العنوان ماذا يحدث في موطن السلام؟
الكاتب الشامي نصحي
تاريخ النشر الجمعة 28-مايو-2004
مشاهدات 68
نشر في العدد 1602
نشر في الصفحة 38
الجمعة 28-مايو-2004
جوزيف داري يحلم بألا يرى مسلمًا واحدًا في ولاية بلاتو التي يحكمها.. ويعمل على تحقيق ذلك في جميع الاتجاهات.
تناقلت الأنباء في الأسبوع الأول من مايو الحالي الأحداث التي وقعت في ولاية بلاتو بوسط نيجيريا والتي أسفرت عن مقتل ٦٥٠ من المسلمين في منطقة »يلوا« بالولاية هذه الأخبار المفاجئة التي أذيعت لفترة محدودة ثم توقف الحديث عنها تثيرعلى أيدي المليشيات النصرانية المسلحة.
الكثير من التساؤلات والاستفهامات: هل وقعت هذه الأحداث هكذا بدون مقدمات؟ هل حدث ما حدث وتوقف الأمر أم أن الأحداث توالت بعدها أحداث أخرى؟ ما أسباب ودوافع ما حدث؟ هل هي أحداث عرقية قبلية أم دينية؟
نحاول هنا الإجابة عن هذه التساؤلات:
ولاية بلاتو في وسط نيجيريا من الولايات الملتهبة التي وقع فيها الكثير من مثل هذه الأحداث خاصة في السنوات الأربع الأخيرة وتحديدًا مع بداية التحول المدني والحكم الديمقراطي الذي جاء بالرئيس الحالي أولوسن أو باسانجو، ففي ٢٢ مايو عام ۲۰۰۰ حدثت في الولاية وتحديدًا في عاصمتها »جوس« بعض النزاعات العرقية والدينية التي أسفرت عن مقتل العشرات من الطرفين الهوسا والفولاني »المسلمون« والبيروم »النصارى«وفي سبتمبر ۲۰۰۱ حدثت في نفس المدينة نزاعات جديدة ترتب عليها مقتل المئات، وتم إثر ذلك تشكيل لجنة مصالحة تكونت من رئيس الدولة ونائبه وحكام ولايات الشمال وزعماء المسلمين وخرجت اللجنة بتوصيات وقرارات لإعادة الأمن والاستقرار للمنطقة. ولكن هذه التوصيات والقرارات ذهبت أدراج الرياح ولم ينفذ منها شيء.
وجاءت الأحداث الأخيرة التي بلغت الذروة في مايو الحالي، عندما قام المسلحون النصاري بقتل ٦٥٠ من المسلمين »الفولاني والهوسا«وقد سبقتها أحداث في فبراير الماضي أي منذ ثلاثة أشهر، واستمرت تشكل نزيفًا مستمرًا يتمثل في قتل بعض الرعاة وسرقة الأبقار والأغنام وهدم بعض البيوت. وكانت هذه الأحداث تقع في أماكن متعددة من الولاية وقيل إن وراءها نصارى من ولايتي »تارابا« و»بلاتو«.
كانت أعداد الضحايا تتفاوت فأحيانًا ثلاثة . وأحيانًا عشرة وأحيانًا خمسون، وهكذا ظل هذا النزيف مستمرًا منذ فبراير الماضي. غير أن العمل الأكثر دموية وإرهابًا هو ما حدث في الأسبوع الأول من مايو، حيث كان الهجوم الكاسح على مدينة »يلوا« التي يبلغ عدد سكانها مليونًا ونصف المليون نسمة، أغلبيتهم من المسلمين وقتل وجرح فيها المئات ودمرت المئات من البيوت والمدارس والمساجد ومحطات البترول والدكاكين، ونزح أكثر من عشرة آلاف من البشر حسب تقرير رئيس منظمة الصليب الأحمر النيجيري، دكتور طاهر إبراهيم في ولاية »بوشي« الذين لجأوا إلى: ولايتي »نسراوا « و»بوشي« المجاورتين »لبلاتو«.
