العنوان مسلسل الاغتيالات السياسية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1980
مشاهدات 85
نشر في العدد 492
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 05-أغسطس-1980
- مسلسل الاغتيالات يستهدف المعارضة السياسية ورجال الفكر والصحافة.
- الاغتيال السياسي وليد الانقلابات العسكرية وأنظمة الاستبداد.
- عجزت الأنظمة المستبدة عن إقناع الجماهير فكريًّا فلجأت لتصفية المعارضة جسديًّا.
- أسلوب الاغتيال ساقط سياسيًّا وإنسانيًّا.
- لا الرصاص ولا المدفع يقف في طريق الحق ﴿وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء:227) .
- انفراد الطائفة أو الأقلية أو الحزب بالسلطة دعا الجماهير للغضبة.
عبد الوهاب البكري كان آخر شهداء مسلسل الاغتيال السياسي الآثم.. وآخر الضحايا في مسلسل الإجرام المخرج رسميًّا من قبل أحد الأنظمة العربية..
عبد الوهاب البكري أحد الإخوان المسلمين قتلوه غيلة في أحد شوارع العاصمة الأردنية.. ولم يكن له ذنب إلا أنه من الإخوان المسلمين وأنه قال للطغيان لا..
صلاح الدين البيطار قتلوه على باب مكتبه في باريس، ولم يكن له ذنب إلا أنه انتقد الطغيان وشهد شهادة حق في مجلة الإحياء العربي..
رياض طه قتلوه في بيروت ربما لأنه أصدر كتابًا بعنوان: أخطاء الحرية وضحايا الإرهاب!
الدكتور يحيى المشد عالم الذرة قتلوه في باريس...
سليم اللوزي قتلوه وقتلوا أخًا له من قبل في بيروت.
المسلسل طويل وله أكثر من مخرج، لكن دقة الإخراج تشهد شهادة قاطعة بأن المخرج دولة لا فرد، وحزب لا عصابة، وطائفة حاقدة، لا مجموعة متهورة..
قال البيطار قبل مقتله أن صديقه الدبلوماسي أبلغه بأن اسمه على رأس قائمة تضم 180 شخصية سياسية وإعلامية عربية، مرشحة الآن للتصفية الجسدية في أوروبا، وأن 72 عنصرًا مدربًا على الاغتيالات وصلوا إلى باريس لهذه الغاية..!!
وإذن فالقائمون على مسلسل الاغتيال السياسي أكثر من جهة... وتنفيذه لا يقتصر على الموطن، بل يتعدى ذلك إلى المهجر وإلى كل مكان!
لقد عرف الاغتيال السياسي على مدار التاريخ... لكنه للحق كان نادرًا، وكانت تقوم به فئات ليس لها من الحضارة والإنسانية رصيد. وفي العالم العربي اقترن الاغتيال السياسي بولادة السلطات الاستبدادية فردية كانت أم حزبية أم طائفية... وقاتل الله أمريكا التي جاءت بأول انقلاب عسكري عربي في سور يا عام 1949م.
فمنذ ذلك الحين كثرت الانقلابات العسكرية، وكانت تأتي بحكومات تدعي التقدمية والقضاء على آثار الاستعمار... رفعت القومية حينًا والاشتراكية حينًا آخر... ولكنها في كل مرة كانت استبدادية جائرة، واستخدمت أبشع أنواع الإرهاب والتعذيب ضد كل من قال لها: لا أيًّا كان مشربه، وبخاصة الحركة الإسلامية ورجالاتها المفكرين.
وإذن فليس عجيبًا أن يستهدف المسلسل الإجرامي في الوقت الحاضر رجال المعارضة السياسية وبالذات رجال الفكر والصحافة.
والاغتيال السياسي غالبًا ما تقوم به الأنظمة بعامة، وذات الصفة الحزبية بخاصة، ضد معارضيها السياسيين لإرهابهم وإجبارهم على الركوع والاستسلام. ومع أن هذه الأنظمة قد ثبت لها فشل الاغتيال كأسلوب في بلوغ هذا الهدف، فأن أكثر من نظام على الساحة العربية لا زال يمارس هذا الأسلوب العقيم!
فلماذا إذن يمارسونه؟! ولماذا إذن يتوسعون فيه إقليميًّا وعربيًّا ودوليًّا؟
أولًا: لأنه الطغيان والقهر والتجبر... والطغيان على مدار التاريخ لا يطيق أن يسمع رأيًّا مخالفًا ولا حتى تابعًا عاصيًا... هكذا فعل فرعون مصر وهكذا تصرف كل الطغاة..
ثانيًّا: إن هذه الأنظمة جاءت في معظمها عن طريق انقلابات عسكرية دموية، ولولا هذا الطريق لما توصلت إلى السلطة ولما أمسكت بزمامها مهما كانت ذكية ومحنكة.. فهي إما طائفية مبغوضة أو حزبية مرفوضة أو انتهازية مأفونة.. ولذا فالسلطة بالنسبة لها مكسب عظيم يستحق التضحية بكل القيم الإنسانية.
ثالثًا: وهم بالرغم من طول السنين التي قضوها في السلطة أو التسلط قد خيبوا آمال الشعوب فيما وعدوها فيه من أهداف وإنجازات.
سياسيًّا: لم يقوموا بتحرير الأرض العربية في فلسطين من يهود والاستعمار بل ساعدوا على تقوية الكيان الاغتصابي بمطاردة الأحرار وعشاق الجهاد.. وفوق ذلك لم يفلحوا في إنجاز الاستقلال لبلادهم.. بل ربطوها بشكل أو بآخر من أشكال التبعية والهامشية لقوى البغي العالمية شرقية كانت أم غربية...
