; مدينة المساجد صارت بلا مآذن ولا أذان | مجلة المجتمع

العنوان مدينة المساجد صارت بلا مآذن ولا أذان

الكاتب خدمة قدس برس

تاريخ النشر السبت 04-ديسمبر-2004

مشاهدات 65

نشر في العدد 1629

نشر في الصفحة 25

السبت 04-ديسمبر-2004

مشاهدات مراسل من داخل الفلوجة 

            مدينة المساجد صارت بلا مآذن ولا أذان 

الفلوجة: قدس برس

كان علينا أن نتخذ طرقًا جانبية للوصول إلى الفلوجة المدينة التي تتضارب بشأنها الأنباء، بين من يقول إنه تمت السيطرة عليها، ومصادر أخرى تؤكد أن المدينة ما زالت تقاوم.. كان رفيقنا في الرحلة واحداً من أهالي المدينة، تمكن من إخراج عائلته منها، لكنه يصر على البقاء داخلها، رغم ما أصابها من خراب ودمار واسعين.

أخبرنا «الدليل» أن الأخطار جمة في الطريق، وأن الداخل إلى المدينة قد لا يخرج منها، وبالرغم من الأخطار الجسام، في مدينة صارت ساحة حرب لا تتوقف، فليس ثمة يد من المجازفة قررنا دخول المدينة، والوقوف على حقيقة ما جرى ويجري هناك دخلنا الفلوجة عبر نهر الفرات.. كان الطريق المائي هو الأكثر أمنًا، أو ربما الأقل خطرًا.

أخبرنا رفيق الرحلة أو دليلها «عبدالله» أن الأمور أخذت تتحسن لصالح المقاومين بعد الأيام العشرة الأولى، وأن المدينة الآن تتعافى، حيث تقوم المقاومة بشن عشرات الهجمات اليومية على مراكز وتجمعات القوات الأمريكية، الأمر الذي اضطرها لتخفيف وجودها كما قال. 

دخلنا الفلوجة من أطرافها الغربية، كانت المنطقة شبه هادئة غير أن أصوات الانفجارات بالإمكان سماعها بوضوح بين حين وآخر .. شهد يوم الجمعة (٢٦/١٢) – حيث كنا هناك – اشتباكات عنيفة، بدأت منذ الساعة العاشرة واستمرت إلى ما يقارب منتصف ليل الجمعة السبت (٢٦-٢٧/١١).

 المناطق التي يسيطر عليها المقاومون في المدينة تتسع يومًا بعد آخر، فبعد أن كان ثلاثة أرباع المدينة بيد القوات الأمريكية، فإن انسحابات تلك القوات بدأت تتوالى بعد أن شن المقاتلون هجمات مكثفة وشوهد عدد من الآليات العسكرية الأمريكية، وهي تسحب من بعض أطراف حي الجولان، الذي ما زال يشهد معارك متقطعة بين حين وآخر. 

كما لا تزال المقاومة العراقية تقوم بين الفيئة والأخرى بعمليات هجومية خاطفة، منها ما يتعرض للقطع الخلفية للقوات الأمريكية، ومنها ما يكون في المواجهة، حيث يقوم خمسة أو ستة من أفراد المقاومة بشن هجوم خاطف بواسطة القذائف الصاروخية على القوات الأمريكية المتمركزة في نقطة معينة، وهم يعلمون مسبقًا أنهم يخوضون مواجهة غير متكافئة، نظرًا لتفاوت العدد والعُدة. وقد أرعبت هذه الطريقة القوات الأمريكية، كما يقول عبد الله، لأن الذين يتقدمون إلى مثل هذه العمليات غالبًا ما يتمكنون من إلحاق خسائر مباشرة وكبيرة بالقوات الأمريكية، ناهيك عما يمكن أن تتركه من أثر نفسي في صفوف الجنود الأمريكيين.

 وأمكن لموفد« قدس برس» الذي زار بعض الأماكن التي تسيطر عليها المقاومة العراقية، أن يشاهد بواسطة منظار متطور عددًا من السيارات الأمريكية من نوع «همر»، وقد اشتعلت فيها النيران، أو أعطيت بالكامل، بالقرب من جامع الحضرة المحمدية شمال الفلوجة، كما أمكن له مشاهدة أكثر من عشرين آلية أمريكية مدمرة بالكامل، كما شاهد أجزاء من مروحية أمريكية من نوع «بلاك هوك» أسقطت في الفلوجة، وقد علقت على أسلاك وأعمدة الكهرباء، وفي فجر يوم السبت (٢٧/١١) وقبل أن نغادر المدينة، فإن عبوات ناسفة كانت مزروعة في مبنى دائرة ماء ومجاري الفلوجة انفجرت في عدد من جنود القوات الأمريكية، مما أسفر عن مقتل تسعة منهم، وإصابة ١٣ آخرين بجروح.

المحزن في الأمر مشاهدة العديد من المدنيين ممن حوصروا، دون أن يجدوا من يخرجهم، كانوا يقفون في منطقة وسط بين نيران القوات الأمريكية والمقاومة العراقية، فالاشتباكات ما إن تهدأ حتى تشتعل من جديد، والمدينة تعاني من انقطاع التيار الكهربائي منذ يوم الهجوم، بالإضافة إلى انقطاع الماء. وأغلب تلك العائلات يفتقر إلى المواد الغذائية التي تحتاجها، ويقول المقاومون إنهم باتوا يخشون خشية جدية من أن تكون بعض العائلات قد ماتت بسبب الجوع وافتقارها للخدمات الأساسية. 

حين هبط الليل وحلت الظلمة كان علينا أن ننهي الرحلة إلى الفلوجة غير أن قصة المدينة التي تقاوم ما زالت مستمرة، فالمقاتلون في داخلها يصرون على المقاومة مهما كانت النتائج، بينما القوات الأمريكية ترفض أن يتكرر معها سيناريو نيسان (أبريل) ٢٠٠٤، لذلك فهي تستعمل كل ما تملك من قوة من أجل إخضاعها، لتبقى مدينة المساجد ساحة للقصف والتدمير، بعد أن غيبت المعركة أغلب معالمها الجميلة، ولاسيما مآذن المساجد التي تحولت إلى أماكن للقناصة الأمريكيين، وبالتالي صارت أهدافًا للنيران، لتبقى مساجد الفلوجة بلا مآذن ولا أذان.

الرابط المختصر :