; طريق الحاضر.. ومعالم المستقبل. | مجلة المجتمع

العنوان طريق الحاضر.. ومعالم المستقبل.

الكاتب مصطفى الطحان

تاريخ النشر الأحد 29-ديسمبر-1991

مشاهدات 45

نشر في 982

نشر في الصفحة 34

الأحد 29-ديسمبر-1991

قضية فلسطين تجاوزت مرحلة العجز إلى العمل ومرحلة الشعارات إلى الإنجازات:

يمر العالم الإسلامي اليوم بأخطر أزمة عرفها تاريخه الحديث.. في هذه الأزمة تاهت الرؤية وضل التصور السليم، وإذا بالقوم أقوام.. وإذا بالمشاعر مختلفة.. وإذا بالأرحام تتقطع وتتدابر، كأن لم يكن بينها في يوم من الأيام أسباب إخاء أو وشائج لقاء.. ولنرجع عشر سنوات للوراء.. فلعل الإطلالة على عقد من زماننا يوضح لنا طريقنا الحاضر.. أو يرسم لنا معالم المستقبل.

قبل عشر سنوات قامت الثورة الإسلامية في إيران.. قضت على الملكية الإيرانية وأقصت الشاه وأقامت جمهورية إسلامية... وكان الحديث بحد ذاته فريدًا جديدًا ومفاجئًا للكثيرين، بدأ العالم يتساءل عن الإسلام السياسي الذي كان مطاردًا وإذا به يتسلم فجأة مقاليد الأمور وتسقط في الوقت نفسه أقوى قوة سياسية مؤيدة للغرب في منطقة الشرق الأوسط...

وأحاطت مشاعر المسلمين في أنحاء العالم بالثورة الإسلامية تذب عنها وتتبني مواقفها وتشد إليها الرحال للمشاركة.. وكيف لا... وهي ترفع شعار الإسلام.. وتعلن راية الحق والعدل.. وتتبنى مواقف المستضعفين في العالم؟

وبدأ الغرب يتآمر.. واستخدم في تآمره كل الوسائل المحلية والعالمية.. الشرقية والغربية.. وأخيرًا تقرر غزو إيران.. وكانت استراتيجيتهم أن يضطروا إيران لتجميع الجيش الذي رباه الشاه على عينه والذي اضطرت الثورة إلى تسريح عناصره فإذا تجمع الجيش قام بانقلاب ضد الثورة الإسلامية.. وإذا لم يجمعوه احتلوا إيران وقسموها واستطاعت إيران بالرغم من المقاطعة العالمية، وبسلاح خفيف نسبيًا أن تقاوم الغزو.

وفي الوقت الذي بدأ يتضاءل فيه أثر الثورة الإسلامية في إيران.. بدأ المسلمون يركزون آمالهم على الجهاد الإسلامي في أفغانستان. قدموا لهذا الجهاد كل ما استطاعوا تقديمه.. وقدم المجاهدون في تصديهم للغزو الروسي أكثر من مليون ونصف المليون شهيد وأكثر من أربعة ملايين لاجئ.. وخرج الروس بعد أن دمروا البلد.. ومع ذلك فما زال المجاهدون يرابطون ويتربصون على أمل إقامة حكومة إسلامية في أفغانستان.. والكل يحمد للمجاهدين ثباتهم وإصرارهم... وإن كانت الخطوط المتقاطعة والمؤتمرات المتعددة الجنسيات الصديقة والعدوة.. القريبة والبعيدة جعلت الآمال أقل بكثير مما كان متوقعًا.

وقامت ثورة الحجارة في فلسطين.. يقودها الشعب الفلسطيني الأعزل إلا من إیمانه بربه وقضيته.. بعد أن يئس من منظماته وقياداته والحكومات التي تاجرت باسمه وهتفت طويلًا بقضيته.. لقد حاولت إسرائيل والقوى التي تدعمها بكل الوسائل أن تقمع ثورة الحجارة في فلسطين فأعيتها الحيلة.. وكلما مضت الصهيونية في قمعها.. استبسل الشباب المسلم وتدفق كالسيل يرقد الأمل العزيز في نصر قريب في بلاد المقدسات.

وكانت ثورة الحجارة تنتظر من الأشقاء الذين ينعمون بالأمن الرغد والعون والمشاركة، وأني لذلك أن يتم في ظل حكومات تحرس الحدود وتحمي الوجود المغتصب.. ومع ذلك ومهما تكن الآلام والمصاعب.. فقضية فلسطين تجاوزت مرحلة العجز إلى العمل ومرحلة الشعارات إلى الإنجازات.. وإذا كانت بداية الطريق الطويل خطوة.. فإن خطوة أطفال الحجارة رائعة وأهدافهم مسددة.

كل هذه الأحداث أسهمت في تصاعد المد الإسلامي والصحوة الإسلامية في أنحاء العالم وأضحى المسلمون عنصرًا فاعلًا في أحداث الأمة، وبدأت الإرهاصات في مختلف أنحاء العالم تبشر بعهد جديد.

فانتصار الجهاد الأفغاني وانطلاق الجهاد الفلسطيني واكتساح التيار الإسلامي لمعظم النقابات الطلابية والمهنية في مصر والاكتساح الشعبي الإسلامي في الجزائر وسائر بلدان المغرب العربي وتسجيل نتائج باهرة للتيار الإسلامي في انتخابات اليمن والأردن وقيام حكم ذي توجه إسلامي في السودان، ونمو التيار الإسلامي في الخليج وتصاعد الموجة الإسلامية في تركيا وفي معظم البلدان التي تضم أقليات إسلامية، كل هذه الأحداث بشارات تدفع الأمة الإسلامية إلى طلب المزيد وهي في الوقت نفسه إنذار لقوى الاستكبار العالمي بأن المارد الإسلامي بدأ بالتحرك.. وأن نتائج مؤتمر كامبل الذي عقد في لندن في أوائل سنوات هذا القرن والذي كان شعاره «كيف نسقط الخلافة وكيف نمنع قيامها... أصبحت نتائج هذا المؤتمر في خطر...!

والغرب مرتبك أشد الارتباك أمام هذا المد الإسلامي.. ولقد تتالت تصريحات كبار مسؤوليه تؤكد هذا التخوف.. فهذه تاتشر رئيسة وزراء إنجلترا السابقة وأهم الشخصيات السياسية الأوروبية في العقد الحالي تسأل عن ضرورة وجود حلف الأطلنطي بعد تحطم حلف وارسو وانحلال الاتحاد السوفيتي.. وانتهاء الحرب الباردة... فكان جواب تاتشر الواضح.. أنه ما زال أمام الحلف مهمات جسام أهمها وأخطرها الأصولية الإسلامية المتصاعدة.

كان ارتباك الغرب واضحًا.. فهو من ناحية يطالب بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.. فإذا وصل الأمر إلى بلاد المسلمين.. فهو يؤيد القمع والإرهاب والاعتقال والسجون. ويتناسى تمامًا حقوق الإنسان إلا من تصريحات فجة لا تسمن ولا تغني ويشجع أداة البطش ويشد على أيدي الباطشين.

وبدأت القرى المتحكمة بإعداد الخطة وترتيب فصول المؤامرة وكانت الخطة تحتاج إلى بطل وإلى أسباب تفتعل الصراع.

وأعد المسرح.. وبدأ تنفيذ الخطة بأحداث الخليج المؤسفة.

أما البطل... فهو ابن المخططات المشبوهة والأحزاب العميلة التي غزت بلادنا واستقرت تحكم أقطارًا مهمة في ديارنا.. وهو عين البطل الذي استخدمته القوى المتآمرة في تحطيم إيران وأغمضت عينها عنه وهو يحطم شعبه وجدرانه.. وها هي اليوم تستخدمه مرة أخرى فتجره إلى حتفه.

وأما المسرح فكان أرض الكويت وأمن المنطقة.. وكما حطم البطل شعبه فقد عمل على سحق وتشريد شعب الكويت.. وحشد جيوشًا جرارة على حدود السعودية.. وبهذه الرعونة حقق لأعدائنا المتربصين بنا كل أهدافهم التي سعوا إليها وأهمها:

-        تدمير الأسلحة التي تجمعت في المنطقة والتي دفع ثمنها الشعب المسلم مئات المليارات من الدولارات استوردها باسم حماية الحدود والذود عن الحرمات وتحرير المقدسات واستخلاص الحقوق والأرض المغصوبة.. فعرضها الحكام المغرورون للدمار تحت هاجس التأله على الله والعباد.

-        أما القوات الأمريكية التي جاءت إلى المنطقة مزهوة بطائراتها العملاقة وقنابلها الذكية وبوارجها الهادرة.. فهي لم تحرر الكويت، وتحطم القوة العراقية فحسب.. بل امتد أثر نصرها ليشمل العالم بأكمله.