وساد الرعب والفزع حياة الآلاف، والعجيب أن الأسلحة التي استعملها المهاجمون كانت غير تقليدية لا تتوافر لأهل هذه الأماكن الذين يستعملون عادة السيوف والبنادق والأسلحة البيضاء. والسؤال الذي يحتاج إلى إجابة: كيف ومن أين جاءت هذه الأسلحة لهؤلاء المهاجمين؟
والمثير للدهشة أيضًا أن قوات الجيش والشرطة كانت موجودة ومنتشرة ولم تتحرك لتوقف هذه المجزرة التي قيل عنها إنها رواندا جديدة في شمال نيجيريا.
نعود للسؤال الذي طرحناه عن أسباب قيام هذه المليشيات بهذه الأعمال المدمرة التي ترتب عليها زهق الآلاف من الأرواح وتخريب الممتلكات الأراضي والعقارات:
1- كانت القشة التي قصمت ظهر البعير تعيين مختار عثمان محمد مديرًا لبرنامج مكافحة الفقر والتعليم في شمال »جوس« وهو من الهوسا المسلمين، ولد ونشأ في جوس إلى أن أصبح سكرتيرًا لإحدى الوحدات المحلية فيها، ومع ذلك فقد اعتبره أهل جوس شخصًا غريبًا، لأن نصارى الولاية يعتبرون الهوسا والفولاني المسلمين سكانًا من درجة ثانية- أو لاجئين- ليست لهم حقوق واسعة أو صلاحيات.
2- أن الرعاة من الفولانيين الذين يتجولون بأبقارهم يفسدون بعض مزارع الفلاحين »النصارى« ومن ثم قام الفلاحون بقتل الرعاة وسرقة ماشيتهم، وقد سرق وقتل ما يقارب مليون رأس من الأغنام والأبقار.
-3يزعم سكان الولاية من النصاري أن سبب ما تعانيه الولاية من فقر وجوع شديد يبدو ظاهرًا في أماكن كثيرة من الولاية بسبب احتكار الهوسا المسلمين للتجارة، ومن ثم بدأ الكثير من السياسيين في الولاية »خاصة أن نسبة النصاري في الولاية عالية« يحركون الناس ضد الهوسا وبدأت تظهر في الأفق خطة منظمة للقضاء على الهوسا والمسلمين وإخراجهم من الولاية كليًّا ونهائيًّا.
ومن الأسباب التي تذكر: ما يقال من أن المسلمين في الولاية أرادوا أن يجعلوها كولاية »زنفرا« التي أعلنت تطبيق الشريعة وأنهم ملأوا شوارع المدينة بصور أسامة بن لادن مما أزعج غير المسلمين، غير أن زعماء المسلمين في تلك المنطقة أنكروا ذلك تمامًا، ونقوا أن تكون هناك أي ملصقات في الشوارع لابن لادن أو غيره، كما أنهم لم يسعوا لتكون ولايتهم مثل زنفرا أو غيرها حيث إن الولاية لها خصوصياتها لتعدد الأعراق والديانات فيها .
حاكم الولاية الحاقد
حاكم ولاية بلاتو نصراني متعصب يمارس أعمال قمع واضطهاد لمسلمي الولاية، فقد أقسم على أنه لن يسمح لمسلم واحد في الولاية أن يكون على رأس عمل من الأعمال التابعة للحكومة الفيدرالية، ووصل الأمر إلى تغيير أسماء المستشفيات والمراكز حيث قام بتغيير اسم مستشفى محمد عبد الله إلى مستشفى بلاتو العام التخصصي، كما أبعد بعض العاملين في التليفزيون المحلي وأبعد الأساتذة الجامعيين من المسلمين، وحين قامت أعمال عنف ضد المسلمين في سبتمبر ۲۰۰۱ قتل فيها الآلاف ودمرت ممتلكات وصلت قيمتها إلى ملايين الدولارات لم يتخذ الحاكم ضد القتلة أي إجراء قانوني بل إنهم يتحركون ويمرحون في عرض الولاية وطولها؟ وفي الوقت نفسه يرسل أفراد شرطته لاعتقال العشرات من المسلمين بين الفينة والفينة ليقدموا للمحاكم العسكرية بتهمة الإرهاب أو صلتهم بجماعات متطرفة، ويبقى العشرات منهم في السجون لفترات طويلة، ويعاملون معاملة في منتهى السوء.
