العنوان الافتتاحية .. الفيتو الأمريكي والاستسلام العربي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-1997
مشاهدات 71
نشر في العدد 1244
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 01-أبريل-1997
آثار الفيتو الأمريكي على مشروع القرار الذي يدعو إسرائيل للمرة الثانية للتخلي عن خطط بناء مستوطنة يهودية في جبل أبو غنيم بالقدس الشرقية موجة من الاستنكار والأسف فلسطينيًا وعربيًا وعالميًا، ووصفت ردود الفعل المستمرة لهذا الموقف الأمريكي المنحاز بشكل سافر بأنه سيشكل عقبة أمام ما يسمى بمسيرة السلام المتعثرة أصلًا، ويفقد واشنطن مصداقيتها كراعية لهذه المسيرة، كما سيضعف من مكانة مجلس الأمن واحترامه لدى دول وشعوب العالم، وقد جاءت تبريرات واشنطن لاستخدامها حق النقض «الفيتو» بأن مجلس الأمن الدولي ليس هو المكان المناسب لمناقشة مثل هذه القضية، مثيرة للسخرية والعجب.
ففي ظل هذا المنطق الأعوج تحاول الولايات المتحدة الالتفاف على قرارات مجلس الأمن بخصوص عدم شرعية بناء المستوطنات في فلسطين المحتلة باعتبارها مخالفة لما نصت عليه المادة الرابعة من اتفاقية جنيف، وكل ذلك بهدف حماية التعديات الإسرائيلية من قرارات الإدانة الدولية.
إن من المحزن رؤية واشنطن وهي تدعي حرصها على عملية السلام، إلا أنها في الوقت نفسه ترسل أكثر من إشارة لإسرائيل للمضي قدما في مشروعاتها الاستيطانية بالقدس الشرقية، ففي مطلع الأسبوع الذي كانت تتعالى فيه نداءات الشجب والاستنكار العربي والدولي لسياسات حكومة نتنياهو، وعدم التزامها بنصوص ما يسمى باتفاقية السلام، كان وزير الدفاع الأمريكي وليم كوهين يطالب الكونجرس الأمريكي بمبلغ ۱۸۰۰ مليون دولار على شكل هبات لتمويل برامج عسكرية لإسرائيل بهدف الإبقاء على تفوقها النوعي على دول المنطقة، ووصف الوزير الأمريكي إسرائيل في معرض تبريره لتقديم المساعدات العسكرية لها بأنها واحة الديمقراطية في هذه المنطقة المضطربة، وحليفة الولايات المتحدة منذ أمد طويل، وقال: «نحن ملتزمون بأمنها ورخائها التزامًا راسخًا».
والذي يتابع هذا الكم الهائل من المغالطات والتناقضات في الخطاب والفعل الأمريكي تلاحقه طائلة من التساؤلات الحائرة والتي لا تجد لها بصدق إجابات مقنعة في خريطة التحركات السياسية العربية المهرولة باتجاه التطبيع الرسمي مع الكيان الإسرائيلي.
فماذا يعني الموقف الأمريكي المعارض بشدة لاتخاذ أي قرارات دولية بإدانة إسرائيل في الوقت الذي تبدي فيه واشنطن امتعاضها لسياسات حكومة نتنياهو الاستيطانية بالقدس الشرقية؟!
وهل يمكن القول بعد تكرار الفيتو الأمريكي في وجه الشرعية الدولية، إن واشنطن تخطئ باي مصداقية في ادعائها بأنها الراعي الأمين لعملية السلام.
وهل يقبل الفلسطينيون -وهم يشهدون تعاطف المجتمع الدولي معهم- بمنطق أمريكا المتحيز جدًا لإسرائيل والقاضي بإلزامهم بالجلوس فقط مع الإسرائيليين، فيما يتعامل الطرف الإسرائيلي معهم بعقلية القهر وسياسة الإملاءات وأسلوب الجرافات؟
وهل بالإمكان التصديق بأن واشنطن تلعب دورًا غير دور الخصم والحكم، ذلك الدور الذي يرسمه الساسة الصهاينة في الخارجية الأمريكية، ويمارسون ضغوطًا مجحفة على الطرف الفلسطيني للتسليم به؟!
إن صرخات الاستغاثة والاحتجاج تأتي الآن على السنة أشد عناصر السلطة الفلسطينية تحمسًا ودفاعًا عن اتفاقيات أوسلو.
واشنطن، بعدما فقدت الأمل في التفاهم مع الطرف الإسرائيلي للالتزام والوفاء بما تم الاتفاق عليه في أوسلو، وشهد عليه العالم في واشنطن، وحظي بمباركة الكثير من الأطراف العربية الرسمية لقد أفلس المفوض الفلسطيني من اللهاث خلف فتات السلام الإسرائيلي دون طائل، ولما بلغ سيله زباه بدأ بالعودة إلى المربع الصفري يندب حظه الذي عثر، مدعيًا عدم جدوى التفاوض مع الإسرائيليين، ومحذرًا من فشل العملية السلمية.
إن السلطة الفلسطينية التي أفرطت في تفاؤلها وتزلفها للإسرائيليين على حساب كرامة وجهاد شعب فلسطين، ها هي تعود من جديد تتعلق بأحبال الهواء، أملا في مخرج من عتمة النفق الذي ساقت إليه جموع العرب والمسلمين، بعدما أسلمت زمام قيادها إلى الإسرائيليين، وغدت بمثابة مليشيات عميلة سيفها مسلط على رقاب الإسلاميين والوطنيين في البقع المحررة من فلسطين.
لاشك أن تداعيات الوضع العربي والإسلامي بعد حرب الخليج الثانية قد فتحت الكثير من الثغرات في جدار الأمن والدين بين شعوب وحكومات المنطقة، على خلفية نزوة طائشة لديكتاتور بغداد، فلم تعد -بعد مصاب حرب الخليج- هناك أهداف يتربص بها ويمكر لها، وانصرفت أنظار الساسة عن الهدف العربي، وخلقت الكثير من أجواء العداوة والخصومات، وتسببت في تمزيق روابط التأخي وأواصر العروبة، وانتماءات الهوية واضحة نجتمع عليها ونتناصر من أجلها، ونجحت إسرائيل -للأسف- في جهودها بجعل كل دولة عربية ترى في جارتها عدوًا يتربص بها ويمكر لها وانصرفت أنظار الساسة عن الهدف الاستراتيجي للأمة والقاضي باستئصال شأفة السرطان الاستيطاني الصهيوني من وطن الإسراء والمعراج.
إن الحقيقة المرة هي أن حالة الغثيان والتشرذم العربي قد سمحت لإسرائيل أن تتعامل مع جموعنا وتهديداتنا لها بمنطق «أطنين أجنحة الذباب يضير؟!» حيث لا تضع حسابًا لنظام عربي وتنظر باستعلاء إلى ساستنا وكأنهم فقط مجموعة من الغفر أو قطيع من البقر، لاحول لهم ولا حيلة إلا تطويع شعوبهم لقبول الزمن الإسرائيلي، بكل ما فيه من عنجهية وعلو وفساد واستكبار وكم شاهدنا نجاحات إسرائيل في هذا المجال، وكلما ارتفع صوت في بلادنا يحتج بغضب واستنكار ضد التنطع والصلف الإسرائيلي، جاء الرد قمعًا وتجريمًا للجماهير، وقفل الطريق أمام أي مظاهر للاحتجاج والغضب، واعتقالات تحجب ضوء الشمس لقوى الفعل بالأمة، واتهامات لا تنتهي بالتطرف والإرهاب هذه هي حالة الذل والتبعية التي يريدون لشعوبنا أن تسلم بها وتذعن لها، فإذا ظننت أن للسلام معنى مختلفًا عن الاحتلال والهيمنة فأنت شيطان أصولي إرهابي عدو للسلام مهدور الدم، هذا هو المعنى الاستعماري للسلام الذي يسوقوننا للتعايش معه بقوة القهر والسلاح، وكما عبر عن مضامينه بنيامين نتنياهو في كتابه الذي صدر حديثًا بعنوان «مكان تحت الشمس».
إن أمريكا التي أصبحت تكتظ مؤسساتها وأجهزتها التشريعية والتنفيذية بالعناصر اليهودية المتطرفة في صهيونيتها، قد جعلت من إسرائيل دولة ترى في نفسها أنها فوق القانون، ولا يملك الفلسطينيون -والعرب من بعدهم- إلا خطب ودها، وطلب رضاها، والرضوخ لسياساتها العدوانية السافرة.
إن حال أمتنا إذا بقي على ما هو عليه من العداوة والبغضاء وظلت علاقات الحاكمين في دولنا أشبه بحال الشركاء المتشاكسين وانداحت جبهات المواجهة والصراع بين السلطة والجماهير المطالبة بالإصلاح والتغيير، فإن إسرائيل -عدوة أمتنا الأولى- ستظل ترتع وتتوسع دون رادع لها، وستظل كنانة الهيبة لامتنا العظيمة فارغة إلا من بقايا نصال صدقة، لا ترد عاديًا، ولا تدفع باغيًا، ولا تبعث الرعب في قلب أحد من بني إسرائيل.
إن الانبطاح المكشوف لإدارة الرئيس بيل كلينتون المطالب السياسة الإسرائيلية وعدوانيتها ما كان ليتم لولا حالة التولي والخذلان التي ألمت بنا شعوبًا وحكومات، هي حالة لابد أن نجد لها علاجًا حاسمًا وسريعًا، وإلا فإن «الفيتو» الأمريكي سيظل هو العزف المنفرد الذي تتسلط به واشنطن على أهم مفاصل الكرامة والاستقلال لشعوب أمتنا، اللهم بلغنا اللهم فاشهد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل