; تحت لافتة "محاربة الإرهاب".. تونس.. محاولات جديدة لتجفيف منابع الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان تحت لافتة "محاربة الإرهاب".. تونس.. محاولات جديدة لتجفيف منابع الإسلام

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 01-أغسطس-2015

مشاهدات 48

نشر في العدد 2086

نشر في الصفحة 48

السبت 01-أغسطس-2015

التيارات اليسارية تسعى لتكرار تجربة "بن علي" في تجفيف منابع التدين في تونس

الشيخ الجوادي: لن نسمح باستغلال حالة الطوارئ لتكميم الأفواه

وزير الشؤون الدينية وضع جملة عراقيل أمام الأئمة أهمها إغلاق المساجد وفتحها قبل الصلاة بنصف ساعة فقط

رئيس المنظمة التونسية للشغل: طرد بعض الأئمة قرار سياسي يهدف للسيطرة على قطاع المساجد وتنصيب موالين للنظام

استهداف وسائل الإعلام لأئمة معتدلين من شأنه زيادة حدة الاحتقان والتوتر وتغذية الجنوح للتطرف

حالة من الغليان والترقب يعيشها جانب كبير من المجتمع المدني في تونس، ولاسيما المعنيين بالشأن الإسلامي في البلاد، بعد إجراءات إغلاق مساجد، وعزل أئمة مشهود لهم بالعلم والتأثير والاعتدال، من بينهم الشيخ راضا الجوادي، وبشير بن حسن، ولم يسلم من دعوات العزل وزير الشؤون الدينية السابق د. نور الدين الخادمي، هذا إلى جانب تجميد الدروس الدينية في جامع الزيتونة المعمور؛ مما أورث شعوراً بالاضطهاد ظن الجميع أنه انتهى مع المخلوع "بن علي".

وفي هذا الصدد، يقول الشيخ رضا الجوادي لمجلة "المجتمع": إن ما نعيشه اليوم وضع كارثي، هناك حملة ممنهجة ضد المساجد، وضد الأئمة الذين يقولون كلمة الحق، والذين يقال عنهم: إنهم ليسوا تحت السيطرة، بمعنى ليسوا تحت سيطرة الحزب الحاكم.

وأردف: هناك محاولة لتركيع الأئمة وتكميم أفواههم، ومن لا يقدرون عليه يتجهون لإقالته، وهذه انتكاسة كبيرة في مجال الحريات بصفة عامة والحرية الدينية بصفة خاصة.

وتابع: اليوم نشعر باضطهاد ديني كبير جداً، والأغلبية المسلمة التي تقدر نسبتها بأكثر من 99% في تونس اليوم، تونس العربية المسلمة، تشعر باضطهاد، وباستضعاف من قبل أقلية حاقدة، وهي بصدد تصفية حسابات سياسية وأيديولوجية.

وحول رسالته للشعب، يقول: نقول لشعبنا: إن الأمر خطير جداً، لاسيما إذا تمادوا في هذا، وهو أمر يؤكد بأن التدين في هذه البلاد في خطر، وبدأ البعض في العودة لسياسة تجفيف المنابع، ولكننا بالمرصاد بعون الله لمثل هذه المحاولات باستخدام جميع الطرق السلمية والقانونية.

وأكد الشيخ الجوادي تحمل الأئمة لجميع مسؤولياتهم بقوله: نحن مع المحافظة على السلم وعلى الأمن، ونحن ضد الانفلات الأمني وضد الفوضى، ولكن لن نسمح بتوظيف حالة الطوارئ من أجل منعنا من حقنا في التعبير، نحن نراعي هذه الأمور، وإذا وجدنا أن حالة الطوارئ المقصود منها تكميم أفواه الشعب بأكمله ومنعه من حرية التعبير، ومواصلة حالة الاضطهاد الديني التي نعيشها، حينئذ سيكون لنا موقف آخر نتدارسه مع كافة القوى الفاعلة لشعبنا بعون الله تعالى. 

