه له من التدعيم لنظامهم العميل «بابراك كارمال».

والوجود السوفييتي الآن يتجاوز في عدده مائة ألف مقاتل، وكل أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، ومن وراء هذا جسر جوي وخط حديدي يمدان ويدعمان بكل المطلوب من العتاد والرجال.

ولكن هذا كله عجز عن إسكات المجاهدين الأفغان، بل إن هناك كثيرًا من الإشارات إلى أن المجاهدين حققوا نصرًا ما بعده بهذا الصمود الطويل الذي امتد لسنوات، وما زالت معنوياتهم عالية مع المآسي وألوان المعاناة.

وقد كان الروس يأملون أن ترتفع بعض الأيدي المجاهدة، منادية بالاستسلام ولو بصورة مسرحية! ولكن خابت هذه الأماني ووصلوا إلى حالة لا يحسدون عليها.

وبعد هلاك بريجينيف، نوَّه المراقبون بأن هناك فرصة للسوفييت بحفظ بقية ماء وجوههم، وذلك من خلال الوجه الجديد «أندروبوف»، فإن فرصة تغيير الوجوه مواتية دائمًا للمبادرات التي ما كان في الإمكان القيام بها في وقت سابق.

هل من إمكان لحل سياسي؟

تنهال الأنباء هذه الأيام عن مساعي مبذولة للحل السياسي للقضية الأفغانية، فالأمم المتحدة عبر جمعيتها العمومية اتخذت قرارًا يدعو للانسحاب الفوري «للقوات الأجنبية» من أفغانستان، وأن يضمن لها الحرية والاستقلال التام. كما يضمن للأمم المتحدة مواصلة الوساطة التي كانت بدأتها من قبل، وهذا القرار شبيه بقرار آخر اتخذته الأمم المتحدة في العام الماضي.

ولا شك أن هناك مستجدات كثيرة في الساحة ثملى سعيًا في اتجاه الحل المناسب للمسألة الأفغانية. وعندما يصرح شخص كميتران بالقول:

إن أفغانستان أصبحت سمًّا قاتلًا يسري في جسد الاتحاد السوفييتي، فإن ذلك قول له ما وراءه، ويعبر عن قناعة تجسدت في الأذهان مدعمة بالصعود الجهادي المشرف للمجاهدين الأفغان، ومقابلة من حالة التداعي الداخلي للنظام الحاكم المختلف هناك والذي لم تجديه كل صور الدعم السوفييتي!

والأمم المتحدة حينما تصرح تلك التصريحات فهي في النهاية ممثلة لمصالح الدول الكبرى وقناعاتها، ولعلها محاولة لإخراج مناسب للسوفييت من المأزق الذي وقعوا فيه.

الوضع على صعيد أفغانستان: 

أشارت اللوموند الفرنسية «عدد ۱۹۸۲/۱۲/۱م» إلى أن الشعب الأفغاني بدأ يمل من امتداد الحرب لثلاث سنوات، وأشاروا إلى ما أبدته رئاسة الأركان بالحرب الأفغانية «السوفيتية» من استعداد لإنهاء الحرب. ولم يفت اللوموند أن تنوه بالأسباب التي أدت إلى ذلك، وقالت عن ذلك إن القوات الحكومية السوفيتية تخاف من الهجمات الشرسة التي يوجهها المجاهدون، كما أن التذمر الشعبي الداخلي صار ينذر بالدخول في مراحل عملية لا يدري مداها ولا منتهاها، وهذا التذمر صار ظاهرًا في كل مكان في أفغانستان، كما أن العناصر الأخرى من غير المجاهدين -وهي موالية للغرب في الغالب- صارت أكثر استعجالًا للوصول إلى اتفاقية تنهي حالة الحرب؛ ذلك أن هذه العناصر تخشى أن يتم حسم الموقف «بالحرب» لصالح المقاومة إسلامية الاتجاه؛ وهذا شيء مؤرق لها على أية حال. وقد أحببنا أن نثبت هذه الملاحظة التي أتت بها اللوموند، وهي لا تحتاج منا إلى تعليق. ونأمل ألا يفوت فرساننا من المجاهدين الانتباه إليها لا سيما أن اختاروا الجلوس لمائدة التفاوض.

وأمامهم في التاريخ المعاصر للعالم الإسلامي كثير من التجارب، وأقربها تجربة الجزائر التي أشعل الإسلام وقودها، وجنَى ثمارها المتنكرون له! والعناصر الممسوخة من المسلمين بولائها الغربي الأعمى تجيد فنون الانتهازية! ولا يحتاج إخوة الجهاد في التذكير أكثر من هذا.

إرهاصات وظنون:

ينسب لبعض المراقبين في العاصمة الباكستانية، أن السوفييت لا يمكنهم التفوق على الثوار إلا إذا ضاعفوا من قواتهم الميدانية هناك. وأنه وإن تمت المضاعفة فإن النصر السوفييتي سيظل أمرًا مشكوكًا فيه! ويشير أولئك إلى أن هناك اقتراحين متداولين في الأوساط الشيوعية: أحدهما استبدال رؤوس الحكم الحالية، ولكن هذا غير عملي لأن المجاهدين لا يفترون بالصور. والحل الآخر المتصور هو الحل الدبلوماسي.

وقد أشرنا إلى محاولات للأمم المتحدة في هذا السبيل، ولا شك أن هذا الحل مؤلم جدًّا للسوفييت، فمن أولى الشروط للتفاوض إجلاء القوات السوفييتية، وهذا الإجلاء يعني السقوط التلقائي للنظام الحاكم هناك، وهذا ثمن باهظ جدًّا، ولكن فيما يبدو أن «السادة» الروس لا يملكون شيئًا أحسن من هذا الآن!

موقف المجاهدين: 

ما زال المجاهدون يحافظون على بنادقهم حتى هذه اللحظة، وحديث المفاوضات قد لا تسيغه آذانهم. وقد نقل عن رباني -أحد الوجوه البارزة- عدم الاعتراض على مبدأ التفاوض، ولكنه ذكر أهدافهم الأساسية الرامية للتحرير الكامل للبلاد من القبضة الشيوعية والسعي لإيجاد دولة إسلامية هناك.

ونحب أن نقول إنه لا ضير على المجاهدين من المفاوضات أو غيرها، فالمعهود أن المجيدين للصمود والإباء والثبات رغم ضعف العتاد وقلة النصير هم الأجدر بالنجاح في كل ميدان.

وسلام على إخوة الجهاد الذين أوضحوا بالمثال البين الوسيلة الصحيحة للتحرير في منطقتنا الإسلامية و﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (الحج: 39).

الرابط المختصر :