العنوان الرؤية الإسرائيلية للمأزق السوري
الكاتب علي حسين باكير
تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2005
مشاهدات 67
نشر في العدد 1680
نشر في الصفحة 26
السبت 10-ديسمبر-2005
■ يحزقيل دور «أبو الفكر الاستراتيجي والسياسي» لدى الصهاينة يحذر من خطورة ترك الكيان الصهيوني في مواجهة حكومات عربية تفرزها الانتخابات.
■ هناك ما يشبه الإجماع داخل المستويات السياسية والعسكرية على أن من المصلحة بقاء النظام الحالي في سوريا لأن كل البدائل المطروحة لخلافته «كارثية» بالنسبة للكيان الصهيوني.
■ الصهاينة يرون أن التفاوض مع نظام حكم ديكتاتوري يظل أفضل وأسهل من محاورة الإسلاميين.
يتابع الكيان الصهيوني عن كثب ما يحصل من تطورات فيما يتعلق بالتغييرات الحاصلة في المنطقة لا سيما دول الخليج والمغرب العربي من
حيث مسألة التطبيع الجارية على قدم وساق، أو سوريا ولبنان من حيث مسألة الصلح الذي يسعى إليه الكيان الصهيوني وفق شروطه، وعليه فهي
تولي للأحداث التي تتعرض لها سورية أولوية قصوى في أجندتها الإستراتيجية.
ومن خلال القراءات الاستراتيجية للتحليلات الصهيونية الصادرة عن مراكز الأبحاث أو عن تصريحات المسؤولين الصهاينة نستطيع القول: إن الرؤية الصهيونية للموقف المفترض من التطورات الحاصلة تجاه النظام السوري تتلخص فيما يلي:
أن النظام السوري سيقدم تنازلات كبيرة في سبيل الاحتفاظ بحكمه وسيطرته، وهذا ما أشار إليه «أفريم هليفي» رئيس شعبة الاستخبارات الصهيونية -الموساد- سابقًا الذي ما زال وثيق الصلة بمسؤولي الجهاز ومقربًا من دوائر صنع القرار في الحكومة الصهيونية حين قال: «إن هناك اعتقاد سائدًا لدى الأوساط الصهيونية بقيام الرئيس السوري بشار الأسد بتقديم تنازلات وتنفيذ تغييرات كثيرة في سياسته بهدف إنقاذ حكمه من الانهيار». في حين نقل «إيتان رابين» مراسل صحيفة معاريف العبرية الصادرة بتاريخ 21/10/2005م عن مصادر رفيعة المستوى في المخابرات الصهيونية قولها: إن الرئيس السوري تعرض لضربة زلزال قوية، لكن ليس هناك فرصة في الوقت الحالي لكي يفقد حكمه.
- إن على الكيان الصهيوني أن يترك لأمريكا وفرنسا حرية التصرف في مسألة الضغوط التي تتم على سورية، وأن يقتصر الدور الصهيوني على المراقبة أو التحرش الذي قد تكون له أسبابه وعواقبه. وفي هذا الشأن أشار شيمون بيريز نائب رئيس الوزراء الصهيوني في حوار إذاعي معه أجراه موقع القناة السابعة العبري الإخباري التابع للمستوطنين اليهود، إلى أن «الكيان الصهيوني يقف الآن أمام فرصة تاريخية عظيمة بسبب ما يحدث في سورية ولبنان، وأنه عليها أن تترك لأمريكا وفرنسا حرية التصرف في التعامل مع القضية السورية، فالتطور الحاصل تطور رهيب». في حين رأى «أهارون زائيفي فرکش» رئيس جهاز المخابرات العسكرية الإسرائيلية «أمان» في حوار مطول معه أجرته صحيفة معاريف العبرية الصادرة بتاريخ 18/10/2005م «أن المعركة مع سورية ليست عسكرية فقط، وأن السياسة التي يتبعها الكيان الصهيوني حيال دمشق وتقوم على استخدام الضغوط من كافة الاتجاهات دون تدخل صهيوني مباشر في الجبهة السياسية صحيحة وسليمة». ولكنه علق: «بدون أي ضغوط أمريكية على سورية بشأن طرد حركتي حماس والجهاد الإسلامي من دمشق، فإنه من الممكن لسلاح الجو «الإسرائيلي» الهجوم على أي مكان، ولكن ذلك سيُعتبر لعبًا بالنار».
