العنوان الأوقاف الإسلامية في القدس وأهميتها الحضارية والسياسية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-2000
مشاهدات 57
نشر في العدد 1425
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 07-نوفمبر-2000
الكيان الصهيوني سعى إلى الاستيلاء على وثائق الأوقاف وإحراقها لإخفاء جريمته والتغطية على استلابه للمقدسات الإسلامية.
على الجهات الفلسطينية والهيئات العربية والإسلامية الاهتمام بوثائق الأوقاف واستخدامها في التأكيد على حقوق المسلمين في القدس وفلسطين كلها.
لجنة التحقيق في حادث حائط البراق (1930) قررت أن للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط لكونه يؤلف جزءًا من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف الإسلامي.
تعد أوقاف القدس واحدة من أهم القضايا التي لم يتم طرحها إلى الآن على مائدة التسوية، ذلك لأن طرحها يفند المزاعم اليهودية حول الوجود اليهودي في القدس، حيث تمتلك الأوقاف الإسلامية طبقًا لأحدث التقديرات 75% من أراضي القدس القديمة، بينما لا تتعدى أملاك اليهود بها 1%، والباقي مملوك للنصارى وللأفراد.
وقد استولى الكيان الصهيوني على قسم من تلك الأوقاف بعد حرب عام 1967 م بالقوة الجبرية أو بالشراء من بعض الأفراد الذين كانوا يملكون حق الانتفاع بالأوقاف نظير أجرة يتم دفعها سنويًا أو شهريًا لإدارة الأوقاف بالمدينة، وتكتسب قضية استيلاء اليهود على أوقاف القدس بعدًا إسلاميًا عميقًا، إذ إنه لا يجوز بيعها أو التنازل عنها فضلًا عن أن يكون هذا الغير هم اليهود القتلة المجرمون.
تنقسم الأوقاف الإسلامية بالمدينة إلى منشآت خيرية وأخرى اقتصادية تدر عائدًا يتم الصرف منه على المنشآت الخيرية، ولهذه المنشآت حجج ملكية تثبت ملكيتها للمسلمين، وتوجد هذه الحجج مثبتة في سجلات المحكمة الشرعية في القدس، وكذلك في سجلات المحاكم الشرعية في القاهرة واسطنبول. وفي عام 1974 م عثرت أمل أبو الحاج - نائبة مدير المتحف الإسلامي بالقدس - على 354 وثيقة مملوكية خاصة بالقدس وحدها وهي تعد ثروة لا تقدر بثمن.
ولإدراك اليهود قيمة الوثائق في إثبات الحقوق العربية والإسلامية في المدينة المقدسة سعوا إلى سرقتها، ففي عصر يوم الإثنين الثامن عشر من نوفمبر عام 1991 م اقتحمت تجريدة من القوات الصهيونية المحكمة الشرعية بالمدينة لسرقة وإتلاف وثائق المدينة التي تثبت ملكية أراضيها وأوقافها للمسلمين، ولليهود تاريخ سيئ مع الوثائق منذ أن فشلوا في إثبات ملكية حائط البراق لهم، ففي أعقاب الثورة التي وقعت سنة 1929 م بسبب محاولة السيطرة الاستيلاء على حائط البراق، حيث استفز اليهود المسلمين بمحاولتهم وضع يدهم بصورة نهائية على منطقة الحائط التي تعد أحد حوائط الحرم القدسي، وأرسلت بريطانيا لجنة شو كلجنة خاصة للتحقيق في موضوع محدد هو حقوق العرب واليهود في حائط البراق، وتقدمت الحكومة البريطانية إلى عصبة الأمم طالبة الموافقة على تأليف لجنة دولية لهذا الغرض.
في 15\5\1930، وافق مجلس الأمن على الأشخاص الذين رشحتهم بريطانيا لعضوية اللجنة، برئاسة لوفغرن وزير الشؤون الخارجية البريطاني السابق، وعضوية بارد نائب رئيس محكمة العدل في جنيف، وكمين عضو البرلمان الهولندي، وقد أجرت اللجنة تحقيقًا كاملًا، استمعت فيه إلى حجج الطرفين «العرب واليهود» ووقفت أمام الوثائق والأدلة التي تقدم بها كل منهما لدعم وجهة نظره، وأصدرت تقريرًا شاملًا تضمن وقائع التحقيق واستنتاجات اللجنة، وقد أكد التقرير بالحرف الواحد أنه «للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي، ولهم وحدهم الحق العيني فيه لكونه يؤلف جزءًا لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف التي هي من أملاك الوقف، وللمسلمين أيضًا تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط لكونه موقوفًا حسب أحكام الشرع الإسلامي لجهات البر والخير » هكذا كانت أولى نتائج استخدام المسلمين سلاح الوثائق الوقفية ضد اليهود.
