العنوان حقيبة واحدة تكفي!
الكاتب د.حمزة زوبع
تاريخ النشر السبت 23-مارس-2002
مشاهدات 63
نشر في العدد 1493
نشر في الصفحة 35
السبت 23-مارس-2002
لو أن كاتبًا عربيًا، قوميًا كان أم إسلاميًا كتب يقول: «إن إزالة إسرائيل ليست عملية صعبة، بل هي أسهل مما يتصوره البعض، والأمر قد لا يحتاج تدخل الجيوش العربية التي لم تحارب منذ قرابة ثلاثين عامًا»، فهل يصدقه أحد؟ أسرد إليكم بعض ردات الفعل المتوقعة على هذا التصور:
قد يخرج مسؤول عربي أو أكثر ليقول: ما أبرعكم في الكلام... من يريد أن يزيل إسرائيل فليفعل، لكنه - أي ذاك المسؤول - لن يتخلى عن موقعه لمن يريد أن يفعل ذلك.
كما سيخرج من بين أرحام الصحافة العربية - التي تمول من أموال الشعوب الجائعة وتقتات على دماء الشهداء والجرحى في فلسطين منذ قرابة قرن من الزمان - من يقول: «كفاكم مهاترات.. وعلينا بالاعتراف بالأمر الواقع والتسليم بقوة إسرائيل وجبروتها وبقوة من يحرسها».
وستعقد ندوات ولقاءات عبر الفضائيات والإذاعات لتبشرنا بأن قائل هذه المقولة المشار إليها معتوه متخلف عن اللحاق بركب الزمن، أو متعصب لا يرى إلا بعيون متطرفة، أو متمرد لا يزال يحمل بين أحشائه جنين الثورة التي قضي عليها مع انتهاء الحرب الباردة.
ولو تجاوز صاحبنا حدوده وقال عبارة من النوع الثقيل مثل «انتفاضة الأقصى كشفت عورة الجيش الصهيوني وعورة النظام السياسي العربي وعورة النظام العالمي الجديد» فربما يقدم للمحاكمة بتهمة استخدام ألفاظ قبيحة تحض على الرذيلة وتجرح الشعو العام.
لكن ماذا لو أن القائل بسهولة القضاء على إسرائيل وإزالتها من فوق الكرة الأرضية هو الكاتب الأمريكي اليهودي توماس فریدمان الذي يتقوت على القضية الفلسطينية ويروج لنفسه على أنه داعية سلام وناصح أمين؟
إنه يحذر العرب من التطرف ويدعو أمريكا للتطرف في استخدام القوة، ويرى الانتفاضة نذير شؤم لكنه يخشى أن يبرزها كمعادلة جديدة في الصراع.
اعترف الكاتب اليهودي وأفصح عن الهاجس الذي كان يخشى أن يبوح به خوفًا من أن يعتبر ذلك نصرًا لأطفال الحجارة وشبابها ورجالها الذين أعادوا صناعة تاريخ الصراعات في العالم، فلا طائرات إف ١٦ ولا الأباتشي ولا الدبابات الحديثة التي تستخدم في فلسطين ولا قاذفات بي ٥٢ التي تستخدم في أفغانستان ولا النووي الذي تفخر إسرائيل بامتلاكه قد نالت ولو بمقدار شعرة واحدة من الشعور العام للشعب الفلسطيني الحر الذي لا يملك سوى الروح يقدمها في مواجهة هذه الآلة العسكرية الجبارة وسط صمت عربي وعالمي لا يمكن تفسيره إلا أنه الخوف من الاعتراف بانتصار الانتفاضة.
لكن توماس فريدمان فعلها وأخرج ما في جعبته من مخاوف وأطلقها صريحة قائلًا إنه يشم ريحًا قذرة.. Afoul wind هذه الريح هي ريح زوال إسرائيل التي قال إن زوالها أمر ممكن وسهل وسريع ويكفي أن يحمل مجموعة من الإرهابيين على حد قوله - ثماني شنط صغيرة تحوي عدة قنابل نووية ويلقوا بها على (إسرائيل)، وساعتها - وعلى حد قول ستيفان كوهين المعلق السياسي الأمريكي المتخصص في الشرق الأوسط - فإن مشكلة إسرائيل بأكملها ستنتهي ولن يكون للقوة الأمريكية والإسرائيلية أي معنى (لن تكون رادعة).
في الوقت الذي يسخر فيه البعض - في عالمنا العربي - من الانتفاضة ويسخر البعض الآخر من إمكانية أن تحقق أي مكسب سياسي، ويعتقد فصيل ثالث أنها تشكل الرغبة في الانتحار والتخلص من الحياة.. هكذا ببساطة!! في هذا الوقت نسمع تأوهات من تألموا واكتووا بنار الانتفاضة داخل المجتمع الصهيوني أو أصدقائهم في الخارج، تسمع تألمهم وصدى صرخاتهم في وجه من يقودون الكيان الصهيوني.
في الوقت الذي يدعو فيه البعض الفلسطينيين إلى قبول بعض المستوطنات وإلى التخلي عن عودة اللاجئين يصرخ كاتب يهودي يتبنى وجهة النظر الإسرائيلية «ستيفان كوهين» داعيًا إلى: «الالتفات بجدية إلى الانتفاضة والنظر إليها لا على أنها مجرد صراع عرقي محدود يمكن تجاهله بل اعتبار أن صداها يمتد عبر العديد من الفضائيات وعبر الملايين وعبر أسلحة خطيرة».
الأمر الذي أصبح جليًا وواضحًا، هو أن الانتفاضة على أبواب نصر حاسم، يسعى البعض إلى تأميمه واحتوائه، حتى لا تعتقد الشعوب العربية أنها قادرة على المواجهة.
هذا النصر القريب هو الذي دفع شارون إلى طلب الوساطة الأمريكية بعد أن ظل يرفضها وأقسم ألا يترك الفلسطينيين حتى يركعوا أو على حد قول أحدهم حتى يقولوا (أخ).
وهذا النصر الوشيك هو الذي حرك دوائر دعم وصنع القرار في الولايات المتحدة إلى الضغط من أجل إنقاذ شارون ودولة بني صهيون من انتفاضة تملك رصيدًا بشريًا مدعومًا بمخزون إيماني لا يمكن النيل منه ولا منعه من الوصول لأنه بالله موصول.
وهذا النصر الوشيك هو الذي دفع البعض في الغرب إلى مناشدة (المعتدلين) العرب ضرورة التحرك وبسرعة قبل أن تتحول الانتفاضة إلى صراع حضارات لن يخسر فيه الفلسطينيون كثيرًا فلديهم مخزون بشري هائل بينما يتعين على إسرائيل أن تعد ضحاياها الواحد تلوالآخر.. قبل أن يفنوا عن بكرة أبيهم.
في صراع الحضارات قد لا يستغرق زوال إسرائيل سوى بضع دقائق.. واسألوا توماس أو
كوهين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل