العنوان كشاف «محتمل » لرسائل عن الأميري!
الكاتب عبدالله زنجير
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2007
مشاهدات 78
نشر في العدد 1779
نشر في الصفحة 46
السبت 01-ديسمبر-2007
(*) عضو رابطة أدباء الشام
من دار الأرقم (١) وحتى بقيع المدينة، كانت رحلة الأميري عمر بهاء الدين- شاعر الإنسانية المؤمنة- جهادًا وجمالًا وجدارة وبحثًا مخلصًا من أجل أمته وإيمانه وخير هذا العالم. لقد اعتذرت لصديقي باسل (۲) المقيم في أمريكا، عن تناول سيرة هذا العملاق؛ لمهابة الغوص مع منهج متكامل في الفكر والحياة، فالأميري يمثل كنزًا تجديديًا شاملًا يقوم على أسس الأصالة والانفتاح، وقد قضى من دون أن يتخلى عن أهدافه النقية التقية، إحقاقًا للحق وذودًا عنه، إلى أن انبعثت تجليات الصحوة، بفعل صمود هؤلاء( الأميري وأمثاله ) وعرقهم وعملهم! ثم علمت من أستاذنا البراء نجل (الأميري) بمشروع التوثيق الخاص، فاغتبطت لهذه الفكرة الحصيفة ورجوت الله أن يوفق لإتمامها بالحدود الممكنة التي تؤسس للعدل وإنصاف الرجال بما يعوضهم بعض ما يستأهلونه.
ما سبق كان مفتاحًا لا بد منه لعناوين لم تعد تنتظر، وجدت كراسيها شاغرة من تلامذة وجادين ونقاد، فهي تمثل كشافًا مقترحًا أو محتملًا لأطروحات ودراسات علمية وعالية وضرورية، تروي نهم العطشان وتؤسس لثقافة عصرية في التراجم والترجمات، بما يشيع العرف والمعرفة ويذيع فضائل الفاضلين، وهنا أنوه بالتحية لكل من عمل على المنوال نفسه، وطار محلقا في سماء هذه الواحة، فكتب باحثا في حياة الأميري وشعره كالدكتور وليد السامرائي، ود. خالد الحليبي، وكذلك كاتبات أديبات من المغرب وسورية وغيرهما، وهو ما يبشر بالثمرات القادمة ويصب في قلب دعوتنا هذه.
إن «الزعيم»، عمر بهاء الدين الأميري، هو رجل المناقب والمنابر في طول العالم الإسلامي وعرضه، وكثيرون لا يعرفون عنه سوى الشاعر المسلم المجاهد، وهذا بعض الحقيقة وليس كلها، فأدواره الأكاديمية والمؤسساتية والفكرية والنهضوية، لا تقل شأوًا عن جاذبيته الشعرية والأدبية وأثره الحي الناطق في نهضة القرن الماضي للعالم الإسلامي وربوعه العربية بالذات.
هذا وإذ أعرض لكشافي المقترح، فلكي أبرز بعضا من ملامح العبقرية التي تتماسك وتتجانس في عقل وقلب ونفسية وشخصية الراحل الكبير عليه - رحمة الله - فإنه اجتهاد فردي متواضع، يأتي في خضم الأبحاث القيمة المنشورة، لا يغني عنها ولا تغني عنه، وفيما يلي رؤوس أقلام طال انتظارها وقعدت عنها الهمم والمهمات:
أ. (فن اللغة في شعر الأميري): إن توظيف البيان في شعر الأستاذ له طراز خاص، والكثير من المفردات التي يشتقها تضيف بديعًا غير مسبوق للعربية الرائجة، وهو في وضعه لشرح الكلمات نهاية معظم دواوينه يريد من القارئ أن يرقى إلى مستوى اللغة وفنيتها، وربما لو أراد أن يجمل كل کلامه شعرًا لفعل ذلك!
ب.( الأم في الإسلام من خلال شعر الأميري): إن علاقة الأميري بأمه نموذج مشرق لمكانة المرأة في الإسلام، وهو قد تفرد بوضع ديوانه (أمي) ليبرهن على وشائج الأسرة ودور العاطفة الإنسانية.
ج. (الأصالة والمعاصرة في شعر الأستاذ الأميري): المؤمن الكيّس من عرف زمانه واستقامت طريقته، والأميري في شعره ونثره لم يقع في فخ الفصام الثقافي أو التناقض الفكري، بل كان واثق الخطى بعيد النظر.
د. (الإنسانية عند الأميري): وهو موضوع متفرد في النظرية والممارسة، نقرأ هذا من رمزية معينة في قصيدته (بنات المغرب) وفي انفتاحه على الآخرين والتعاون معهم، فهو واسع الدائرة في ملائكيته وبشريته.
ه . (الجمال عند عمر بهاء الدين الأميري): إنه عاشق للجمال ومتناغم معه لكنه لا يفصله عن الخير والحق وتذوقه له فطرة ونعمة، لا يجحده ولا يجابهه ولا يبالغ في تفسير مفهوم الفتنة، بل يؤطره ويبشر به.
و. (الفقه الحضاري من منظور عمر الأميري): وهي نظرية تجديدية ناظمة لعقل المسلم المعاصر، طرحها كآراء وأفكار للحوار وطبقها في فلسفته ومحاكماته لجل القضايا، ولاقت رواجًا كبيرًا في الأوساط المثقفة.
ز. (الأثر والآثار الفكرية لعمر بهاءالدين الأميري): لقد ترك - رحمه الله - تراثا منشورًا ومسطورًا في الفكر والحياة، وقد أرخ لبعض أدواره كما في كتاب «لقاءان في طنجة»، وكثيرًا ما يمزج بين الفكر والشعر.
ح. (الطفولة في شعر الأميري ):
قصيدته« أب» التي أعجبت العقاد والرافعي والطنطاوي وأنشدها «أبو الجود» من عيون الشعر العربي الممتاز، وقد امتد اهتمامه بالطفولة والأطفال طيلة عمره، فأخرج دواوين (أب)، و (أبوة وبنوة) و (جدو) الذي لم ينشر .
ط.( الأميري والمعجزة الفردية): هل هي موهبة فحسب أم تطوير ذاتي، لقد كان منظمًا في حياته لأبعد الحدود خطيبًا مفوها ومتحدثًا ملوكيًا، أجاد عدة لغات في آن واحد، وفاعليته ونشاطه مدد من الرحمن وصلة معه.
ي. (الأميري وأدوات العصر): لأن الأميري رجل قضية وشاعر فكرة، فقد توثقت علاقاته مع المنابر الإعلامية المتنوعة، وله مئات المشاركات المبثوثة في صحف ومجلات القرن الماضي، والتي تنتظر من يزيح عنها ركام الهجران، وقد احتفظ ببعض ما يصادفه منشورًا ضمن أرشيف خاص، حرص عليه حتى في أوقات مرضه وغربته.
ك. (الإصلاح والتجديد في فكر الأميري): مكانة الفكر عند الأميري، دفعته للبحث والابتكار، فهو أول من تحدث عن وسطية الإسلام وأمته، وكتب عن (الأبعاد الحضارية للجهاد المقدس)، مقتدًا مواقف الأصدقاء الجاهلين والأعداء الجاحدين، وكان موقفه من الصحوة الإسلامية الترحيب والترشيد.
ل. (عمر بهاء الدين الأميري والتجديد الأكاديمي): ذلك لأن تدريسه في عشرات الجامعات: السعودية والمغرب واليمن، والجزائر، والأردن ، والإمارات، والكويت، وقطر، والباكستان، وتركيا، وإندونيسيا ... إلخ... وضعته على تماس مع عوامل الضعف والكلاسيكية التي يعاني منها التعليم الإسلامي، فأبدى آراءه ودون ملاحظاته ونصائحه، وأوحى بالاهتمام بالعلوم الإنسانية ووضع كتابه الرائع (الإسلام وعلم الاجتماع) وحض على قراءة المستقبل والحياة في سبيل الله، وألف في موضوع (الإسلام وحضارة المستقبل) ودعا للاهتمام بالمواهب ورعايتها وتنميتها وإلى إعادة النظر في أساليب التدريس ووسائله.
