العنوان ماذا وراء الدعوة لزيارة الـقدس؟
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-2001
مشاهدات 81
نشر في العدد 1437
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 06-فبراير-2001
لا يزال فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي حريصًا على إثارة الرأي العام المصري والعربي والإسلامي كل حين، فما إن تهدأ العواصف بعد فتاواه أو مواقفه حتى تتجدد، وتهب الرياح العواتي نتيجة لآرائه وتصريحاته.
وآخر ما صدم به الرأي العام تأييده لدعوة فردية أطلقها أحد مسؤولي السفارة الفلسطينية في القاهرة (د. بركات الفرا) يدعو فيها المسلمين لمساندة إخوانهم في القدس بزيارة المسجد الأقصى للصلاة فيه ولدعم المقدسيين بالتبادل التجاري معهم فضلًا عن الدعم المعنوي.
واقتصر تأييد هذه الدعوة على د. حمدي زقزوق -وزير الأوقاف، ود عبد الصبور مرزوق- أمين المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وكان ذلك في ندوة عقدتها أمانة الجامعات الإسلامية في الأزهر، وجاءت توصيات الندوة لتخفف من وقع الصدمة، حيث أشارت إلى أن المسلمين عليهم أن يستجيبوا للدعوة إذا تمت تحت إشراف الأمم المتحدة، وكانت الزيارة بإذن منها وليس من سلطات الاحتلال الصهيوني.
ثم تتالت ردود الفعل الغاضبة والساخطة على هذا التراجع الغريب الذي يشرخ الصف الإسلامي المساند لتحرير القدس كاملة، بل وفلسطين كلها من النهر إلى البحر كموقف فقهي أصيل تم تأكيده على مر السنين المتوالية رغم الموقف المتراجع للحكومات التي تسببت في ضياع فلسطين ثم القدس والمسجد الأقصى.
شيخ الأزهر لماذا؟ من الواضح أن شخصية شيخ الأزهر محل دراسة ومتابعة، وأن هناك تركيزًا صهيونيًا على الاستفادة قدر الإمكان من وجوده على رأس أكبر مؤسسة علمية إسلامية سنية.
وشيخ الأزهر منذ كان مفتيًا وهو يثير الزوابع بمخالفة الفتاوى والمواقف السابقة لأسلافه، بل نجح اليهود في فتح قاعات مشيخة الأزهر ليعقدوا فيها لقاءات تحت شعار «حوار الأديان»، وهو مشروع مشبوه حوله علامات استفهام كثيرة.
وقد أثار الشيخ -من قبل- الدنيا عندما شق صف الفقهاء بفتاوى إباحة فوائد البنوك، وتتالت مواقفه حتى كان آخرها صفعه المواطن مصري يستفتيه في صحن الجامع الأزهر حول الموقف من الانتفاضة الأخيرة، مما جعل المواطن يلجأ لتحرير محضر ضده في قسم الشرطة، حيث تعرض للتعذيب على يد الشرطة، وكانت فضيحة نشرتها الصحف في حينها.
وفي المقابل كان موقف الأنبا شنودة الثالث -بطريرك الأقباط في مصر- مختلفًا، فعندما ألح عليه د. عبد الصبور مرزوق لتأييد الدعوة لزيارة القدس رفض ذلك، حدث هذا قبل المؤتمر المذكور ببضعة أسابيع مما يظهر أن هناك نية مبيتة لإثارة المسالة كبالون اختبار للرأي العام الإسلامي، ومازال موقف البطريرك كما هو، بينما تراجع شيخ الأزهر إلى المربع التطبيعي.
ردود الأفعال: رفض العلماء المصريون والعرب والمسلمون تأييد هذه الدعوة المريبة في هذا التوقيت العجيب.
وكانت أقوى الردود تلك التي صدرت عن الشيخ يوسف القرضاوي وعلماء الأردن الذين أصدروا فتوى تحرم زيارة المسجد الأقصى وهو تحت الاحتلال الصهيوني.
وكان موقف السياسيين المصريين الذين يقفون ضد التطبيع رائعًا، فأجمعوا على رفض هذه الدعوة المريبة.
لم يظهر أعضاء المؤسسة الدينية الرسمية في مصر مبررات واضحة لتأييد وجهة نظرهم، بينما فضح الرافضون خلفيات هذه الدعوة مما أدى إلى تراجع الشيخ مرة أخرى، فقال إنه لن يزور القدس ويصلي في المسجد الأقصى إلا بدعوة من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وهنا يحق للجميع أن يتساءلوا عن سر هذا التذبذب في موقف الشيخ، وهل يتحرك بوحي من نفسه واقتناع فكري أو فقهي؟ أم أن هناك من يدس لدى الشيخ هذه الأفكار العجيبة المريبة التي تثير الزوابع هنا وهناك، وتشغل الرأي العام، وتسبب البلبلة والاضطراب في صفوف الرافضين للمشروع الصهيوني؟
إن حائط الصد الأخير ضد المشروع الصهيوني هو الرفض الإسلامي الذي يستند إلى العقيدة الإسلامية، وإذا أراد اليهود والصهاينة أن يرسخوا وجودهم في أرض فلسطين فلا بد لهم من إزالة هذا الحاجز المنيع.
وقد عجز الجميع طوال قرون عن زعزعة الإيمان في نفوس المسلمين، ومهما ضعف الإيمان أو تأخر المسلمون فإن جذوة الإيمان سرعان ما تتقد من جديد، ويبعث الله لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها، من هنا كان هذا الأسلوب الجديد أي استمالة بعض الرموز الإسلامية للصف الصهيوني وتوظيفهم دون دراية منهم لخدمة المشروع الصهيوني، فهل أن لنا أن نفيق لهذا المخطط الجديد، وأن نفضحه على رؤوس الأشهاد لكي لا يستمرئ هؤلاء المضي قدمًا وراء المخططين؟
إن زيارة المسجد الأقصى -وكلنا يحن إليها- والصلاة فيه وهو تحت الأسر الصهيوني إقرار بالاحتلال وممارسة للتطبيع مع العدو، ولن يفيد إخواننا المقدسيين في شيء.
إن دعم الفلسطينيين طريقه واضح معنويًا وماديًا، وإن الحق واضح أبلج، وإن الباطل زهوق لجلج، وإن مواجهة هذه الدعوات المريبة سيجعلها تموت في المهد بدلًا من الانشغال بها عن قضيتنا الرئيسة، والله أكبر من كيد الكائدين.