وتتوالى الأيام والسنون بعد تلك الحادثة، وفي أعقاب هزيمة عام 1967 م وضع اليهود يدهم على حائط البراق بكامله، بدعوى أنه حائط المبكي وأنه الحائط الوحيد الذي بقي من هيكل سليمان الذي أعاد بناءه هيرود الحاكم الروماني للمدينة ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل شرعوا في هدم حارة المغاربة، علمًا بأن الحارة وكل البنايات التي كانت بها هي من أوقاف المسلمين بالمدينة ويبلغ عددها 153 بناية هدمت الحارة لكي تتحول لساحة تسع مئتي ألف يهودي، وضاع الوقف الإسلامي، والمنشآت الدينية، وبخاصة زاوية أبي مدين غوث، وكانت من أبرز آثار هذه الحارة.
نماذج من أوقاف القدس
نستطيع الآن بعد سنوات من البحث والدراسة أن نتعرف أبرز المباني الموقوفة في القدس ووقفيتها ومنها:
الزاوية الفخرية: كانت هذه الزاوية تقع إلى الغرب من ساحة الحرم القدسي، وهي تعود إلى العصر المملوكي، ولها كشف بحصر أوقافها التي خصص ريعها للصرف عليها، ويعود هذا الكشف في عام 1903 م، وبيانه كالتالي:
أرض إلى جوار تربة محلة في القدس الشريف حاصل 200.
أرض تعرف بقاع الوزير تابع تقسيم قبلي القدس حاصل 250.
أرض تعرف بعمران الفخرية تابع تقسيم قبلي القدس حاصل 2000.
أرض جوار مذكورة حاصل 150.
سوق الفخرية بالقدس.
هذه بعض أوقاف الزاوية الفخرية التي فصلتها وحددتها وثيقة وقفها، فماذا فعل الصهاينة بها وهي أثر إسلامي؟
لقد قاموا بالاستيلاء عليها، ثم هدمها في عام 1961م، لكي تزال من الوجود كرمز تراثي شاهد على حقيقة هوية المدينة المقدسة.
خانات القطانين: باب وسوق القطانين من أبرز الآثار الإسلامية المملوكية في القدس، والمنطقة بالكامل من الأوقاف الإسلامية بالمدينة، وقد أنشأ الباب والسوق الأمير تنكز بغا لتكون وقفًا على مدرسة التنكزية وعلى المسجد القدسي الشريف، كان السلطان الناصر محمد بن قلاوون قد جدد القطانين سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، فدل على أنه موجود قبل هذا التاريخ، ويبلغ طول سوق القطانين مائة متر وعرضه عشرة أمتار، وعلى جانبيه حوانيت كانت معدة لبيع الأقمشة القطنية الحريرية التي كانت تحملها القوافل إلى القدس من الهند عن طريق البصرة وبغداد والموصل، ولكن أهمية هذا السوق تضاءلت بمرور الوقت، وسوق القطانين يضم عديدًا من الآثار منها خان الغادرية الذي كان موقوفًا على المدرسة الغادرية بالقدس.
وتزخر سجلات المحكمة الشرعية بالقدس بجميع التفاصيل الخاصة بكل التصرفات المتعلقة بالخان ريعه والمنصرف منه على المدرسة وترميمها.
خان تنكز: يقع هذا الخان في وسط سوق القطانين، بناه تنكز بغا الناصري ليكون وقفًا على الدرسة التنكزية في القدس، ويحمل الخان العديد من النصوص التذكارية، والمبنى حاليًا من مباني الوقف الإسلامي ثلثاه وقف لآل الخالدي، والثلث الباقي للأوقاف الإسلامية، وقد طرح مشروع لتحويل الخان إلى متحف للقدس، ولكن هذا الشروع لم ينفذ، والخان يحتاج إلى مشروع عاجل لترميمه قبل أن يتعرض للاندثار.
خان الشعارة: يقع هذا الخان في سوق الحصر، وهو يتألف من طابقين: السفلي كان فيه مرابط للدواب وحوانيت كان يتاجر فيها المقدسيون، أما الطابق العلوي فكان به دور للسكنى، وبعد احتلال 1967 م استولت السلطات الصهيونية على الخان وأخرجت سكانه العرب وأسكنت فيه عائلات يهودية، بالرغم من ملكية الأوقاف الإسلامية للخان.
الحمامات: تزخر القدس بعديد من الحمامات المملوكية والعثمانية ومن أبرزها: حمام الشفا، وحمام العين، ومستحم درج العين، وحمام باب الأسباط، وحمام السلطان، وحمام الصخرة، وحمام السيدة، والحمامات منشآت خيرية كانت تستخدم للتطهر والاستحمام وريعها يستخدم في الصرف على المنشآت الدينية والتعليمية.
