العنوان حول مفهومي «الانحطاط» و «القابلية للاستعمار»
الكاتب محمد بغدادباي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1998
مشاهدات 59
نشر في العدد 1299
نشر في الصفحة 56
الثلاثاء 12-مايو-1998
■ أراد مالك بن نبي بصياغته لمصطلح «القابلية للاستعمار» أن يهز ضمير الإنسان المسلم فيستجيب ويباشر في تغيير نفسه.
تناولنا في العدد الماضي جانبًا من مفهوم القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي، ونواصل اليوم ما تتناوله كتاباته حول هذا المفهوم وغيره من المفاهيم المماثلة.
إن كتابات مالك بن نبي تتمحور كلها حول فكرة «التغير»، تغيير وضع المجتمع الإسلامي المنحط الذي فتر نشاط حركته وأُقصي من حلبة التاريخ، فبقي المسلم فيه في وضع المستسلم المتفرج، الذي يتلقى القرار ولا يقوم هو بصنعه، يتحكم في مصيره الآخرون، بعدما كان يلعب دورًا رياديًا في التاريخ، ويفرض احترام كلمته وإرادته على الغير.
هذا الانتقال الغريب، وهذا الموقع الحضاري المتقهقر الذي ألنا إليه، والذي هو ليس وليد اليوم ولا هو وليد «عصر النهضة» -والذي لا نُحسد عليه- شغلا اهتمام مالك بن نبي طوال حياته، ودفعاه إلى تقصي أسبابهما العميقة، والبحث عن كيفية عملية «للإقلاع الحضاري» (1).
وقد قادت تأملات مالك بن نبي ومشاهداته لواقع المسلمين في الجزائر وخارجها إلى إحصاء عاملين كانا يكبلان إرادة الإنسان المسلم، ويعوقان سير حركة مجتمعه التصاعدية وانطلاقه في التاريخ: خارجي موضوعي وداخلي ذاتي وكان العامل الخارجي يمثل عنده «المعامل الاستعماري»، بينما كان يمثل الداخل معامل «القابلية للاستعمار» أو معامل (۲) «التقليل الذاتي Auto - réducteur
حول هذين العاملين، أورد المؤلف فصلين كاملين في كتابه «شروط النهضة»، وخص كلًا منهما بشرح وتحليل عامل واحد، الذي جعله عنوانًا للفصل، كما أن فصل «المعامل الاستعماري» أتى قبل فصل «معامل القابلية للاستعمار» في الترتيب.
فمن هذه الملاحظة يدرك القارئ المسلم «غير المحترس» (۳) بأن تساؤل السيد غازي التوبة، حين يكتب قائلًا: «لكن مالك بن نبي لم يسأل نفسه: ما دور الاستعمار الفرنسي في وجود هذه الظواهر التي رصدها» (4) هو تساؤل يبعث على الاستغراب.
السيد غازي التوبة يحمّل المستعمر كل أسباب تعاستنا، مما يؤدي بنا إلى استخلاص نتيجة مؤداها لولا وجود الاستعمار لكنا أمة مرموقة قوية، تهابها الأمم الأخرى، وتحسب لها ألف حساب، فالاستعمار إذن هو سبب كسلنا وتهاوننا، ولولاه لكنا نشيطين، ولقمنا بأداء واجبنا ورسالتنا المنوطة بنا نحن المسلمين، وهكذا، فحتى الكسل والتهاون يوجد ما يبررهما: إنه الاستعمار.
ماذا كان يمكن أن ننتظر من الاستعمار أن يقدم لنا؟ هل كان يمكن أن ننتظر منه أن يبني لنا المدارس والجامعات والمعاهد، والمستشفيات، وأن يؤمّن لنا المساكن وشروط الراحة والعيش الرغيد، وأن يضمن لنا العمل، وحرية الرأي وممارسة شعائرنا الدينية؟ كلا، فطبيعة الاستعمار معروفة، ودوره معلوم، ولا أظن أن أحدًا يجهلهما.
وباختصار لماذا استعمرنا (5) أصلًا، وقد كنا أمة ذات مسجد عريق؟، إن الجواب بسيط بساطة السؤال: استعمرنا لأن الاستعمار قد لمس فينا الضعف والهوان والتقاعس، وتبيّن فينا الجهل والسذاجة والشعوذة، ورأى فينا التعارض والتشتت، إنه قد تحسس فينا كل ما يدل على انحطاطنا، وعلى عدم قدرتنا على صده أو إيقافه خارج حدودنا؛ لأننا لم نعد هؤلاء الذين يخيفونه، وبكل بساطة إن الاستعمار قد شم فينا «الغلبة» التي عبر عنها مالك بن نبي بـ «القابلية للاستعمار».
هكذا تمكّن الأجنبي من تسليط يده علينا واستعمارنا، وباستعماره لنا راح يعمق من جهلنا وتعارضنا وتقاعسنا، وانطلاقًا من هنا، راح يزرع بداخلنا الخوف والذل، فنما زرعه وأينع، فازداد إحساسنا بعدم قدرتنا، وازداد معه استعظامنا له: فبدا المستعمر كبيرًا في أعيننا فهبناه، وبدينا صغارًا في أعين ذواتنا فتذلّلنا.
فكانت القاعدة: إنه كلما طال المستعمر بديارنا (٦) دل ذلك على استسلامنا، وتمكنه منا، وكلما تمكن المستعمر منا كان ذلك ينم عن عمق تشتتنا وجهلنا، وسذاجتنا، وعلى خمودنا وسباتنا، كل هذه الأمور لم تغب عن المستعمر الذي عرف كيف يقيّمها ويحسن استغلالها.
إذن، ففي ظل تراجعنا الحضاري، وتخلينا عن دورنا الذي عرفنا به في صناعة التاريخ، وتراخينا ثم تقوقعنا على ذاتنا، وتعارضنا، فقدنا «حصانتنا الحضارية»، وبفقدنا لهذه الحصانة تسببنا في فسح المجال واسعًا لغيرنا من الأمم التي كانت تستعد لاستلام مقاليد الأمور، فالتاريخ لا يحتمل الفراغ: غيابنا انسحاب، وهو يعني ضرورة حضور غيرنا الأكثر «فعالية» منا، خلافة لنا وليس نيابة عنا؛ لأن المكان لم يعد مكاننا، ولم نعد أهلًا له؛ لأننا لم نعرف كيف نحافظ عليه وندافع عنه، فالحضور «إرادة» وثبوت، وهو يضع القانون ثابتًا، قوامه الصراع الدائم المستمر لاحتلال كل فراغ تاريخي وعلى ضوء هذه الاعتبارات فقط يصبح الاستعمار «ضرورة تاريخية»، بمعنى أن استعمار بلادنا العربية الإسلامية هو نتيجة طبيعية لازمة لمقدماتها؛ لأنه لا يمكن تصور استعمار بلد قوي لبلد قوي آخر يضاهيه في القوة والفعالية وسلطان العلم، فاستعمارنا لم يكن مفاجأة لأحد، لا بالنسبة لنا، ولا بالنسبة للمستعمر الذي أصبح يعرف وضعنا وطبيعتنا وقدرتنا، كذلك الطالب مثلًا الذي تهاون في أداء واجباته طوال العام الدراسي، فداهمه موعد الامتحان، فأقبل عليه، فسقوطه المتوقع هذا لا يفاجئ أحدًا ولا حتى الطالب نفسه، وإن كان يتأسف على تضييع الوقت في اللهو والعبث، في عصر الإمبريالية، استعمارنا كان منتظرًا، ليس فقط لأننا نملك موقعًا إستراتيجيًا ممتازًا، وخيرات طبيعية هائلة أنعم الله بها علينا، ولكن أيضًا لأن العالم كله كان يعرف دورنا التاريخي ومكانتنا الحضارية، وكان يرغب في الحلول مكاننا، وتحقيق هذه الرغبة طبعًا لا يتم إلا بخلع من كان جالسًا على العرش، وإبعاده عن المكانة التي كان يحتلها، هكذا كان يجب أن يقرأ مالك بن نبي ويفهم، لأنه لا يمكن أن يُفهم بحال خارج هذه الحدود.
وبالمنطق نفسه كان يجب أن يقرأ ويفهم مصطلح «القابلية للاستعمار»، الذي لم يكن مقتصرًا على الجزائر وحدها، بل شاملًا لكل البلاد العربية والإسلامية، هذا المفهوم الذي استوحي بن نبي محتواه من الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد: 11)، فكانت هذه الآية القرآنية هي ركيزته الأساسية في كل ما أنتج من فكر تغييري، وفي كل ما قام به من عمل ميداني.
زاوية نفسية تربوية:
إن المتأني حقًا في فكر مالك بن نبي، يتبين بأن هذا الأخير كان ينظر إلى العديد من الموضوعات التي عالجها من الزاوية النفسية التربوية؛ لأنه كان يؤمن بأن التغيير الفعلي لا يتم من الخارج، بل من الداخل، فما الخارج إلا انعكاس للداخل في الإيجاب والسلب عندما تتغير النفس، تتغير معها -بها حتمًا- النظرة إلى الأمور التي تؤدي إلى تغيير الأوضاع التي تحيط بها «بالنفس» والتي لم تعد لتقبل بها، لهذا كان مالك بن نبي يفضل تقديم الواجبات على الحديث عن المطالبة بالحقوق، وفي ذلك حكمة وبُعد نظر، فأنت عندما تؤدي واجباتك تكون إنسانًا مستقلًا ومسؤولًا، كما أن أداء الواجبات يتضمن في حد ذاته الحصول على الحقوق، لكنك عندما تدخل في منطق المطالبة بالحقوق المهضومة، فإنك ستكون تابعًا، وستدخل دائرة سوق المساومة من موقع الضعيف، وبهذا ستكون حقوقك المتحصل عليها -إن أنت تحصلت عليها- ناقصة لأنها مشروطة وليست خالصة.
ويهم جدًا أن ننبه هنا إلى أن مالك بن نبي لم يعتبر، أبدًا «القابلية للاستعمار» سببًا للاستعمار، بل عاملًا مساعدًا، سهل من مهمة الاستعمار، كما لم يكن يقصد بهذا المصطلح صفة أبدية ملازمة لوجودنا، لا تنفك عنه، وإلا لما كلم أصلًا عن إمكانية التغيير وشروطه والأصح هو أن مالك بن نبي كان يدلل فقط بهذا المفهوم على مرض أصابنا عندما انحطت أمتنا، هذا المرض تسبب -مع عوامل أخرى- في إضعاف قدرتنا على النهوض، وفي إبطاء تجديد الإرادة لدينا والاستعداد للدخول في دورة حضارية ثابتة.
والمرض هذا يمكن أن يعالج، يمكن أن يصير ذكرى نتحصن بها، شرط أن نعيه جيدًا أولًا، ثم أن نعمل جاهدين على إذهابه والتخلص منه، وعلى تحقيق كل العوامل القريبة والبعيدة للوقاية منه ثانيًا.
ولكن أمر العلاج والوقاية هذا لا يتم إلا في إطار برنامج تربوي مصمم، ووفقًا لأساليب تربوية مدروسة، وكان مالك بن نبي بصياغته لمصطلح «القابلية للاستعمار» أراد أن يهز ضمير الإنسان المسلم، ليستجيب هذا الأخير -بعد تأمل في محتوى المصطلح- عمليًا لا كلاميًا «الفعالية»، فيباشر في تغيير نفسه ليبين بأنه معفي من هذا المرض، فيبدأ بالتخلص من «الأفكار الميتة»، ومن «الأفكار المميتة» على حد سواء، ليتعامل بدلًا عنها مع «الأفكار الصالحة»، وبالتخلي عن «تكديس الأشياء» المستوردة التي كان يظن بأنها ترفع من قيمته ومن مكانته الاجتماعية، ليهتم بـ «البناء» الذي ينبع من أصالته وعبقريته، إيمانًا منه بأن «الحضارة هي التي تلد منتجاتها، وليس العكس»، وبالقيام بتنظيم «عالم الأشياء» التي تحيط به، ومعالم الأفكار التي ينتجها هو في علاقة منسجمة مع عالمه «عالم الأشخاص»، في إطار جو من الثقافة «الإيجابية» التي تستند إلى «منطق عملي»، وتراعي في تشكيلها البُعدين «الأخلاقي» و «الجمالي»، كل هذا تحضير لإيجاد المجتمع الإسلامي الحقيقي، وتهيؤ للقيام برحلة حضارية جديدة يسترجع فيها المسلم مكانته الحقيقية التي تعبر عن صدق وصفاء عقيدته وشموخها، وتزيل عنها كل زيف حاول الأعداء -مستشرقين ومستغربين- إلباسه إياها بغية التضليل وهكذا، في ظل هذا المجتمع المنشود لا ولن يتمكن «المستغربون» أو غيرهم من إسقاط «التقسيمات» التي تخدم أغراضهم على تاريخ أمتنا.
