; نفحات ربانية- مسئولية الدعوة عند رسول الله ﷺ | مجلة المجتمع

العنوان نفحات ربانية- مسئولية الدعوة عند رسول الله ﷺ

الكاتب جعفر يوسف الحداد

تاريخ النشر

مشاهدات 27

نشر في

نشر في الصفحة 55

عن أنس -رضي الله عنه- قال: كان غلام يهودي يخدم النبي ﷺ فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده فقعد عند رأسه فقال له: أسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده؟ فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ، فأسلم فخرج النبي ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الذي انقذه بي من النار» (1) 

حقًا لرسول الله ﷺ أن يحمد الله إذ أنقذ به هذا اليهودي من النار، وحقًا له أن يفرح ويسعد ويرددها الحمد الله الذي أنقذه بي من النار والداعية الصادق غاية مطمحه أن يوفقه الله لانتشال إنسان من الظلمات إلى النور ومن طريق الويل والنار إلى طريق الهداية والحق والجنة فيرددها في الأصداء كما رددها قبله محمد ﷺ: «الحمد لله الذي انقذه بي من النار».

هم الدعوة في حياة الرسول ﷺ

لم يكن الرسول ﷺ حريصاً على شيء حرصه على دعوة الناس وهداية البشرية، ولذلك وصفه القرآن الكريم بالحرص على الناس حين قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: 128) (۲)، وقد كان هذا الحرص امتثالًا لأمر الله تعالى القائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ (الأحزاب: 45-46)(۳). 

فينهض النبي ﷺ في دعوة الناس إلى الله ويبذل في سبيل ذلك كل شيء ويبلغ به الأمر أن يواسيه ربه مهونا عليه ما هو فيه قائلًا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (البقرة: 272)(٤) إذ أن هذا الشأن شأن الهدى والضلال ليس من أمر بشر، والله سبحانه يعزي رسوله ويسليه بتقرير هذه الحقيقة له حتى يستقر قلبه الكبير الرحيم المشفق على قومه مما يراه من ضلالهم، وحتى يدع ما يجيش في قلبه البشري من حرص على هداهم، وهي حالة يعانيها الدعاة كلما أخلصوا في دعوتهم وأدركوا قيمتها وجمالها وما فيها من الخير ورأوا الناس في الوقت ذاته يصدون عنها (٥).

بشرى الداعية

إن مقام الدعوة إلى الله من أشرف مقامات العبودية لله تبارك وتعالى وأزكاها، إذ إنها مقامات الأنبياء والمرسلين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33) (٦)، بل جعل الله هداية الناس ودعوتهم خيرا من الدنيا وما فيها وذلك في قول الرسول ﷺ: «لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها، وفي رواية خير لك من حمر النعم» (۷) وروى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: «من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» (۸)

وقال ﷺ: «الدال على الخير كفاعله» (۹) فالدعوة مثال لعبودية المسلم لله-عز وجل- والداعية ذو هم عميق يحوي الأمة وآلامهم وجراحها ويسعى في نصرة الدين وهداية البشر وانتشالهم من الظلمات إلى النور

الداعية مفتاح للخير

قال رسول الله ﷺ : «إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعله الله مفتاحًا للخير مغلاقا للشر، وويل لمن جعله الله مفتاحاً للشر مغلاقا للخير» (١٠).

فأبواب الخير شتى ومجالات الدعوة واسعة وهي بحاجة لمفتاح يفتحها لينساب الخير وينهال البر وتشرق الحياة ببركة ذلك الداعية الذي فتح للناس هذا الباب من أبواب الطاعات والقريات لله. عز وجل-بل يتجاوز الداعية هذه المرتبة إلى مرتبة أخرى وهي إغلاق أبواب الشر ودفع الناس عنها والحد من خطرها رغم دوافع الشهوة والنفس بالسوء، وتلك مرتبة أصعب ولاشك إذ إنها ترسم صورة الصراع بين أهل الحق ودعاته وبين نوازع أهل الباطل الذين لم يفتأوا في فتح أبواب الشر وما أسهلها من أبواب تفتح، ووظيفة الداعية إنقاذ هؤلاء الناس من السقوط في الهاوية، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها فجعل ينزعهن ويغلبنه فيقتحمن فيها فأنا أخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها»(۱۱)

فهي عملية أنفاذ البشر من الهلاك، وهذا هو محمد ﷺ الرؤوف الرحيم يريد حياتهم ويريدون موته يريد نجاتهم ويريدون غرقه يأخذ بحجزهم وهم يتهافتون كالفراش على النار.

فلا تذهب نفسك عليهم حسرات

لم يكن رسولنا ﷺ للبحث الناس على الدعوة ويتأخر هو، بل كان نجما في قمة صرح الدعوة إلى الله، وكان سباقا إلى الخير، بل بلغ به الأمر ذروته وطال منه الهم والحزن على الناس وتماديهم في الضلال حتى أشفق عليه الرب سبحانه وهون عليه، وأنزل عليه آيات القرآن تسري عنه وتهدى من روعه وتطمئنه على حال الدعوة، فإن الدين دين الله وهو قادر على نصرته سبحانه، قال تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ (طه: 2) (۱۲)، وقال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (الكهف: 6) (۱۳) وقال تعالى مشفقا على رسوله الكريم: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ (فاطر: 8) (١٤) أي فهون عليك يا محمد فإن مهمتك التي بعثت بها أن تبلغهم الرسالة التي حملك إياها ولست مكلفا بأن تدخل الإيمان في قلوبهم فلا تتلف نفسك حسرة على كفرهم.

 ولك أن تتصور تلك النفسية المتألمة والمتأثرة على حال أهل الكفر والضلال حتى يكاد ﷺ أن تذهب نفسه وتزهق روحه حسرة عليهم ولذلك نزلت الآيات للنبي ﷺ بأنه مكلف ببذل الأسباب لا بتحقيق النتائج ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (البقرة: 272) (١٥).

ما أعظم النبي الكريم وما أشد حرصه على دعوة الناس وانتشالهم من حفر الهاوية إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، وهكذا تكون همم الدعاة إلى الله فلقد كان رسول الله ﷺ نموذجاً فريداً في دعوة الناس ولنا في رسول الله أسوة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 272) (١٦)

الهوامش

  1. أخرجه البخاري وأبو داود.
  2. التوبة (۱۲۸).
  3. الأحزاب (٤٦-٤٥).
  4. البقرة (۳۷۲).
  5. تفسير الظلال جـه-ص ۲۹۲۸.
  6. فصلت (33).
  7. متفق عليه.
  8. رواه مسلم.
  9. صحيح الجامع الصغير
  10. رواه ابن ماجه.
  11. رواه البخاري.
  12. طه (1-2).
  13. الكهف (6).
  14. -فاطر (٢٤).
  15. -البقرة (۲۷۲).
  16. الاحزاب (31).
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1929

88

السبت 04-ديسمبر-2010

الإغلاق