الأسبلة: السبيل في اللغة هو الطريق، بمعنى مجازي أو حقيقي، والسبيل في العمارة الإسلامية هو مكان لتقديم الماء للمارة يضم صهريجًا لخزن المياه في الطابق الأرضي وحجرة لتقديم المياه في الطابق الأول، وكانت الأسبلة في القدس تشيد مستقلة أو ملحقة بالمنشآت الأخرى، ومن أشهر أسبلة القدس سبيل باب الحبس، وسبيل تنكز، وسبيل القرمي، وسبيل خان القرمي، وسبيل قايتباي، والأسبلة المتبقية في القدس في حاجة عاجلة للترميم المعماري وإلا سوف تختفي في خلال السنوات القادمة أو تنهار، وتتحول إلى أنقاض لمبانٍ أو آثار تاريخية كانت موجودة، وهذا ما تسعى إليه سلطات الكيان الصهيوني.
المساجد: كانت المساجد تنتشر في أرجاء القدس كافة، ومن أشهرها مسجد عمر بن الخطاب، الذي أقيم في الموضع الذي صلى فيه عمر -رضي الله عنه- بعد تسلمه المدينة، بعد أن رفض الصلاة في كنيسة القيامة حتى لا يقيم المسلمون مسجدًا في المكان الذي يصلي فيه خليفتهم، وذلك احترامًا منه لأماكن العبادة الخاصة بالعقائد الأخرى بالمدينة، وإقرارًا بحرية العبادة في المدينة لقد عني المسلمون بهذا الجامع منذ إنشائه فقد جددوا بناءه في سنة 589 هـ / 1193 م، في العصر الأيوبي، وأعادوا بناء مئذنته في سنة 870 هـ/ 1465 م، في العصر المملوكي، وهي مئذنة مربعة الشكل جميلة التكوين، وهذا المسجد ذو رمزية سياسية عالية إذ إنه يمثل السياسة التي اتبعها المسلمون في المدينة تجاه العقائد الأخرى، إلى جانب رمزيته كمكان صلى فيه فاتحو القدس الأوائل من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
البيمارستان الصلاحي: وقد وقفه صلاح الدين على جميع أبناء القدس ليعالجوا فيه مجانًا، ورتب فيه دروسًا لتعليم الطب، وقد تعرض البيمارستان إلى زلزال في القرن 9 هـ/ 15 م، ولم يتبق من البناء الأصلي للبيمارستان إلا جزء بسيط، وهو يستخدم حاليًا كبازار.
التكايا: أشهرها تكية خاصكي سلطان، التي شيدتها زوجة السلطان العثماني سليمان القانوني المشهورة بروكسلانا، هذه التكية كانت مجمعًا معماريًا ضخمًا به منشآت عديدة منها مدرسة وأماكن لإقامة العباد وزوار القدس، ومطبخ لإطعام نزلاء التكية، وفقراء القدس، ولهذه التكية حجة وقف باللغة التركية مترجمة إلى اللغة العربية ضمن سجلات محكمة القدس الشرعية.
ومن خلال وثائق القدس وآثارها المعمارية الإسلامية والنصرانية نستطيع رسم صورة متكاملة لها عبر العصور المختلفة، وتحديد ملكية أراضيها خاصة ما يقع في ملكية الأوقاف منها، ومما يساعد على ذلك أن الوقفيات وسجلات محكمة القدس الشرعية تحدد حدود كل منشأة وأبعادها والطرق التي تقع عليها ومكوناتها والأراضي التي وقفت عليها إن كانت منشأة دينية أو خيرية أو منشأة اقتصادية تدر ريعًا، إن هذه الخريطة الطبوغرافية التاريخية ستساعد بلا أدني شك في استرداد الأراضي التي استولت عليها سلطات الاحتلال، سواء في القدس أو في باقي أراضي فلسطين المحتلة.
إن على الجهات المعنية الاهتمام بوثائق أوقاف القدس وجمعها ودراستها واستخدامها في التأكيد على الحقوق الثابتة للمسلمين في القدس وفي أنحاء فلسطين كافة، كما يمكن أيضًا الاستفادة من الدراسات التي يجريها الباحثون الغربيون والعرب حول المدينة من خلال وثائق أوقافها، حيث لم يستفد منها العرب إلى اليوم في الصراع مع الكيان الصهيوني المغتصب، وفي مقدمة هذه الدراسات كتاب المستشرق الإسكوتلندي ما يكل بورغوين «القدس المملوكية» لقد كرس هذا العالم 18 عامًا من عمره لدراسة آثار القدس ومسحها مسحًا طبوغرافيًا ومعماريًا، فضلًا عن مجهودات عديد من المهتمين بتاريخ وتراث المدينة خاصة المرحوم جميل كامل العسلي، والدكتور يوسف النتشه -رئيس قسم الآثار في دائرة الأوقاف في القدس- الذي انتهى من أطروحة دكتوراه عن المباني العثمانية في القدس، ومسعود أبو بكر الذي درس في أطروحته للدكتوراه ملكية الأراضي في متصرفية القدس 1858 - 1918 م، ومنها أراضي الأوقاف وممتلكاتها.
خالد عزب