; أربكان إلى السجن! | مجلة المجتمع

العنوان أربكان إلى السجن!

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 23-مارس-2002

مشاهدات 63

نشر في العدد 1493

نشر في الصفحة 17

السبت 23-مارس-2002

أحداث مهمة لا تأخذ حظها من الاهتمام وسط دخان الأحداث الملتهبة والدامية.. ومن هذا النوع حدث الحكم على الزعيم التركي الكبير نجم الدين أربكان بالسجن ۲۸ شهرًا، (7/3 الجاري) واحتجاز رئيس البرلمان الإندونيسي. 

القاسم المشترك بين الحدثين هو «الاتهام بالفساد»، لكن شتان بين الحالين، ففي زمن التضليل وقلب الحقائق - حتى يظن الناس أن الشريف لص والمعروف منكر - أصبحت المسائل في حاجة إلى تحرير وكشف للزيف، وذلك واضح في حالة أربكان. 

فقد جاء الحكم بسجنه ۲۸ شهرًا - قابل للاستئناف - بتهمة سوء استخدام أموال الدولة المقدمة إلى حزب الرفاه الذي كان يرأسه وتم حله عام ۱۹۹۸م... وعلى افتراض تصديق ما ذهبت إليه المحكمة فإن مسؤولية أربكان في هذه القضية مسؤولية سياسية كرئيس للحزب، لكن المؤسسة العسكرية الحاكمة في تركيا وآلتها الإعلامية تحاولان إيهام الرأي العام بأن القضية قضية «فساد» للنيل من سمعة الرجل وسجله الناصع والحافل بالإنجازات الوطنية، ولو أن مؤسسة الحكم التركي تتجه بالفعل لمحاصرة الفساد الغارقة فيه لما اعترض أحد، لكننا لا نملك غير العجب والاندهاش لأنها تغض الطرف تمامًا عن مافيا الفساد الحقيقي، وتتوجه بأصبع الاتهام لواحد من قمم النزاهة لمحاولة تشويهه.

لا نطلق هذا الكلام من قبيل التأييد العاطفي للرجل، ولكن سجله في الحكم وخارجه هو شاهد الإثبات الأول على ما نقول:

تولى أربكان رئاسة الحكومة التركية لمدة ستة عشر شهرًا (يناير ١٩٩٦ - مايو ۱۹۹۷م) وكانت هذه الفترة من أزهى عصور الحكم في تركيا، فقد تسلم الحكم والبلاد مدينة بـ ٤٨ مليار دولار، وخلال ستة أشهر فقط سدد ۱۰ مليارات من الدين الداخلي، وأنشأ أربع محافظ استثمارية قيمتها ٤٠ مليون دولار تم توفيرها بعد أن سد منافذ السرقات والسفه والهدر في المال العام، وقدم لأول مرة ميزانية لا أثر للديون أو الضرائب فيها .. وبدأ يضع تركيا على اعتاب انطلاقة واعدة، بعيدًا عن قيد القوى الكبرى المهيمنة، وقوى الداخل المتسلطة، لكن قوى الفساد والمؤسسة العسكرية الحاكمة لم تمهله، إذ واصلت ضغوطها حتى ترك الحكومة طواعية، ثم قاموا بحل حزبه الرفاه، وعزله سياسيًا عام ١٩٩٨م لمدة خمس سنوات بتهمة بث الكراهية، أي التلميح في حديثه للإسلام، وما هي إلا أشهر قلائل إلا ويعود الرجل إلى الساحة السياسية فكان لابد من قطع الطريق عليه بهذا الحكم الجائر حتى يظل حبيس العزل ويحال بينه وبين الشعب التركي الذي لن يتوانى في التصويت له... وجريمة نجم الدين أربكان لدى المؤسسة العسكرية العلمانية المتطرفة أنه يتخذ من الإسلام مرجعية أساسية في برامجه، فكان لابد من إعدامه سياسيًا .. في الوقت الذي ما زالت تتواصل فيه الحملة لضرب الإسلام سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، فكل شيء عن الإسلام صار مجرمًا بدءًا من الكلمة حتى حجاب المرأة... وهكذا يومًا بعد يوم تتقهقر الدولة التركية وتهتز ثوابتها وأركانها.

على الجانب الآخر نشهد صورة مشرقة في إندونيسيا لمقاومة الفساد باحتجاز رئيس البرلمان أكبر تانونج بتهمة اختلاس 4 ملايين دولار وهو زعيم حزب جولكار، حزب الرئيس سوهارتو، وسجن الرجل جاء بعد إجراءات قانونية سليمة أشبه بالإجراءات التي اتخذت لعزل الرئيس عبد الرحمن وحيد... وهو ما يؤشر على انطلاق إندونيسيا في الاتجاه الصحيح نحو إرساء قواعد العدل وتنقية المؤسسات من الفساد الذي ظل ينخر في عظامها ٣٤ عامًا.

البون شاسع بين محاكمة الرجلين، وهو ما يرمز إلى اتساع الهوة بين دولتين: دولة تكرس الظلم بفجاجة مندفعة في نفق مظلم، ودولة تواصل اقتلاع جذور الفساد.. منطلقة نحو مستقبل مشرق.. ومن ينظر إلى الصورتين يمكنه أن يتعظ.

الرابط المختصر :