العنوان شيء عن كرة القدم العربية
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 05-يونيو-2010
مشاهدات 68
نشر في العدد 1905
نشر في الصفحة 66
السبت 05-يونيو-2010
عجيب أمر العرب عبر زمننا هذا في كل شيء.. بما في ذلك هوسهم الذي تجاوز كل حد بكرة القدم على المستويين الرسمي والشعبي.
أنا شخصيًا من عشاق كرة القدم ولا تكاد تفوتني لعبة «كبيرة» في أوروبا.. أتابعها بشغف، وأقضي معها أسعد الأوقات بعيدًا عن الهموم اليومية المتراكمة كالجبال.. إذ لا بد من الترويح عن النفس ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلت عميت.. والجهد الفكري -على وجه الخصوص- بأمس الحاجة إلى محطات للراحة والاسترخاء لكي يقدر على مواصلة الطريق.
والمقصود غير الحالة في حدودها المعقولة، وهو هذا الهوس المحموم الذي تهدر في سبيله أوقات وجهود وأموال لو وظف جانب منها في حاجات الأمة العمرانية والخدمية والحيوية والتنموية لفعل الأفاعيل، ولملأ فراغًا ملحًا نحن بأمس الحاجة إليه في زمن ما يسمى بالسباق الحضاري الذي يضيع فيه ويخرج من الساحة من لا يركض جيدًا، ويوظف طاقاته جميعًا للوصول إلى خط النهاية قبل الآخرين.
وكلنا رأى وسمع بأم عينيه وأذنيه ردود أفعال الدول العربية الرسمية والشعبية على النتائج التي تحققها فرقها لكرة القدم إيجابًا أو سلبًا.
عندما ينتصر الفريق تكون الفرحة الكبرى التي تتضاءل دونها فرحة الأمة بعبور القناة عام ۱۹۷۳م... وعندما يهزم يكون الحزن العميق الذي تتضاءل دونه أحزان الأمة لهزيمة ١٩٦٧م.
يبدو أن الانتصارات الكروية وفق منطوقنا المعكوس هذا تفوق الانتصارات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي أصبحنا عاجزين عن تحقيقها.. وأن الهزائم الكروية تفوق الهزائم السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تعودنا عليها.
في الحالة الأولى: تنطلق المسيرات في الشوارع، ويخصص الإعلام مساحات واسعة جدًا من معطياته للتهليل والتكبير للإنجاز الكبير.. وفي الحالة الثانية تكاد الأعلام أن تنكس حزنًا على ما جرى.
وحتى لا نقع في الخطأ يجب أن نسارع إلى القول: إن هذه الحالة بوجهيها معًا لا تقتصر على الأمة العربية، وإنما هي حالة عامة تتعاطى معها كل شعوب وحكومات العالم المتقدم والمتأخر على السواء.
لكن الفارق المحزن أنهم هناك جادون حيثما تطلب الأمر جدًا في هذا الجانب أو ذاك من شؤون الحياة الاقتصادية والتنموية والسياسية والعسكرية، وأن هذا الذي تشهده ساحات كرة القدم، والأنشطة الرياضية عمومًا هناك، لا يعدو أن يكون مساحة محدودة لا تكاد تؤثر بحال على مستوى فاعليتهم في مجالات البناء.. أما نحن فإننا بأمس الحاجة إلى المزيد من الجد والإيجابية للتعويض، أو لموازنة هذا الذي نمارسه في مجال الترفيه، وخاصة ونحن بأمس الحاجة -كذلك- إلى توظيف كل إمكاناتنا وقدراتنا للجد والبناء وتقليل الفارق بيننا وبين الغرب المتفوق بما لا يكاد يقاس.
والفارق المحزن -كذلك- أنهم حولوا أنشطتهم في كرة القدم إلى فرصة للربح، وإرفاد الدخل القومي لحكوماتهم بالمزيد من الإيرادات.. أما نحن فإن ما ينفق على أنشطتنا الكروية أصبح يمثل عبئًا كبيرًا ويستنزف من ميزانيات دولنا العربية الكثير، بما في ذلك استدعاء المدربين الأجانب، واللاعبين المحترفين بأجور أسطورية، دون أن يكون لهذا أو ذاك مردود يذكر وبخاصة عندما تلتقي الفرق العربية فرقًا أوروبية أو لاتينية حيث يبدو الفارق بين الطرفين كالفارق الحضاري بين الشرق والغرب.. هوة شاسعة عميقة يصعب عبورها، حتى لو أنفقنا ملايين الدولارات ويكاد يصبح من المستحيلات..