إن جوزيف داري يحلم بألا يرى في ولايته مسلمًا واحدًا، ويسعى لتحقيق ذلك في جميع الاتجاهات. فقد أبعد من الشرطة كل المسلمين وجعلها في يد النصارى ليحقق ما يريد من اعتقال المسلمين، كذلك أبعد المسلمين العاملين في القضاء، وما كان له أن يفعل ذلك إلا لأن الجهات العليا تدعمه وتقف خلفه، ويؤكد ذلك أن تحرك الحكومة لاحتواء الأحداث كان بطيئًا جدًّا إن لم يكن منعدمًا أصلًا.
وقد تجلت سياسة الإبادة العرقية للمسلمين في نيجيريا بشكل واضح في السنوات الأخيرة فقد تم إبعاد المئات من الجيش والمناصب المهمة للدولة والمؤسسات المختلفة.
وقد بلغت ذروة الإجرام والوحشية والتعطش لقتل المسلمين أن قامت بعض العناصر النصرانية بتتبع اللاجئين وقتلهم في أماكن وجودهم، وتأثر بهذه الأحداث الدموية أكثر من ١٥ وحدة محلية من بين ۱۷ وحدة محلية تضمها الولاية.
ردود أفعال المسلمين
كانت ردود أفعال المسلمين في ولايات الشمال سريعة وقوية، فعلى الفور تم إرسال رسائل لرئيس الجمهورية لتحميله مسؤولية ما حدث في بلاتو، وتحميل المسؤولية لحاكم الولاية، »الذي كان عضوًا في هيئة حقوق الإنسان للأمم المتحدة بها !!«، لأنه لم يتحرك لوقف حمام الدم ونزيف الاستئصال الذي يمارسه النصارى بالولاية، ولم يستطع حماية المسلمين، وقد أصدرت عدة جهات إسلامية بيانات شجبت فيها بقوة ما حدث، وقالت لو كان المسلمون من قاموا بذلك لوجدنا العالم كله يندد بوحشية المسلمين الإرهابيين، لكن لما كان الأمر يتعلق بغير المسلمين، فالصمت وضبط النفس وطلب التذرع بالحكمة. من ناحية أخرى قامت الولايات الشمالية بدعم اللاجئين ومساعدتهم والتخفيف عنهم، حدث ذلك على المستويين الشعبي والرسمي.
بيد أن غليان الكثيرين من المسلمين في الشمال أن يروا إخوانهم يقتلون ويهجرون من مواطنهم وينزحون إليهم جعل الأمور تتفاقم وتأتي بردود أفعال سيئة، حيث قام المسلمون بمدينة كانو أيام ۱۱- ۱۳ مايو بقتل عدد من النصارى القاطنين بكانو وإحراق منازلهم وتبع ذلك قرار بضعة آلاف من النصارى من الولاية.
ختامًا، فإن المخطط النصراني في نيجيريا يسير وفق خطوات مرسومة بدعم وتمويل خارجيين. لتحويل نيجيريا لدولة نصرانية فالنصارى يعتبرون أنهم أغلبية في الجنوب والغرب والشرق ويسعون لجعل الحزام الأوسط الذي يحوط بالعاصمة أبوجا منطقة ذات أغلبية نصرانية أيضًا» بنوي، نسراوا، بلاتو، تارابا، أداماوا، النيجر« وفي الوقت نفسه فإنهم يزحفون للوصول إلى الشمال للتغلغل فيه لتكون لهم نسبة عالية أيضًا، ولتنفيذ ذلك تم بناء الكثير من المراكز التنصيرية والمدارس والمستشفيات في الشمال.
فهل يتم لهم ذلك؟ أعتقد أن الإجابة ستكون لا، إذا تيقظ المسلمون وأدركوا الخطر الذي يحييط بهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل