; رمضان والقرآن | مجلة المجتمع

العنوان رمضان والقرآن

الكاتب الدكتور أحمد عبد الرحيم السايح

تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1993

مشاهدات 64

نشر في العدد 1039

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 23-فبراير-1993

رمضان والقرآن

بقلم الدكتور: أحمد عبد الرحيم السايح.

أستاذ العقيدة بجامعتي الأزهر وقطر

 رمضان: هدى وقوة

كلما دار الفلك دورته، وأطل على الأكوان هلال رمضان عاد إلى المجتمعات الإسلامية حنينها إلى ما تنطوي عليه أيام رمضان من توجيهات وذكريات، هي الهدى في ضيائها وإشراقها، وهي القوة في صفاء ينبوعها وأصالتها..

لقد عاشت الإنسانية، قبل بعثة الرسول الأمين محمد عليه الصلاة والسلام في وثنية خرقاء وخرافة مضللة، وجهالة عمياء.

فالعالم الإنساني إذ ذاك كان متلبدًا بسحب كثيفة من القلق والاضطراب والحيرة والفوضى وكان اعتماد الناس على وسائل الشر أكثر من اعتمادهم على وسائل الخير.

إذن الضرورة الإنسانية، تؤكد الحاجة إلى وعي رشيد وحياة آمنة فانبعثت موجة هادئة من النور الهادي في خضم ذلك الزمان المضطرب. فأيقظ المجتمعات الإنسانية من رقدتها ونبهها من غفلتها..

القرآن: المعجزة الخالدة ونبع العطاء

ولم يكن ذلك النور الهادي إلا رسول الهداية محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله لإصلاح حال الإنسانية وبيده كتاب مبين هو القرآن الكريم، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام «تندى له القلوب اليابسة وتستيقظ لروعته النفوس الوثابة، ففتح الأعين العُمي، والآذان الصم، والقلوب الغلف، ثم دفع بالمسلمين إلى راية المجد، وآفاق المعرفة ومعالم الحضارة والعلامات المضيئة ولئن كان في ذكريات شهر رمضان غزوة بدر الكبرى وفتح مكة، وبدء نزول القرآن الكريم وليلة القدر. فإن القرآن الكريم هو الذي أحيا الناس.

ولئن كان بدء نزول القرآن الكريم في شهر رمضان، فإن القرآن الكريم نفسه ليس في حدود الذكرى وإنما هو المعجزة الخالدة الباقية على الزمن.

وشاء الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الكتاب معجزة دالة على صدق محمد صلوات الله وسلامه عليه، ناطقة بأنه رسول من عند الله وجاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ويهدي إلى صراط الحق قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (إبراهيم: 1) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَل بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ﴾ (الشعراء: 192-194).

وإذا كان الأمر كذلك في خلود معجزة القرآن، وبقائها على الزمن، فإن القرآن كما أراد الله أن يكون كان...

ومن الطبيعي أن يكون القرآن الكريم دائمًا ينبوع العطاء الذي لا ينتهي له مدى ولا ينضب له معين، ومصدر الهداية التي لا تنفد وباعث القوة التي لا تلين فالمعجزة الدائمة الخالدة، يتسم عطاؤها بالديمومة وما على الأمة الإسلامية إلا أن تفتح القلب لآيات القرآن الكريم حتى تشرق الدنيا وتنفض عن كواهلها غبار الأيام ويعود بها الزمن إلى سابق عهدها، غالبة غير مغلوبة... ومنتصرة غير مهزومة... ومتحركة غير ساكنة... ولا واقفة... ومتعلمة ومعلمة غير جاهلة... وعاملة ومنتجة وواعية ومتحدة...

والقرآن الكريم روح المسلمين الذي يشع فيهم الكينونة والوجود وقلبهم الذي ينبض بالحياة، وحركتهم التي تتدفق وتدفع وعقلهم الذي به تتلألأ شهب المنى، وتدر أثداء الأمل.

والمعنى الذي يفهم من لفظ القرآن الكريم كبير جدًّا لا يدانيه معنى في التأثير والتوجيه والتربية والإعداد.

وإن المؤمن الذي ينكب على القرآن يتلوه لتنثال على خاطره منه دلالات وطيوف.. تملأ النفس، روعة، وجلالًا.

وفي كلمة القرآن الكريم معنى الحياة التي احتوت على جميع عناصر الصلاحية لكل الأزمنة والأمكنة، والبيئات والمجتمعات والعصور والأجيال والقرآن هو القاعدة الكبرى التي تنطلق منها الإمدادات الإلهية والفيوضات السماوية وإذا كان الإنسان ذلك الكائن الحي لا وجود له، ولا حياة بغير الروح والقلب والعقل... فإن المسلمين في الماضي والحاضر والمستقبل، لا كيان لهم، ولا حياة، ولا وجود بغير القرآن فهو لهم الروح... والعقل والقلب... وهو لهم: الضياء والغذاء والشفاء..

وما اضطربت المجتمعات الإسلامية واستخف بها المتربصون إلا منذ أن اتخذت هذه المجتمعات شعارات ولافتات ليست من القرآن. ولا تتصل به من قريب أو بعيد... وما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول في حديث رواه الترمذي: كتاب الله... فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله. ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله... وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم.

هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة. ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق على كثرة الرد. ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ (الجن: 1-2). من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل. ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم.

المسلمون والقرآن: الحل والنجاة

والمسلمون في عصر الرسول عليه الصلاة والسلام وعصور الخلفاء الراشدين وعصور ازدهار الحضارة الإسلامية. قد وجدوا في القرآن الكريم مبتغاهم من التشريعات الفردية، والعلائق الأسرية والقوانين المدنية والأنظمة الدولية.

وبعبارة أخرى: وجد المسلمون في القرآن الكريم كل ما يحتاجون إليه في حياتهم العامة والخاصة والدين والدنيا... نادى الناس بنداءات إلهية... أججت العواطف، وحركت العقول، وبعثت في النفوس المؤمنة انتفاضة رائعة كان لها الأثر البعيد، في تحويل مجرى الإنسانية.

لقد وعى التاريخ في القرآن ما لم يَعِهِ لأي حدث آخر في هذا الكون... سواء في معارك التهذيب النفسي حينما وجد الناس يسوسهم الهوى ويسودهم الجهل والجاهلية فأصبحوا بهديه مثالًا يحتذى... أو في معارك السلام يوم تدفقت سيول العرب من منابعها لنشر الإسلام في الأرض والقضاء على الظلم الواقع على الناس.

والمسلمون في الماضي والحاضر والمستقبل في أشد الحاجة إلى العودة إلى القرآن الكريم وفهمه كما ينبغي... وإذا كانت المجتمعات الإسلامية تنطلق من القرآن الكريم فإن ذلك مصدر استئناس للسائرين في طريق الهداية والراجين الأمل والفلاح قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: 2-5) وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء: 9) ولهذا كان القرآن مصدر الخير ومصدر الحياة للأمة الإسلامية في دينها، وفكرها وشعورها إن القرآن حجة الله التي لا تقبل من المسلمين الجهل أو التجاهل لأنها تذكر بالكتاب الذي ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42)

وإن آيات القرآن الكريم حافلة بالدعوة إلى الالتزام وهي التي ضمنت للأمة الإسلامية حياة دائمة التدفق والعطاء وحبتها منابع ثرة يستريح إليها الحران واللاغب، ويطمئن إلى ظلها الوارف: الطارد والشارد.


 

الرابط المختصر :