; لمؤتمر الأسرة العربية: لكي لا يتكرر الفشل العسكري والقيادي.. مطلوب أمهات ينجبن روادًا | مجلة المجتمع

العنوان لمؤتمر الأسرة العربية: لكي لا يتكرر الفشل العسكري والقيادي.. مطلوب أمهات ينجبن روادًا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-1972

مشاهدات 8

نشر في العدد 130

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 19-ديسمبر-1972

     ·       ليس من الصواب ولا من الممكن فصل قضية المرأة عن قضية الرجل

افتُتحت أمس - هنا في الكويت - الحلقة الدراسية الأولى عن «الأسرة العربية»، وهذا المؤتمر أو هذا التجمع النسائي يناقش موضوع «الأسرة العربية» في الوطن العربي كله..

وينبغي أن يأخذ هذا المؤتمر حقه من الاهتمام.. والرعاية والتشجيع حتى يحقق أهدافًا تدفع بالأمة خطوةً إلى الأمام..

• قضية المرأة ابتداءً تستحق الاهتمام الكامل.. فإذا كانت الأمة تريد رجالًا في الحكم أكثر إخلاصًا وكفاءة وجدية.. ورجالًا في الإدارة أوفر أمانة وعلمًا ومسؤولية.. ورجالًا في الإعلام أقوى خلقًا ورجالًا في الفن أعمق أصالة وذوقًا.. ورجالًا في الجيش أشد أقدامًا.. وأكثر تضحية.. ورجالًا في التربية ماهرين في صناعة الشباب.. وحسن توجيههم.. فإن كل ذلك لا يتحقق إلا بوضع المرأة في مكانها الصحيح.. المحترم.. والمقدر..

لقد وقعت هذه الأمة برمتها في هوة التخلف ولبثت قرونًا تحاول نزع القيود.. وتحطيم الأغلال.. لكي تحيا.

جناحا الأمة - الرجل والمرأة - كانا مكسورين! وبغير سبب منطقي.. وبغير مبرر عملي نهض الرجل بينما تركت المرأة تواجه لفترة أطول في حبس قرون التخلف.

ولا نعفي الرجل من هذه التبعة أبدًا.

كان عليه أن يوقظ أخته.. أو زوجته.. أو بنته معه حين رفع أذان فجر العلم والمعرفة..

ومن العدل أن نقول: إن هذا الموقف لم يكن بسبب عدائي مسبب منطقيًا.. وإنما كان بسبب «الجهل» وبسبب ميراث التخلف.

ومن العدل أن نقول: إن الرجل سُلبت حقوقه في العالم العربي كما سُلبت حقوق المرأة تمامًا..

وهذا يعني أن «ظروف» التخلف قد شهدت بالطرفين أو بالنفس الواحدة التي شقها امرأة.. وشقها رجل.

وهي ظروف لا تزال قائمة.. وتداركًا لأخطاء الماضي.. ودفعًا لحركة التقدم خطوات كبيرة إلى الأمام ينبغي أن يكون الكفاح مشتركًا لمواجهة هذه الظروف.

والكفاح المشترك هذا ضروري لعدة أسباب:

• أن مواجهة الظروف الخارجية تقوم بعملية تحويل لمجرى الكفاح.. فبدلًا من أن نسمع صيحات نسائية تهاجم الرجال.. وصيحات رجالية تهاجم النساء.. يتجه الجهد المشترك لتوحيد الصيحة ضد عوامل التخلف النفسية والفكرية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية.

وهنا تتم عملية «الإبدال» النفسية.. ومن ثم تختفي المشاعر السلبية.

أما في حالة الفراغ والعجز عن مواجهة ظروف التخلف فإن الحروب الأهلية بين الرجل والمرأة هي البديل.

ومطالب المرأة في الكفاح المشترك تسير في طريق آخر ميممة وجهها شطر أهداف أخرى أكثر نبلًا.. ونفعًا.. وجمالًا..

مطلب الحرية مثلًا ينبغي أن ترافقه المرأة في إطاره العام.. وفي مداه الواسع.

إن قضية الحرية لا تتجزأ.. هذه حقيقة.. وإذا كان الظلم الذي ينزل بإنسان في أمريكا اللاتينية ينزل في نفس الوقت - دون نقص من الكم.. ودون إبطاء في الزمن - بالرجل العربي.

ولا نحسب أن المرأة تعي أنها هي والرجل من نفس واحدة.. وبالتسليم بهذه الحقيقة يتعين القيام بتبعاتها العملية، تبعاتها العملية المتمثلة في الإحساس الحقيقي بالمظالم التي يعانيها الرجل.. المتمثلة في المواقف الجادة ضد الظلم الذي ينزل بالرجل.

وحين تقوم المرأة بذلك إنما تخدم قضيتها الخاصة.. هذا إذا صح أن لها قضية منفصلة.

في العالم العربي حُرِم الرجل من الحريات العامة.. وأُهينت كرامته وإنسانيته.. وأُذل كبرياؤه بالاحتلال والاستعباد.

فكيف تتصور المرأة أنها ستحقق لنفسها حرية حقيقة في هذه الظروف العصيبة!

• وقضية المرأة تستحق الاهتمام الكامل.. لأنه من المستحيل (التعبير مقصود ومنتقى) أن تتقدم أمة بالرجال وحدهم.

وحين أُهملت المرأة ماذا حدث؟

ظهر إلى الحياة رجال فاشلون في السياسة والحكم.. والاقتصاد والعلم والجيش والتربية والإعلام...إلخ.

الأمة ضحية لهؤلاء.. وهؤلاء ضحايا لأمهات لم يبذلن الجهد الكافي والمحاولات التربوية الذكية لإنضاجهم.. والأمهات بدورهن ضحايا لميراث التخلف أو لقشور حضارية أعطت لهن غشًّا وخداعًا.. كبديل للتقدم الحقيقي.. ومفهوم الحضارة الأصيل.

إن القرآن الكريم حين سجل دور أم موسى.. ودور مريم.. ودور بنات شعيب.. ودور التي سمع الله حوارها مع زوجها كان من ضمن أهدافه إبراز هذه الحقيقة.

حقيقة إن المجتمع الإنساني أو مسيرة التاريخ البشري لن يكون الدور فيها للرجال وحدهم.. وإنما للنساء أيضًا، وهذا شرف للمرأة.. نعم، وهو كذلك.. واجب جد عظيم.

واجب يقتضي إحسان استعمال الحرية.. وإحسان التربية وإحسان التوفيق بين واجبات البيت.. والأهداف العامة.

والاهتمام بقضية المرأة يستحق الاهتمام الكامل لأن الأسرة العربية تتعرض لحنق شديد القسوة.

إن كفاح النساء مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى، لقد بدّل الذين آثروا إيذاءنا خطتهم وأسلوب تعاملهم معنا بما يتناسب مع حركة التطور.

قديمًا احتلوا بلادنا عسكريًا، واحتلوها إداريًا، واحتلوها سياسيًا..

وبما أن هذه الأشكال الاحتلالية قد أوغلت في القدم فقد أخذ الاحتلال اتجاهًا جديدًا.. هو الاحتلال الاجتماعي في الخلق والتركيب الاجتماعي.. والذوق العام والأعراف والعادات.

وتركز الاحتلال- بطبيعة الحال- على الأسرة العربية.

ولسنا من الذين يدعون أن مدخل المحتلين إلى الأسرة العربية كان المرأة.. لا الرجل.. فهذه قضية لا نملك أدلتها.. وتحميل المرأة تبعة هذا الموقف فيه جور واضح.. فمن الرجال من استسلم لهذا الاحتلال.. ودافع عنه بحرارة.

وليس مهمًا الآن الفصل في هذه القضية.. المهم أن تدخل الأسرة العربية في كفاح جاد لمقاومة هذا الاحتلال.

أولًا: لأن النضال من أجل التحرير السياسي والعسكري والإداري والاقتصادي.. كان في سبيل الإبقاء على الخصائص الاجتماعية والحضارية الخاصة.. ولا يعقل أن تكون نتيجة النضال خضوعًا طوعيًا للاحتلال؟

ثانيًا: ليس من الإنسانية أن تخضع الأسرة العربية لموجات الاحتلال المتدفقة.. فقد بكى الناس بحرقة في أوروبا وأمريكا من فشل حياتهم الاجتماعية والأسرية.

ومشاركتهم في محنتهم لا يعني إلا زيادة أعداد الباكين، هم في حاجة إلى من يقدم لهم بديلًا يدخل السعادة إلى نفوسهم وبيوتهم.. والأسرة العربية إذا صدقت مع نفسها وأصالتها ورسالتها تملك هذا البديل المطلوب بإلحاح في أوروبا وأمريكا.. فإذا استسلمت الأسرة العربية للاحتلال لا تكون قد أذلت نفسها فحسب.. وإنما حرمت الآخرين من سعادة هم في أمس الحاجة إليها.. والحرمان من السعادة عمل غير إنساني.

ثالثًا: لأن التماسك الأسري هو المقوم الرئيسي في تماسك المجتمع الكبير والأمة الشاملة. من الأسرة يبدأ عمران المجتمع وازدهاره.. ومن الأسرة يبدأ خراب المجتمع وذهاب نضرته. ونجاح المرأة الحقيقي يكمن هنا.. في قدرتها على تكوين أسرة متماسكة.. مزدهرة.. ناهضة.

ونتمنى أن يتجه مؤتمر الأسرة العربية اتجاهًا إيجابيًا يتجاوز فيه البحوث التقليدية.. والقضايا الروتينية إلى شيء أكثر جدية وأكثر إلحاحًا، من قضايا تعدد الزوجات.. والطلاق.. وبيت الطاعة.. وحقوق المرأة السياسية.. و.. و.. و.. هذه كلها قضايا ثانوية!

أما القضية الأم.. القضية المركزية فهي: كيف تنشئ الأسرة العربية جيلًا قويًا في علمه.. قويًا في خلقه؟!

سيقال: إن للمسائل الآنفة أثرًا في التربية.. وهذا حق.. لكن ليبقى هذا «الأثر» في حدوده المعقولة لا يسقط من الحساب.. ولا يهول.

الشيء الجوهري الإيجابي هو «البناء».. لا نختلف على ذلك.. وتتفق الجهود إذن في هذه الدائرة.. أما الخلافات الأسرية العارضة- بأشكالها القانونية- فليس من الصواب أن تشغل المؤتمر عن التفكير في بناء الأسرة العربية.

أنا ثائرة.. ولكن في اتزان!

تعليقًا على افتتاحية العدد 127 «يا نساء العالم اتحدن» كتبت إلينا فتاة فضلى تقول:

قرأت ما كتبتموه عن ضرورة «الثورة النسائية ضد استغلال المرأة» في العدد 127، فأعجبت بنقاشكم الهادف لهذا الموضوع.. وبموقفكم الرحيم من قضايا المرأة.

لقد قرأت عن ثورة النساء في أوروبا وكنت أندهش من مغالاتهن هناك.. فهن يطالبن بأن تعادي المرأة الرجل، ربما لهن بعض العذر نظرًا للاستغلال الذي تواجهه المرأة هناك، ولكن هل تستطيع المرأة أن تعادي الرجل.. أو أن يعادي الرجل المرأة؟

أنا لا أتصور ذلك.. ومهما تكن الأسباب فإن المغالاة تفسد كل شيء.

وطريقتكم في علاج الموضوع هي المطلوبة الآن..

أكرر شكري وتقديري.

ثائرة ضد استغلال المرأة

الرابط المختصر :