وخلاصة نقول: إن تزايد الاهتمام بفكر بن نبي اليوم في العالمين العربي والإسلامي -وحتى في الغرب- ليدل دلالة واضحة على أهمية وفعالية وصلاحية أفكاره، وإن ما يحدث في نهاية هذا القرن في العالم: ما يحدث في إندونيسيا، والصين، واليابان، وغيرها من دول العالم، ليعبر عن صدق مقالاته العديدة، ومن جانب آخر، إذا كنا قد تمكنا حقًا من إخراج المستعمر من ديارنا جسديًا، فإن المستعمر ما لبث أن عاد إلينا مقنعًا في شكل استعمار ثقافي واقتصادي وتكنولوجي، وهكذا تحولت «القابلية للاستعمار» إلى «القابلية للتبعية» (Ladépendabilité) فقد تغير الاسم فقط، لكن الآليات التي كانت تركّب بالأمس «القابلية للاستعمار» بقيت هي هي اليوم.
وباختصار فإن أمرنا لن يستقيم إلا بمجاهدة ما نسميه نحن بـ«المغلوبية» واستئصالها من أنفسنا، وبالتخلص من «عقدة الإخلاص» الناشئة عن آلية دفاع نفسية عن الإسلام، ومن التقوقع داخل الأُطر الفكرية الضيقة، ولن يتأتى لنا ذلك إلا إذا وعينا حالنا، فاعترفنا بنقائصنا، وقدّرنا سلبياتنا الداخلية، ثم شرعنا بالفعل في إصلاح حالتنا وأوضاعنا عن دراية وتخطيط، مصداقًا لقولة -تعالي-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد: 11).
الهوامش:
1- إن الانطلاقة التاريخية أو «الإقلاع الحضاري» -حسب بن نبي- ممكن جدًا؛ لأن كل عناصره وشروطه الأساسية متوافرة في المجتمع المسلم: الإنسان، والتراب، والوقت، إلى جانب العقيدة الدينية، فمتى تمكنت هذه العقيدة من نفس الإنسان المسلم -الذي هو رأس المال الحضارة- حركت إرادته، وجعلته يتفاعل مع العنصرين المتبقيين «التراب والزمن» ويركبهما، ليبني حضارته المتميزة تميز عقيدته التي توجه جهده في التاريخ.
2- يستعمل مالك بن نبي كلمة «معامل» -الذي هو أقوى من كلمة «عامل»- ليبين قوة تأثيره؛ ذلك لأن المعامل يقوم بدور المضاعفة من النتيجة، وليس الإضافة، وهو يستعمله بالنسبة للعاملين الخارجي «الاستعمار»، والداخلي «القابلية للاستعمار».
3- نقصد بالقارئ «غير المحترس» non - aver - ti، ذلك القارئ الذي لم يطلع بعد على كتابات مالك بن نبي، وهذا القارئ يهمنا هنا عن القارئ «المحترس» الذي سبق أن تعرف على فكر مالك بن نبي التغييري؛ وذلك من أجل مدّه ببعض المفاتيح التوجيهية التي تساعده على فِهم فكر مالك بن نبي التغييري وحقيقته.
4- الظواهر التي رصدها مالك بن نبي تتمثل في جملة من الأمراض الاجتماعية كالبطالة، والوسخ، والجهل.
5- إذا كان استعمار الجزائر «نتيجة ظرف سياسي خاص يتعلق بالخلافة العثمانية من جهة، وبجغرافية الجزائر التي جعلتها على الحد الجنوبي لفرنسا من جهة ثانية» كما يقول السيد غازي، وليس إطلاقًا «نتيجة خلل عطّل كيان الفرد والمجتمع والأمة» (و) عطّل عناصر الحياة فيها «فيما ذهب إليه بن نبي، فكيف يا ترى يمكن أن يفسر استعمار كل من تونس، والمغرب، وليبيا، ومصر، وسورية، وسائر البلاد العربية والإسلامية؟
وكيف يمكن أن يفسر ذلك التطابق في تشابه الوضع الحضاري المشؤوم لكل هذه الأقطار اليوم؟
6- إن تلك المقاومات الشعبية وتلك الجهود التاريخية المباركة التي كانت تحدث في كل البلاد العربية والإسلامية تقريبًا، كمقاومة الأمير عبد القادر في الجزائر، وعبد الكريم الخطابي في الريف المغربي، وأحمد عرابي في مصر، وعمر المختار في ليبيا، إلخ، وكجهود جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وغيرهم، كل ذلك لم يكن ليؤتي أكله في حينه: رد الاستعمار، واسترجاع السيادة، والمكانة التاريخية التي عرفنا بها، والسبب في ذلك هو عمق سُباتنا: فكان يلزمنا وقت طويل ومنبهات خارجية قوية حتى نستفيق جميعًا، وبعد الاستفاقة يلزمنا كذلك وقت حتى نعي حالنا، وبعد ذلك نتدبر أمرنا.