- إن الأولوية في الهدف من الضغط على سورية هو نزع أسلحتها الدفاعية التي تتمثل في دعم الحركات الفلسطينية وحركات المقاومة وكسر ممانعتها للسلام وفق الرؤية الصهيونية، وهذا ما عبر عنه رئيس القسم السياسي - الأمني في وزارة الدفاع الإسرائيلية عاموس جلعاد حين قال: إن «المصلحة الإسرائيلية» هي تحويل سوريامن دولة داعمة للإرهاب إلى دولة محبة للسلام، وأنه إذا غيرت سوريا سياستها فسيكون لهذا تأثير مهدئ وباعث على الاستقرار في الشرق الأوسط.
هذه هي المصلحة العليا: عدم تغيير الأنظمة، وعدم تغيير الحكام، وعدم التدخل في عمل المنظمات الدولية.
- الحرص على بقاء النظام السوري وإضعافه دون انهياره والحيلولة دون وصول إسلاميين إلى السلطة في سورية، وهذه هي النظرة الأهم خاصة في صفوف الاستخبارات الصهيونية، هناك ما يشبه الإجماع داخل المستويات السياسية والعسكرية على أنه من مصلحة الكيان الصهيوني بقاء نظام الحكم الحالي في سورية، وأن كل البدائل التي تطرح لخلافة هذا النظام تعتبر كارثية بالنسبة للدولة العبرية ومصالحها الاستراتيجية. وقد نقلت صحيفة هآرتس في ٣ أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠٠٥م عن مصادر رسمية صهيونية أن مسؤولين أمريكيين استشاروا الصهاينة مؤخرًا حول من يمكن أن يخلف الأسد مع المحافظة على استقرار سورية. وقال الأمريكيون إن انطباعهم أن الكيان الصهيوني يفضل إضعاف الأسد، بحيث يسهل وضعه تحت الضغط الدولي وبحيث يظل في السلطة، وأن الكيان الصهيوني غير متحمس لاحتمالات تغيير النظام في سورية. ولهذا ترى تل أبيب أن إحلال أي نظام حكم مكان نظام الحكم الحالي في سورية سيكون في غير مصلحتها على الإطلاق، وتقول شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المعروفة بـ «أمان» أن النظام الجديد -وبخلاف النظام الحالي- سيتمتع بشرعية دولية وإقليمية ووطنية لا يمكن مقارنتها بالشرعية التي يحظى بها النظام الحالي، وأن المعارضة السورية ليست كالمعارضة العراقية، وأن أطروحات معظم -إن لم نقل جميع- الجهات المعارضة ولا سيما الإسلاميون منهم لنظام الحكم في سورية أكثر تشددًا فيما يتعلق بـ«إسرائيل» وعملية السلام، بل إن الأمر وصل إلى أن تقوم صحيفة معاريف بنقل ما قاله شارون في إحدى المداولات السرية التي تتم دوريًّا بين أقطاب القيادات الصهيونية من أنه «من الأفضل الحفاظ على الوضع القائم.. من الأفضل وجود دول عربية متخلفة ودكتاتورية مستقرة ومنضبطة حتى تعرف على الأقل أين تبدأ وأين تنتهي».