وفي معرض رده على سؤال بخصوص من يقف وراء ما يجري حالياً في تونس؟ أوضح الجوادي أن أفكاراً ومناهج حاقدة تمثلها بالأساس التيارات اليسارية، هي التي تسعى لتكرار تجربة "بن علي" في تجفيف منابع التدين، ولكنهم لن يتمكنوا من ذلك بفضل الله عز وجل، فالشعب لن يرضى أن يعود من جديد إلى حظائرهم. 

جامع الزيتونة

وبعد الثورة على "بن علي"، عاد التعليم إلى جامع الزيتونة المعمور، بعد أن ظن البعض أن جامع الزيتونة، وربما الإسلام، قد أصبح أثراً بعد عين، ومجرد بناء تاريخي ولا يوجد حراك سياسي، وثقافي، وديني، واجتماعي فيه، لكن السلطات تمكنت مؤخراً من منع الدروس بالجامع المعمور.. وفي هذا يقول الشيخ عمر اليحياوي، من مشيخة الزيتونة لـ"المجتمع": إن وزارة الشؤون الدينية أصدرت بياناً أكدت فيه أنها ضد إغلاق التدريس داخل جامع الزيتونة، وأنها ستعمل على إعانة هيئة جامع الزيتونة على القيام بهذا المشروع الحضاري الذي هو لفائدة الشعب التونسي، وليس لشخص بذاته، أو جهة معينة، ولكن بتعيين الوزير الجديد وقعت عثرات كبرى.

وواصل اليحياوي حديثه: قد وعدنا في البداية بإعادة التدريس بجامع الزيتونة، لكن الأيام أثبتت لنا أنه لا يؤمن بهذه القضية، ووضع لنا جملة من العراقيل من أهمها صدور المنشور الذي يؤكد غلق المساجد طيلة اليوم ولا يفتح سوى قبل نصف ساعة من موعد الصلاة؛ مما جعل التدريس في الجامع من المستحيلات، لاسيما وأن الطلبة يأتون من أحياء بعيدة، ولا تناسبهم الدروس المسائية، والتي تكون عادة للأميين والكبار، أما الشباب المتفرغ وخاصة يومي السبت والأحد لتعلم دينه فلا يمكنه ذلك في ظل هذا الوضع.

ووصف الوضع الحالي في تونس بقوله: نعيش حالياً حالة تجريف الواقع الثقافي والاجتماعي والديني في تونس ما قبل الثورة، وقد طالبنا بإلغاء المنشور، ولكن الوزير وإلى اليوم لا يزال يتلكأ بدعوة  مقاومة الإرهاب، وهي دعوة باطلة؛ لأن أول من تصدى للإرهاب هو جامع الزيتونة، لما يتمتع به من مصداقية لدى الرأي العام وعموم المسلمين، فرسالته توحيدية للتآلف بين الناس جميعاً، وإغلاق باب التدريس هو تشجيع للإرهاب، وإعطاء حجج جديدة لمن يمارسونه، ونحن في تجاذب متواصل مع وزارة الشؤون الدينية رغم كل ما أبديناه من أصناف التعاون معها. 

خطر داهم

أما رئيس المنظمة التونسية للشغل، محمد الأسعد عبيد، الذي تنضوي نقابة الأئمة تحت لواء المنظمة التي يرأسها، فأوضح لـ"المجتمع" أنه تحت لافتة "مقاومة الإرهاب" يتم تجفيف منابع الإسلام واضطهاد المسلمين، وهناك مشروع استهداف بيوت الله، والأئمة، والعاملين في المساجد، وليس هناك مساجد خارج سيطرة الدولة، وما يجري حالياً من قرارات هو صب للزيت فوق النار، إذ لا يمكن اتخاذ قرارات تخص المساجد والأئمة دون معرفة رأي أهل الاختصاص، والمجتمع المدني، ولكن ما جرى يعد معالجة أمنية وإعلامية خارج مفهوم الدولة، القائم على الاختصاص والمشاركة، والأئمة والدعاة هم أهل اختصاص وهم أولى الناس بتقديم الحلول لمعالجة التصدي للإرهاب، ونطالب بتنظيم القطاع بقانون، وإخضاع القطاع لقانون الوظيفة العمومية (لجان تأديب، تحديد المسؤوليات والحقوق والواجبات)، وإخراج الشؤون الدينية من وزارة الداخلية لتكون تابعة بالكامل لوزارة الشؤون الدينية، وتشكيل هيئة تعليمية لإعداد الخطباء والدعاة.