-        فقد اتفق المراقبون أن تفكك الاتحاد السوفيتي إنما كان نتيجة من نتائج حرب الخليج.

-        المارد الاقتصادي الياباني والألماني يتسابقان لدفع عشرات مليارات الدولارات للمجهود الحربي الأمريكي بمجرد أن رفعت أمريكا سبابتها تشير لهم فامتثلوا.

-        القضية الفلسطينية التي طال أمدها.. تفرض أمريكا اليوم حلها.. ترسم المراحل... وتجبر الجميع باسم التفاوض إلى توقيع الحل الذي يريده الأمريكان ويضمن مصالحهم على المدى البعيد في هذه المنطقة الحساسة من العالم.

-        وفي المرحلة الثالثة من هذه المفاوضات سيعاد رسم الخريطة الاستراتيجية للمنطقة.. المياه والترسانات الحربية.. والثروات.. والأسواق.. والمواد الأولية.

ومما لا شك فيه أن ضرب جميع الحركات التحررية والإسلامية التي تمثل في كل الظروف ضمير الأمة الإسلامية وأملها المنشود في التقدم والرقي.. هذه الحركات التي قامت بالدور الفعال وما زالت تقوم بدعم جميع الحركات الجهادية في أفغانستان وفلسطين وباكستان وتركيا والجزائر وغيره.. الحركات التي أطلقت المارد الإسلامي من عقاله على أسس عملية عميقة الجذور ممتدة الفروع أن ضرب هذه الحركات هو نتيجة طبيعية لروح تسيطر على كل شيء في الهيمنة التي تريد أن تسيطر على كل شيء في المنطقة حتى على أفكارها.

-        وأخيرًا... تحطيم ثروات المسلمين السابقة.. واللاحقة.. على حساب تقدمهم وتحررهم.... وتفريق كلمة الشعوب الإسلامية بشكل لم يسبق له مثيل بين مؤيد لهذا الفريق أو ذاك.

سؤال:

وإذا كانت أزمة الخليج الأخيرة التي هيأت قوى الاستعمار والاستكبار أسبابها واستخدمت حاكم السوء أداء لها تهدف إلى مثل هذه الأهداف الخطيرة.. والتي ستكون لها آثار في منتهى الخطورة على أوضاع الأمة المسلمة على كل المدى المنظور فما هو واجبنا تجاه ذلك؟

وقبل أن نجيب.. نتساءل:

وماذا تستطيع قوى متناثرة هنا وهناك أن تفعل؟ هل يمكنها أن تقوم بشيء؟

والجواب بالتأكيد.. نعم.. نعم تستطيع توعية الأمة وإشعارها بمسؤوليتها تجاه دينها وأمتها.. وتستطيع توحيد هذه الجهود ضمن منظومة واحدة.. تجمع جداول المياه المتناثرة والقوى المتفرقة في تيار واحد يوصل سفينة الأمة إلى شاطئ الأمان.

وتستطيع وإلى الأبد أن تنهي نظرات المكر في الفكر الغربي في العلمانية والإقليمية والعنصرية وتعلنها ثانية إسلامية عالمية كما أراد لها ربها يوم أنزل هذا الدين.

وتستطيع أن تعيد شباب الأمة إلى ثوابتهم الإيمانية:

-        بأن الفهم الإسلامي السليم هو مفتاح العمل الصحيح.

-        وأن القوة ليست بالصرعة وإنما بالثبات.

-        وأن الحرية للجميع هي التي تمكن المسلم من الإنجاز والرقي.

-        وأن الطغاة هم أعداء الحياة معها كانت الشعارات التي يتسربلون بها.

-        وأن المسلم الواعي لا يخدع مرتين.

-        أن مجامع المكر الصهيوني والصليبي في العالم اليوم تتحدث عن موقع التأثير في عملية أسلمة الحياة..

إنما تذكر:

-        إشاعة الفكر الإسلامي وترجمته.

-        الحركات الهادئة الفاعلة التي تصحح المسيرة بمنتهى الإيجابية والهدوء.

-        أن التاريخ لن يتسامح مع قوانا العاقلة الفاعلة الواعية.. إن هي اتخذت ركنًا قصيًا وتعاملت مع الأحداث تعاملات باردة أنها مدعوة وبكل تأكيد إلى دائرة التفاعل لتجنيب الأمة مصارع السوء والأخذ بيدها نحو مستقبل إسلامي مشرق

الرابط المختصر :