; برفقنا وحناننا.. نربي أولادنا | مجلة المجتمع

العنوان برفقنا وحناننا.. نربي أولادنا

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 29-يناير-2011

مشاهدات 61

نشر في العدد 1937

نشر في الصفحة 44

السبت 29-يناير-2011

 أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد.

يُروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على قوم قد أصابوا ظبية فشدوها على عمود فسطاط، فقالت: يا رسول الله إني وضعت ولي خشفان، فاستأذن لي أن أرضعهما حتى أعود فقال رسول الله خلوا عنها حتى تأتي خشفيها فترضعهما وتأتي إليكم قالوا: ومن لنا بذلك يا رسول الله؟ أي من يضمن لنا أن تعود؟ قال: «أنا، فأطلقوها، فذهبت فأرضعت ثم رجعت إليهم فأوثقوها قال: «تبيعونها؟ قالوا: يا رسول الله هي لك، فخلوا عنها، فأطلقوها، فذهبت. (الخصائص الكبرى للسيوطي).

هذه القصة - وإن كان بعض العلماء ضعف الحديث - لها أصل وللحديث طرق كثيرة.

في هذا الموقف تتجلى رحمات واسعات، رحمة رسولنا الكريم بهذه الغزالة، وبرضيعيها، ورحمة هذه الغزالة بولديها، ورحمة أصحاب الغزالة بها وبولديها، بالإضافة إلى دروس عظيمة تستهلم من هذا الموقف، ربما يصح تحليلها والوقوف عندها في مواضيع وسياقات أخرى.

إذا كان ذلك هو سلوك الغزالة مع ولديها.. فماذا صنع الإنسان؟ 

هذا ابن يُسأل: ماذا تتمنى؟

فيجيب: أتمنى أن يخرج أبي فلا يرجع.

فقيل: لماذا يا بني تتمنى لأبيك ذلك؟!

قال: لأنه حين يدخل علينا يحول صفونا إلى كدر، وسرورنا إلى حزن وبهجتنا وانشراح صدورنا إلى غم وكأبة!!

وفي موقف آخر تضرب الأم طفلها الصغير، ثم تقسو عليه فتطرده فيخرج يهيم في الشوارع ليلا ونهارا، فيجده أهل الخير، ويسلمونه إلى واحد من مذيعي الفضائيات، وتستدعى أمه ليحاورها المذيع، فكانت المفاجأة!! لقد نفر الابن من أمه منذ أن رآها لأول وهلة، فلما سئلت عن سبب ذلك، قالت: أنا الذي طردته بعد أن طلقت بأيام، وأظلمت الدنيا في وجهي، فطردته وأغلقت الباب في وجهه، وطرق الباب فلم أفتح له فنام على الباب ووجدته نائما فلم أرق له ولما استيقظ مشى يهيم على وجهه في الشوارع!!

فقال الابن: لقد كانت أمي قاسية علي، ولم تدخلني البيت وأصرت على طردي وتشريدي، والآن.. أنا أخاف منها أرجوكم لا تسلموني لها، لأنها قاسية!!

يا لقسوة الإنسان، إنها قسوة تمزق القلب، وخاصة إذا كان مصدرها أبا أو أما!!

وأحيانًا تكون الأم ميكافيلية، وكذلك الأب، فيأخذان بمنهج ميكافيلي»، الذي يرى - خطأ - أن الغاية تبرر الوسيلة، فهذه أم تضرب ابنها بالحذاء لكي يحفظ القرآن الكريم، كما نرى أبا يضرب ابنه في وجهه فيحدث به جروحا قطعية يستغرق علاجها أسابيع كي يذهب ليستمع إلى أحد العلماء في درس علم بعد صلاة العشاء!!

ما أغلظ تلك المرأة التي قست على ابنها، فطردته، وأغلقت الباب دونه، ونام على عتبة الباب، فلم يرق قلبها له، ثم تركته يمشي!! فما أحوجها إلى أن تتعلم من الصحابيات.

نموذج أم هانئ كأم

فهذه أم هانئ بنت أبي طالب (أخت علي بن أبي طالب رضى الله عنه)، يتقدم النبي صلى الله عليه وسلم لخطبتها، وكان المتوقع أن تقبل دون تردد وبسرعة؛ لأن الذي يخطبها لنفسه هو رسول الله، فاعتذرت عن أن تكون أمًا للمؤمنين وزوجًا للرسول الكريم في الدنيا والآخرة، وقالت: والله يا رسول الله ما بي رغبة عنك، ولكن لي صبية صغار.. وهكذا اعتذرت خشية أن تنشغل بالنبي صلى الله عليه وسلم فتهمل أولادها، أو أن تنشغل بأولادها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فامتدحها قائلا خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرعاه لزوج في ذات يد (رواه أبوداود).

هنيئا لمن تربي أولادها

يقول: أنا وامرأة سعفاء الخدين كهاتين في الجنة - وأشار بالسبابة والوسطى دون أن يفرق بينهما - امرأة مات زوجها ذات منصب وجمال حبست نفسها على أيتامها حتى بانوا أو ماتوا.. ويقول - أيضًا: «أنا أول من يفتح أبواب الجنة، فإذا امرأة تبادرني، فيسألها النبي، فتقول: أنا امرأة تيتمت على أبنائها الصغار... إنها تسابق النبي صلى الله عليه وسلم في فتح باب الجنة!!

نموذج معاوية كأب دخل الأحنف بن قيس يومًا على أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما فوجده مغضبا، فقال: مالك يا أمير المؤمنين؟ فقال: خاصمت ابني يزيد فلا أكلمه، فقال الأحنف - وكان من سادات التابعين - يا أمير المؤمنين، إنهم أبناؤنا، فلذات أكبادنا، نحن لهم أرض وطينة، وسماء ظليلة، فلا تكن عليهم ثقيلا فيملوا حياتك، ويتمنوا مماتك. 

حكاية ابن القيم

ساق ابن القيم حكاية مؤثرة في مدارج السالكين، منقولة عن بعض العارفين، حيث رأى في طريقه بابا يفتح وقد خرج منه صبي يبكي ويستغيث وأمه خلفه تطرده حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه، ودخلت البيت الذي أخرج منه الصبي، فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف متفكرا، فلم يجد له مأوى غير والدته، فرجع مكسور القلب حزينا فوجد الباب مرتجا فتوسده، ووضع خده على عتبة الباب ونام، وخرجت أمه، فلما رأته على تلك الحال لم تملك إلا أن رمت نفسها عليه، والتزمته تقبله وتبكي وتقول: يا ولدي، أين تذهب عني؟ ومن يؤويك سواي؟ ألم أقل لك: لا تخالفني، ولا تحملني بمعصيتك لي على خلاف ما جبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك وإرادتي الخير لك؟ ثم أخذته ودخلت.

موقف الحطيئة

روي أن الشاعر العربي المشهور الحطيئة أراد أن يسافر، فقال لزوجته إنه سيطيل الغياب وسيتأخر فلا تنتظره، فقال لها:

عدي السنين لغيبتي وتصبري           وذري الشهور فإنهن قصار

فردت عليه زوجته بلباقة قائلة:

اذكر صبابتنا إليك وشوقنا              وارحم بناتك إنهن صغار

فتأثر الحطيئة، ونزل من على الناقة، وقرر ألا يسافر.

مواقف تربوية من حياة النبي صلى الله عليه وسلم

كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا على توثيق العلاقة بين الآباء والأمهات من ناحية وبين الأبناء والبنات من ناحية أخرى ومن ذلك أنه كان ينادي فاطمة ابنته وزوجها علي بن أبي طالب لأداء الصلاة، كما وضع عديدا من المبادئ والآداب في تربية الأولاد.

عند الوداع والقدوم

علمنا حسن وداع الأولاد عند السفر، وإحسان القدوم عليهم بعد العودة من السفر.

روى الحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا كان آخر الناس عهدا به ابنته فاطمة وإذا عاد كان أول عهده بالناس ابنته فاطمة.

وفي دعاء السفر تربية

فقد علمنا دعاء السفر، ومنه...... اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل والولد. (رواه مسلم).

فإذا تأملت في هذا الدعاء العظيم وجدته يهتم أيما اهتمام بالأهل والأولاد.

لماذا سرعة العودة؟

من هدي النبي السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل إلى أهله (رواه البخاري ومسلم).

وروى الإمام البيهقي عن رسول الله أنه قال: إذا قضى أحدكم حجه فليعجل الرحلة إلى أهله، فإنه زيادة له في أجره.. فالإسراع بالإياب والعودة إلى البيت من هدي الإسلام، ذلك أن الأب تنتظره مهمة تربوية عظيمة لا يؤديها إلا هو. كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر قبل فاطمة، ويتلقاه الصبية من أهل بيته، حيث كانوا يخرجون لمقابلته خارج المدينة.

النبي صلى الله عليه وسلم يلاعب الأطفال

روى الإمام أحمد والحاكم عن شداد ابن الهاد خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر حاملا حسنا» أو «حسينا»، ووضعه في القبلة، ثم كبر وسجد سجدة طويلة فسئل عن طول سجوده، فقال: «إن ابني ارتحلني فخشيت أن أعجله قبل أن يقضي حاجته..

وروى الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع أبناء عمه العباس ويصفهم ويقول من سبق إلي فله كذا أو كذا. فيتسابقون، فيحتضنهم ويقبلهم، ويلتزمهم.

أفضل استثمار

كثير من الناس يلهيهم الاستثمار لأولادهم عن الاستثمار فيهم، برغم أن الحق ينطق بأن أعظم استثمار أن يستثمر الرجل في أولاده، ليربح في الدنيا والآخرة. 

وحسبنا أن نقرأ ما رواه الطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم: يتبع الرجل يوم القيامة أمثال الجبال من الحسنات، فيقول: يا رب أنى هذا؟ فيقول: باستغفار ولدك لك..

وروى أحمد وابن ماجه: «إن الله عز وجل ليرفع للعبد المؤمن درجته يوم القيامة في أعالي الجنة، فيتساءل: يا رب، أنى هذا؟ فيقول: باستغفار ولدك لك..

ولذلك امتدح الله نبيه إسماعيل - عليه السلام - لأنه كان يأمر أهله بالطاعات، فقال سبحانه ﴿واذكر في الكتاب إسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًا. وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا ﴾ (مريم).

ومن هنا كان التوجيه الإلهي المباشر للنبي ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا لا تَسْتَلَكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ للتقوى﴾ (طه: 132).


الرابط المختصر :