م. (الأميري والتربية): نظرات الأميري في التربية انطلقت من إدارته للمعهد العربي الإسلامي في دمشق، فركز على المناهج وتجسيد مفاهيم النظافة والنظام والرقي الإنساني والمشاركة والعصرنة وإعادة تشكيل العقل المسلم ورسم صورة حقيقية وحية لمعنى القضاء والقدر والأمر بالمعروف في الإسلام واستخلاص العبر من التاريخ دون الإغراق فيه، وحسن اختيار التراث من معينه.
ن.( الأميري والاجتهاد ): على الرغم من كون الأستاذ غير متخصص في الفقه بمفهومه المحدد إلا أن فهمه للنصوص وتعامله معها يؤكد على استيعابه ومقاصديته وإلمامه بدقائق الأحكام.
س . (رحلات الأميري... المغزى والسيرة ): كان الأميري رجل المهمات الصعبة والمساعي الحميدة، فمن طلبه للعلم وحرصه عليه انطلقت جولاته في قارات الدنيا لأهداف سامية ومصالح مشروعة للأمة.
ع. ( الأميري والعمل الإسلامي): ولأنه أسهم بالانطلاقة المعاصرة للعمل الإسلامي وكان من مؤسسي الحركة الإسلامية في سورية، فقد تميز دوره في هذه الساحة، وكان شاهد عيان على كثير من أموره، وأماراته، مسموع الكلمة، ومحترم الجناب، لا يخاف في الله لومة لائم.
ف. ( الوطنية في شخصية الأميري): إننا نلاحظ وطنيته وغيرته في ثنايا شعره
ونثره، وفي حراكه وحميته، فهو قد شارك في جيش الإنقاذ في الدفاع عن القدس سنة ١٩٤٨م، وناضل طويلًا ضد الدكتاتورية والطغيان، وكانت له علاقات مهمة مع الوطنيين والأحرار في مواقع كثيرة.
ص. (السياسة في مفهوم الأميري): عاصر أستاذنا الكثير من الأحداث الساخنة، وعلى مدى سنوات مكث سفيرًا ووزيرًا لسورية الاستقلال، وهو في ذلك يعتبر السياسي الأول عند الإسلاميين، موقعًا ومكانة، لكنه لم يكن «ميكيافيليا» نفعيًا، بل مؤمنًا متدينًا يعمل بالأولويات والتوازنات، ودرء المفاسد وجلب المصالح.
ق. ( مكتبة الأميري.. نموذجًا): قل لي ماذا تقرأ أقل لك من أنت، والأميري في عالمه الممتد الرحيب قرأ كثيرا وتأثر بأسماء معينة مثل «محمد إقبال»، ومكتبته الكبيرة، نموذج لثقافة المسلم المعاصر من حيث تنوعها وتكاملها وأولوياتها المعرفية
ر. ( لطائف وطرائف الأميري من أفواه عارفيه ومريديه): الأميري – رحمه الله - كان مزوحا يبتكر النكات ويصطاد البسمات، ويتمتع بالأريحية والمرح، ولا أكاد أعرف أحدا اختلط به إلا ويروي عنه طرفة ما تفيض بالجمال وخفة الظل.
وبعد: فإن ما يقال في الزعيم المسلم(عمر بهاء الدين الأميري)، وما يمكن أن يحكى عنه أكثر من هذا بكثير، فالأميري منهج مطلوب مفقود في حياتنا الأدبية والفكرية والدعوية، نحتاج للتعلم منه في كل تفاصيلنا، حكمة وعقلًا وذوقًا وتجردًا ومعشرًا متحضرًا، والثقة كبيرة بأن يجد البحث العلمي ضالته في ثنايا وخفايا هذا الرجل العملاق ... والله من وراء القصد.
الهوامش
(1)جمعية دار الأرقم الإسلامية في شارع اسكندورن بحلب.
(۲) الأستاذ الإعلامي باسل الرفاعي.