; عرفات.. التنازل عن المنظمة مقابل الاحتفاظ بالزعامة | مجلة المجتمع

العنوان عرفات.. التنازل عن المنظمة مقابل الاحتفاظ بالزعامة

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-سبتمبر-1993

مشاهدات 76

نشر في العدد 1065

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 07-سبتمبر-1993

في تطور أدهش جميع المراقبين الدوليين للقضية الفلسطينية أعلنت قيادة المنظمة بزعامة ياسر عرفات وإسرائيل أنهما اتفقا على ما يسمى بمشروع «غزة - أريحا أولاً» وذلك بعد عامين من المحادثات التي لم تثمر شيئاً. وجاء هذا الإعلان ليفسر الخلاف الذي حصل بين أعضاء وفد مفاوضات مدريد وقيادة المنظمة، إذ إن ياسر عرفات قد أرسل عضو اللجنة التنفيذية أبو مازن من وراء ظهر الوفد ليجري مباحثات سرية مع بيريز وزير خارجية "إسرائيل" خارج إطار مباحثات مدريد واشنطن.

والأمر المدهش أن ما قبلت به قيادة المنظمة -والذي لاقى معارضة شديدة في الساحة الفلسطينية- في مدريد إسبانيا وواشنطن أمريكا قد تنازلت عنه مرة أخرى في أوسلو بالنرويج، والذي ينظر لما نجم عنه الاتفاق يرى بوضوح الدوافع والحسابات التي تحرك الطرفين. من جهة "إسرائيل" فقد عجزت عن القضاء على روح المقاومة وخاصة في غزة لسببين:

1- قدرة حماس الفائقة على إعادة تنظيم نفسها بسرعة بعد كل ضربة قوية.

2- استمرار حالة الفقر المدقع نتيجة سياسات الاحتلال عبر عقود لقتل أي نهوض اقتصادي فلسطيني ولقلة الموارد في القطاع الذي يقطنه غالبية من السكان اللاجئين الذين طردتهم "إسرائيل" من أراضيهم في عامي 1948 و1967م.

ولذلك تأمل "إسرائيل" أن ترمي مسؤولية السكان لزعامة فلسطينية تدعمها "إسرائيل" من أجل الحفاظ على الهدوء والاستقرار؛ أو بمعنى آخر فإن الغضب الشعبي المتراكم عبر عقود سيجد أمامه الآن سلطة فلسطينية وبزعامة لها تاريخ نضالي بدل قوات احتلال يمكن مواجهتها، لكن "إسرائيل" تبقى على سيطرتها على الأمن والحدود والخارجية والأرض والموارد التي عليها، وبهذا تكون قد تخلصت من مواجهة ثورة الغضب في غزة، لكن كل هذه الحسابات كانت متضمنة في إطار مدريد للحكم الذاتي.

وكان هذا الإطار يعطي الفلسطينيين القدرة على إدارة خدماتهم التعليمية والصحية والبلدية في كل القطاع والضفة ما عدا القدس الشرقية، فما الجديد؟ ولماذا يقبل الفلسطينيون من رابين الحمائمي أقل مما رضي شامير «المتشدد» أن يعطيهم؟ الجديد بكل صراحة هو التعامل مباشرة مع ياسر عرفات وأبو مازن وبسام أبو شريف ونبيل شعث، لقد كانت المنظمة سابقاً تقول إن القبول بمدريد هو من باب مجاراة الوضع العربي الراهن وإنه يصب في المرحلية في تحقيق هدف التحرير، وإذ بها الآن تعلن أنها ستلغي هدف التحرير خلال أسابيع وتسقط من الميثاق كذلك حق المقاومة لشعب تحت احتلال من أجل أن تعترف "إسرائيل" بالمنظمة وتسمح لزعامتها بالانتقال لداخل الأراضي المحتلة لتتولى سلطة الحكم الذاتي المحدود «وليس الحكم الذاتي كما كان في مدريد»، وبمعنى آخر فإن المنظمة ستلغي الهدف الذي قامت من أجله رسمياً من أجل الاعتراف بها من قبل العدو الذي قامت لتقاومه، ويقوم الآن ياسر عرفات بجولة على الدول العربية لتسويق المشروع والدفاع عنه بعد أن أعلنته "إسرائيل" وتناقلته الصحف الغربية.

ومن مفارقات الزمان أن رابين الذي كسب في هذه الصفقة الاحتفاظ بالضفة الغربية عدا أريحا كورقة لإرغام السلطة العرفاتية القادمة على تأديب الشعب أو تهدئته في مقابل إعطاء صلاحيات بلدية في مناطق أخرى، يعلن رابين أنه قدم تنازلات من أجل السلام بينما يصر عرفات في القاهرة بالأمس -بعد أن أُعلن عن خطط تعديل الميثاق لصالح شطب هدف تحرير فلسطين وإلغاء الكفاح المسلح- بأنه لم يقدم تنازلات.

ومن جانب آخر فقد أعلن السيد نايف حواتمة في لقاء مع هيئة الإذاعة البريطانية بالأمس أن التطورات المدهشة لم تكن حتى على جدول أعمال لقاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير المجتمعة في تونس، ولكن توارد الأخبار جعل الموضوع يفرض نفسه على الاجتماع، وقد أعلن أحد عشر (11) عضواً حاضراً من مجموع أربعة عشر (14) في الاجتماع رفضهم للفكرة من أساسها وبشكل قاطع، لكن عرفات يبدو واثقاً مما أعلنه في القاهرة من أن المنظمة ستعدل بنود الميثاق التي تتعارض مع اتفاق «غزة - أريحا» الذي سيوقع خلال أيام في واشنطن عن طريق الوفد الفلسطيني الذي لم يشارك في مفاوضات الاتفاق.

وحسب ميثاق «م.ت.ف» فإن التعديل يتطلب موافقة المجلس الوطني الفلسطيني الذي يفوق عدده الأربعمائة عضو، فهل يستطيع عرفات تجميع أربعمائة قيادي فلسطيني للتوقيع على إنهاء هدف تحرير فلسطين؟

إن كل ما يجري يعني أن محنة التشرد لفلسطينيي الخارج لن تعود لمنظمة تتبنى مسؤوليتها حسب التعديل المزمع. فهل سيتمكن عرفات من حشد نخبة من فلسطينيي الخارج للإعلان عن إسقاط حقهم في العودة وواجبهم تجاه القدس والأقصى؟ وأين دور حماس والمعارضين الفلسطينيين ومسؤوليتهم التاريخية؟ وأين الشعوب العربية والإسلامية ومسؤوليتهم تجاه أرض الإسراء والمعراج بعد أن تخلت زعامة ياسر عرفات عن المسؤولية من أجل التربع على سلطة الحكم الذاتي المحدود؟ هل يدرك العرب والمسلمون خطورة ما يجري؟ اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد.

الرابط المختصر :