وأكد أن قرارات طرد بعض الأئمة هو قرار سياسي، ولا علاقة له بعمل الأئمة والخطباء، ويهدف للسيطرة على قطاع المساجد وتنصيب موالين ليس إلا، وسننظم وقفتنا الاحتجاجية التي تأجلت لما بعد انتهاء فترة الطوارئ وهي شهر كامل، ونعتقد أننا في مواجهة مع الماسونية والصهيونية.

مرحلة صعبة

ولفت د. نور الدين الخادمي، الكاتب والمؤلف، وزير الشؤون الدينية التونسي السابق، في حديثه مع "المجتمع" أن المرحلة الحالية لا شك أنها مرحلة صعبة، والأصل في المراحل الصعبة أن يستعان ويستنجد بكل أبناء البلد من الكفاءات والشخصيات، وبخصوص الشأن الديني ينبغي أن يستعان ويستفاد من مئات الشخصيات الدينية، من أساتذة الزيتونة ومن العلماء ومن الوعاظ والمدرسين في إطار واحد وهو إعادة الاعتبار للخطاب الديني الذي سيسهم في الوحدة الوطنية، وفي جمع الكلمة، وفي مواجهة كل ما يهدد هذا البلد بما في ذلك الإرهاب، لا أن يُتَّهم عدد من الأئمة الأكفاء الذين هم معروفون في تونس، ومقبولون شعبياً، ويعملون في إطار القانون، وهم خريجون من الجامعات التونسية، وهم وطنيون معروفون بهذا الخطاب المعتدل المتوازن، وأسهموا في بناء الدولة وفي الثورة، وأسهموا في وحدة المجتمع، لا ينبغي اتهام هؤلاء وأن يحرض عليهم في بعض وسائل الإعلام بأسمائهم وبأسماء مساجدهم التي يؤمونها؛ فهذا الأمر من شأنه أن يزيد حدة الاحتقان والتوتر، ويغذي الطرف النقيض للوسطية، بإظهار أن الرموز المعنوية والمادية للإسلام تحارَب، ولا يُمكَّن هذا الشعب التونسي من الاستفادة من العلماء والأئمة الوسطيين حتى يسهموا مع المجموعة الوطنية، ومختلف النخب الأخرى في تحقيق أهداف الدولة، وأهداف الثورة، وتأمين هذا البلد، ومنع أي إرهاب، وأي إفساد، سواء حالياً أو في المستقبل. 

الأمر الثاني؛ إذا كانت هناك إشكالات قانونية إدارية أو عقارية تتعلق ببعض المساجد فالأصل أن تسوى هذه الوضعيات تسويات إدارية وقانونية وعقارية، وليس بطرق الغلق بشكل موسع دون معرفة بمآلات هذا الأمر على مستوى الاحتقان النفسي، وعلى مستوى الرسالة السلبية التي تبعث بها مثل هذه الممارسات في الداخل وفي الخارج.

وواصل: إن الآلاف يصلون في المساجد ويفاجؤون بغلق مساجدهم، وكان الأصل أن تسوى المشكلات لا أن تغلق المساجد بسببها، ويمكن للوزارة تسوية أوضاع المساجد التي لها مشكلات إدارية وعقارية بصفة مؤقتة إلى حين تسويتها بشكل نهائي دون اللجوء إلى إغلاق المساجد، وهذا ما ندعو إليه، وإن شاء الله تنفرج الأمور والمساعي في هذا الاتجاه متواصلة، بمنطق التعاون.

الرابط المختصر :