; نشوب الحرب الاقتصادية بين أمريكا.. واليابان | مجلة المجتمع

العنوان نشوب الحرب الاقتصادية بين أمريكا.. واليابان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1971

مشاهدات 11

نشر في العدد 76

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 07-سبتمبر-1971

نشوب الحرب الاقتصادية بين أمريكا.. واليابان

    • علّق أحد الصحفيين على قرارات الرئيس الأمريكي نيكسون الاقتصادية قائلاً: "إن الجو في طوكيو الأسبوع الماضي يشبه جو بيرل هاربر ولكن بالعكس".و المعروف ان حادثه بيرل هاربر كانت اليابان فى يدها زمام المبادرة وهي التي قامت بالهجوم على الاسطول و القواعد الاميركية فى الباسيفك وسط الفزع الولايات المتحدة .. وهذا الاسبوع كان اصيب كبار رجال المال والاعمال اليابانيون بالتشاؤم والفزع نتيجة السياسة الاقتصادية الجديدة التي اعلنها الرئيس نيكسون ... وقد ازداد وقع هذة القرارات وتاثيرها السياسي اذا علمنا انها جاءت بعد شهر تقريبا من اعلان الرئيس نيكسون عن عزمه الزيادة بكين .. وصرح احد المسئولين فى الحكومة اليابانية على هذة الاحداث قائلا( لقد ذهبت الي الابد علاقات الود والصداقة التقليدية بين امريكا و اليابان ووصف شيجو تاجانو رئيس غرفة تجارة اليابان القرارات الاميركية الاخيرة بانها ( اعلان حرب ) .
      وعلي الرغم من المبالغة التي تتسم بها تصريح رئيس غرفة التجارة الا ان اليابان لها العذر فى هذا الشعور القاسي بالمرارة و الحنق ...

فمن الواضح جدا أن اليابان كانت هي الهدف المباشر لسياسة نيكسون الاقتصادية ... وتنبع أهمية هذه القرارات بالنسبة لليابان من أن نتائجها لن تقتصر فقط على أسعار الأسهم والسندات وسوق العملات الخارجية ولكنها وضعت بداية النهاية بالنسبة لحياة رئيس وزراء اليابان السياسية وهو المستر ساتو .. وهي أيضا تؤدي الى احتمال نشوب حرب تجارية اقتصادية بين دولتين تحتلان مكان الصدارة بين القوى الاقتصادية في العالم وإذا أخذنا في اعتبارنا عند تقييم اثر السياسة الاقتصادية الاميركية على اليابان - تودد الولايات المتحدة للصين الشعبية فإنه يبدو أن هذه الاجراءات الجديدة سوف تدفع اليابان الى إعادة النظر في دورها الديبلوماسي والعسكري في المحيط الباسفيكي .

وبالطبع ففي نظر كثير من المسئولين الاميركيين فإن اليابان هي التي تسببت لنفسها في كل هذه المصاعب وهي المسئولة الأولى عن الاجراءات الأخيرة .. فوضع واشنطن ۱۰٪ ضريبة جمركية على الواردات وسماحها بتعويم الدولار في سوق العملات العالمي كل ذلك كان بهدف مجابهة مكاسب اليابان الخيالية في الأسواق الأميركية فقد غرت البضائع اليابانية السوق الأميركية بطريقة لم يسبق لها مثيل حتى وصفها أحد المسئولين في وزارة التجارة الأميركية بقوله «أن الغزو التجاري الياباني لأسواقنا قد تم بنفس حماسة من يشن حملة عسكرية» ... ومن الأشياء المؤسفة والمثبطة في نظر الأميركيين أن اليابان - التي تعتمد في بقائها على استيراد المواد الأولية ثم تصديرها في شكل مواد مصنوعة - قرنت هذا الغزو بفرض قيود صارمة على دخول البضائع الأميركية الى الأسواق اليابانية .. وفي مواجهة ما حدث نتيجة لهذا الغزو من جانب اليابان وعجز أميركا عن الدخول لسوقها فقد نشأ عدم توازن في الميزان التجاري بين البلدين وحتى تزيد اليابان الأمور سوءا فإن طوكيو تمسكت بشدة بعملتها التي أصبحت قيمتها الرسمية أقل بكثير من قيمتها الفعلية مما أعطى بضائعها ميزة تنافسية عالية في الخارج .

ولكن نجاح اليابان في الأسواق الأميركية قد تركها عرضة للهجوم المضاد .. فحوالي ۳۰٪ من صادرات اليابان تذهب الى أميركا وطبقا لتقديرات الخزانة الأميركية فإن الضريبة الجديدة على الواردات سوف تكلف اليابان بين ۷۰۰ مليون دولار و٢٫٥ بليون دولار في هذه السنة وحدها .. وكنتيجة منطقية لذلك فإن عددا كبيرا من المستثمرين اليابانيين أسرعوا في بيع أسهمهم في الشركات المشتغلة بالتصدير .. وفي اليوم الذي تلي قرار الرئيس نيكسون خسر سوق الأوراق المالية في طوكيو أكبر خسارة في يوم واحد منذ نهاية الحرب ...

وقد ظلت سوق الأوراق المالية والعملات مفتوحة في طوكيو خلال الأسبوع الماضي بعكس الأسواق في العواصم الأوروبية التي أوقفت التعامل حتى تنجلي الأمور .. وكانت المضاربات محمومة لأن الدوائر المالية توقعت زيادة قيمة الين الياباني ولذلك حاول الجميع التخلص مما في حوزتهم من الدولارات .. ولكن الحكومة اليابانية أصرت طوال الأسبوع الأول للأزمة بأنها سوف تبقي على سعر عملتها بالنسبة للدولار كما هو أي ٣٦٠ ين للدولار وحتى تحتفظ بهذه القيمة فإن بنك اليابان المركزي كان مضطرا لشراء الفائض من الدولارات وفي نهاية الأسبوع تراكم لدى البنك من عمليات شراء الدولار حوالي ۳ بليون دولار ... وأمام هذا الرقم المخيف كان الكثيرون في اليابان وخارجها يتساءلون هل تستطيع اليابان أن تصمد طويلا إزاء هذا الوضع بدون أن ترفع سعر عملتها ؟ وفي نهاية الأسبوع الماضي صرح وزير الخارجية بالنيابة «إن من الضروري أن نتبع سياسة جديدة قبل أن تحاصر اليابان في أحد الأركان وتنعزل نهائيا».

أما فيما يتعلق بـعلاقات اليابان بالولايات المتحدة فإن اليابان قد حوصرت فعلا وأصبحت قريبة من العزلة .. ويفسر أحد المسئولين اليابانيين هذا الموقف غاضبا «أن الولايات المتحدة أطلعت المستر ساتو رئيس وزراء اليابان بـعزم نيكسون على زيارة الصين قبل دقائق فقط .. ويبدو أن علاقتنا قد تحسنت هذه المرة فقد أخبرنا بالقرارات الاقتصادية الجديدة قبل عشر دقائق من إعلانها على العالم» ..

وحينما قابل السفير الياباني في واشنطن وزير الخزانة الأميركي بعد ذلك بثلاثة أيام فلم يقدم له الوزير الأميركي أي اعتذار أو أية تأكيدات يمكن أن تبعث الطمأنينة في نفوس المسئولين اليابانيين .. بل على العكس حاول المستر كوناللي وزير الخزانة الأميركي أن يشرح كيف أن أميركا قد قامت بما تراه في صالحها وأن على اليابان أن تفعل ما تراه مناسبا لها وأن تتخذ ما تشاء من القرارات للرد على موقـف أميركا الأخير .

ومثل هذا الحديث لا يبدو أنه يتماشى مع روح «العلاقات الخاصة» التي تربط اليابان بالولايات المتحدة والتي استغلها المستر ساتو وركز عليها في بناء كيانه السياسي .. وعلى الرغم من أن رئيس الوزراء المستر ساتو كان قد أعلن أنه سيترك الوزارة في سبتمبر عام ۱۹۷۲ ألا أنه يبدو الآن أنه سوف يجبر على ترك الكرسي قبل هذا الموعد بكثير .. وفي تعليق لأحد الأميركيين المهتمين بالشئون اليابانية حول مستقبل المستر ساتو جاء فيــه «أن الطريق أصبح مسدودا على المستر ساتو وليس أمامه أية وسيلة لاستعادة مكانته ..» والـسؤال الآن هو متى وتحت أية ظروف سوف يترك ساتو زعامة اليابان» ...

ولن تأسف أميركا على خروج ساتو من رئاسة الوزارة لأنه في رأي أميركا يعتبر ساتو هو المسئول الأول عن سياسة اليابان الاقتصادية التي سببت كل هذه المتاعب للولايات المتحدة ولميزان مدفوعاتها ... وهذا الأمر يزعج الكثير من المسئولين الأميركيين لأن التوتر المتزايد والإخفاق بين واشنطن وطوكيو قد يدفع خليفة المستر ساتو في كرسي الوزارة لأن يدير ظهره بشدة للولايات المتحدة ... ويقول أحد الدبلوماسيين الأميركيين «إن ما يقلقني هو أن كلا من حكومتي الدولتين تحاولان ممارسة ضغوط أكبر على الأخرى .. وأننا قد نصحو في أحد الأيام لنجد أننا واليابانيين على طريفي نقيض وأننا نبتعد عن بعضنا على الرغم من أن كل الحقائق تشير الى ضرورة بقائنا سويا في كتلة واحدة» ..

ومن الأمور التي تشكل تهديدا خطيرا على مواصلة التعاون بين واشنطن وطوكيو المجهودات الصينية لعزل اليابان في القارة الآسيوية .. والصين الشيوعية حريصة كل الحرص على مساعدة الحزب الاشتراكي الياباني .. كما يزعج قادة بكين نشاط اليابانيين في توسيع رقعة نفوذهم السياسي والاقتصادي في كل من كوريا وفورموزا .. ولذلك فإن بكين تركز دعايتها في دول جنوب شرق آسيا على أن اليابان دولة عدوانية وقوة عسكرية لها تاريخها الحافل في القارة الآسيوية .. وربما تساعد جهود أميركا لتحسين العلاقات مع الصين في دفع اليابان لتعيش هذه الصورة القاتمة التي دفعتها بها الدعاية الصينية وذلك بتبني السياسة اليابانيين الجدد سياسة مستقلة نحو آسيا ومثل هذه السياسة المستقلة سوف تعني ولا شك أن تزيد اليابان من تسلحها الأمر الذي لا تنظر إليه أميركا ودول آسيا المطلة على الباسفيك بعين الرضا ..

وعلى الرغم من أن الشعور المعادي لبعث الروح العسكرية في اليابان ما زال قويا إلا أن الرئيس نيكسون أعلن أنه يعتزم عقد اجتماع رسمي مــع الإمبراطور هيروهيتو في الشهر القادم لإزالة كل أسباب الخلاف وسوء التفاهم ..

ولكن الاجتماعات الهامة سوف تكون بين رجال الاقتصاد والأعمال في البلدين سواء على مستوى الوزراء أو على المستوى غير الرسمي بين كبـار الرأسماليين في كل من طوكيو وواشنطن حيث توضع أسس التعايش الاقتصادي بين البلدين ...

 

 

 

    •  
الرابط المختصر :