اقتصاديًّا: فشلوا فشلًا ذريعًا في تطهير المجتمع من الجشع الطبقي كما كانوا يزعمون... وشكلوا أهم طبقة اقطاعية أو ارستقراطية استفردت بمقدرات الشعوب فنهبت خيراتها.. زاد الناس فقرًا وقلت البركة والخير.. أما الصناعة فقد ظلت متخلفة كمًا ونوعًا..
وفي الحقل الزراعي قل الإنتاج وأصبح العالم العربي بفضل الطغيان يبحث عن الأمن الغذائي!!
اجتماعيًّا: تكرست معايير الجاهلية في المفاضلة بين الناس وأصبح الانتماء للطائفة الحاكمة أو الحزب الحاكم هو الطريق للوصول ليس إلى المنصب الحساس فحسب بل للحصول على لقمة العيش التي لا تكاد تقيم الأود...
ثقافيًّا: عملت هذه الأنظمة على تغريب الأمة وطمس معالم تراثها وحضارتها الإسلامية... وأصبح العهد والفساد فنًا يلقن للأجيال..
كما أصبح الفكر الجاهلي رأسماليًّا أم اشتراكيًّا هو السائد أما الفكر الإسلامي فهو إما مطموس أو مشهر به...
رابعًا: إن هذه الأنظمة نتيجة لفشلها سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، أخذت تتعرض لنقد موضوعي مركز من قبل الشعب.. وفي جو الإرهاب والإغراء الذي مارسته هذه الأنظمة تعمقت المعارضة، ووصلت إلى مرحلة النضج السياسي، الأمر الذي أصبح يشكل خطرًا حقيقيًّا على الطغيان، فحاول أن «يتغذى بالمعارضة قبل أن تتعشى به»! ولكن هيهات فقد أصبحت الشعوب العربية كلها ضحايا للظلم والإرهاب السلطوي... وبدأت تدرك أن خلاصها بالاعتصام بحبل الله المتين وتخلصها من هذه الأنظمة البالية..
خامسًا: لا يخفى أن نظامًا عنصريًّا من بين هذه النظم بات يشعر أنه قاب قوسين أو أدنى من الموت.. فهو يتشبث بالبقاء.. ويكاد يكون هذا النظام وحده وراء مسلسل الاغتيالات الآثم الذي تدور رحاه الآن في أكثر من رجاء من أرجاء العالم العربي، وفي بعض العواصم العالمية.
وهكذا فإن مسلسل الاغتيالات الآثم الذي تتعدد أغراضه والجهات التي تقف وراءه يعتبر لطخة سوداء في تاريخ العرب الحديث، كما يعتبر مظهرًا من مظاهر تهافت الطائفيين والحزبيين من دعاة الديمقراطية والتقدم...
وعلى أية حال فإن حالات التصفية الجسدية التي نتابعها في الصحف كما كأخبار الطقس ومواعيد إقلاع ووصول الطائرات!! لا تتعدى أسبابها أحد هذه الثلاثة:
- عمق وحدة الصراع في العالم العربي سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، والمسؤول عنه أنظمة الإرهاب والتسلط والقمع..
- انفراد طائفة أو حزب أو أقلية حاكمة بالسلطة، والانحراف بالحكم لخدمة الطائفة أو الحزب أو الأقلية ومجموعة من الوسطاء والمتمسحين بأذيال الطغيان.
- عجزت هذه السلطات عن تطويع الجماهير وإقناعها. لمؤازرتها والالتفاف حولها فلجأت إلى أسلوب التصفية الجسدية في الزنازين المظلمة أو بالاغتيال في الشارع أو المكتب!
وهذه الظاهرة... ظاهرة التصفية الجسدية تكاد تكون سمة عامة لأغلب الأنظمة السياسية العربية..
وعلى الطغيان أن يدرك أن الحق لا تخرسه الرصاصة ولا يخيفه السجن، فالمعارضة خاصة الإسلامية، وعلى سبيل المثال حركة الإخوان المسلمين، بعد أن تعرض لجميع أشكال البطش والتنكيل في مصر في الخمسينات والستينات، خرجت أصلب عودًا وأشد عزيمة ومضاء.
وقد يقول قائل: إن الاغتيالات لم تقتصر على الأنظمة الحاكمة، بل إن الجماهير تمارس هذا الأسلوب ضد السلطة..
وهذا حق وقد حصل فعلًا في بعض البلدان العربية، ولكن هذه الأنظمة هي المسؤولة أولًا وأخيرًا... فهي قد استأثرت بالسلطة وأخفقت ونهبت خيرات البلاد سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وراحت تغتال الشعب بأكمله لكي يغر ويستسلم للظلم والطغيان... وهنا تحركت الجماهير المسلمة ضد الحكم الطائفي وأخذت تثار لنفسها من المجرمين...
وعلى الأنظمة التي تمارس الإرهاب والتسلط والاغتيال أيًّا كانت عليه أن يدركوا أن أسلوب الاغتيال أسلوب فاشل سياسيًّا فضلًا عن أنه سقوط بالقيم الإنسانية إلى القاع..
وحسابهم ليس على الله فحسب يوم القيامة، بل جزاؤهم عند الجماهير المسلمة الغاضبة لدينها وربها، وعندما تخبو جذوة الظلام والطغيان وترتفع راية الجهاد والحرية ﴿وسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ﴾.