وورد في تقييم قسم الأبحاث التابع لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية المعروفة باسم «أمان» المسؤولة بشكل عام عن تقديم التقييمات الاستراتيجية للعلاقات مع العالم العربي، أن «سورية بشار الأسد دولة ضعيفة ومفتقدة لجيش ذي أهمية وتتغذى من إشاعات الماضي». وكما أكد قادة الأجهزة الاستخبارية خلال هذه المداولات، فإن سورية حاليًا غير قادرة على مفاجأة الكيان الصهيوني بسبب تمتع الأخير بمعلومات استخباراتية حول كل واردة وشاردة تتم في سورية، في حين أن على الكيان الصهيوني أن ينتظر فقط المفاجآت إذا حل نظام آخر في دمشق. ويحذر البروفيسور يحزقيل درور الذي يوصف بأنه «أبو الفكر الاستراتيجي والسياسي، ويعتبر أحد القلائل في الوسط الأكاديمي الإسرائيلي الذين تحرص تل أبيب على استشارتهم» من خطورة ترك الكيان الصهيوني مع حكومات عربية تفرزها الانتخابات في العالم العربي، مؤكدًا أن الشعوب العربية لن تختار إلا الجهات التي تكنُّ العداء للدولة العبرية. ويضيف أنه على مدى تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي كان للجماهير العربية دومًا توجهات «لا سامية».
هذا ويرى الإسرائيليون أن التفاوض مع نظام حكم ديكتاتوري يظل أفضل وأسهل من محاورة الإسلاميين ولا سيما الإرهابيون المتطرفون الذين لا يتنازلون عن شيء.
- الحؤول دون حصول انهيار وفوضى في سورية كما هو حاصل الآن في العراق، ففي هذا السياق أكد مصدر «إسرائيلي» رفيع المستوي لمعاريف - الصادرة بتاريخ 21/10/2005م رفضت الكشف عن هويته- أنه إذا ما حدث أي شيء لسورية في هذا الوقت فسوف يحدث خراب ودمار في المنطقة، وربما قام شخص متطرف بالصعود للحكم ويكون دينيًّا ومتطرفًا أكثر من «بشار». وتحذر أجهزة الاستخبارات الصهيونية من حصول فوضى في سورية قد يدفعها إلى أن تكون المعقل الأول والأكبر للحركات الجهادية العالمية التي ستتقاطر من كل مكان لمهاجمة الكيان الصهيوني، وسيكون من شأن ذلك أن تتهدد أنظمة حكم تعتبر حليفة لـ «إسرائيل» أو على الأقل أنظمة حكم تشكل خطًّا مانعًا لهؤلاء الجهاديين من الوصول إلى «إسرائيل» كالأردن ومصر، وبالتالي من الممكن جدًّا للكيان الصهيوني أن يتهاوى بسبب عدم قدرته على فرض شروط سياسية على خصمه فضلًا عن تحديد موقعه وضربه أو هزيمته.
ويقول بن درور يميني، الكاتب ذو الميول اليمينية المتطرفة في مقال له بصحيفة «معاريف» نشر بتاريخ 28/10/2005م معلقًا على الأطروحات السائدة حاليًا لدى الأوساط الأمنية والسياسية في «الكيان الصهيوني» بشأن بقاء أو زوال نظام الرئيس السوري بشار الأسد: «إذا حدث في سورية ما حدث للعراق فإن بن لادن والزرقاوي سيكونان البديل ويحلان محل الأسد وخالد مشعل، وبدلًا من الديمقراطية سنحصل على الأسلمة والترهيب».
ومن هذا المنطلق، فإن «إسرائيل»، ترى أن على أمريكا اتباع سياسة حذرة إزاء ما قد يترتب عليه من ضغوط كبيرة على النظام السوري، وتشير هذه الدوائر المختصة إلى أن على واشنطن أن تستغل حقيقة أن أهم ما يعني النظام في سورية هو استقراره وضمان بقاء الحكم في الطائفة العلوية التي تشكل أقلية، وتوظيف ذلك من أجل دفع هذا النظام للقبول بالإملاءات الأمريكية، حيث يقول الجنرال المتقاعد داني روتشيلد الذي شغل في السابق منصب رئيس قسم الأبحاث في أمان: «إن الأسد قد يتحول إلى نسخة أخرى من القذافي الذي خرج عن طوره من أجل استرضاء أمريكا خوفًا من مصير صدام».