العنوان العراق.. من مستبد إلى مستعبد
الكاتب داود حسن
تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2003
مشاهدات 100
نشر في العدد 1547
نشر في الصفحة 44
السبت 19-أبريل-2003
فوجئ المراقبون والمتابعون للعدوان الأمريكي على العراق بتلك النهاية المأساوية السريعة والغامضة للنظام هناك، ففي الوقت الذي كان الجميع وخاصة البسطاء في العالم العربي ينتظرون المفاجأة التي أعدها صدام حسين للأمريكان في بغداد، والتي وصفها بانتحارهم على أسوار عاصمة الرشيد، إذا بنا نفاجأ باختفائه في ظروف غامضة ودخول جحافل القوات الأمريكية ضواحي العاصمة وسط ذهول الملايين الذين شاهدوا الاقتحام السهل لأسوار بغداد.
منظر يشبه الإعادة لنفس سيناريو سقوطها سنة ٦٥٦هـ (١٢٥٨م) على يد القائد المغولي هولاكو الذي هدم أسوارها بالمنجنيق، وحصد أرواح سكانها وأحرق مكتباتها العامرة، حتى لم يعد ممكنًا الإقامة فيها لشدة روائحها المنفرة.
وقد يتشابه مصير صدام مع قصة الخليفة المستعصم الذي خرج لهولاكو مستسلمًا بصحبة ثلاثمائة من أصحابه وقضاته ليسلمه بغداد دون شروط، فأمر الأخير بقتلهم جميعًا، لتطوى صفحة عاصمة شهدت خمسة قرون من العلم والفتوحات والإبداع والإخفاق أيضًا، على يد ٣٧ خليفة من عمر الخلافة العباسية.
الأمر يبعث على الكثير من التعجب، ويثير الأسئلة الصعبة التي تحتاج إلى إجابات قد لا يسعفنا الزمن في الإجابة عنها، وربما قد تدفن مع من يملكون الإجابات مثل صدام نفسه وكبار مساعديه الذين كنا نراهم في اجتماعات سرية عبر القنوات الفضائية لا نعلم إن كانوا صوروها في المخابئ التي تحصنوا فيها، أم أنها صورت لهم وهم رهن الاعتقال الأمريكي؟
من الصور المتناقضة التي تعتبر من عجائب الدنيا، تلك المشاهد التي بثتها وسائل الإعلام للسلب والنهب والغوغاء وهم يستحلون كل شيء وحجم الكراهية للنظام، وهم الذين قبل ذلك بساعات كانوا يسبحون بحمد صدام، ولعل أبلغ وصف لهذا المشهد ما قاله الكواكبي في كتابه ذائع الصيت «طبائع الاستبداد»: «العوام هم قوت المستبد وقوته بهم، عليهم يصول، وبهم على غيرهم يطول، بأسرهم فيهللون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقاء الحياة، ويهينهم فيثنون على رفعته ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف بأموالهم يقولون عنه إنه كريم، وإذا قتل ولم يمثل يعتبرونه رحيمًا ويسوقهم إلى خطر الموت فيطيعونه حذر التأديب، وإن نقم عليه منهم الأباة قاتلوهم كأنهم بغاة».
كان العراقيون يعلمون مدى دكتاتورية صدام ومدى سطوته عليهم لكنهم لم يكونوا يعرفون كيف ينتقمون منه في حياته فانتقموا منه ومن أنفسهم ومن كل ما يرمز له بالسلب والنهب وتحطيم تماثيله وصوره خشية أن يعود للحياة مرة أخرى.
كما اكتشف الناس مدى الهشاشة التي تعشش في أركان النظام وربما نظم مماثلة، لقد خدع الناس بأنه سيقاوم وأن لديه الكثير من قوة الإيمان لمواجهة العدوان والاحتلال القادم لبلاده.. ثم كان ما كان!
لكن الحقائق بما مثلته لنا من مفاجأة الصدمة ما كانت لتلفتنا عن حقيقة النوايا الأمريكية والصهيونية في العراق، ونفطه وخيراته، وهو ما ظهر من ترك القوات الأمريكية كل شيء يحترق ويسلب وينهب دون أن توقف الغوغاء عن ذلك، واكتفت بتأمين آبار النفط ووزارة النفط من بين كل الوزارات والمصالح الحكومية الأخرى!.
نصيحة إلى العراقيين لا تنتظروا الكثير من الولايات المتحدة، فتاريخها في التدخل في شؤون الدول الأخرى لا يبشر بخير، وسيظهر ذلك عندما يفيق من سكروا بنشوة انهيار نظام صدام، فالمصالح الأمريكية أكبر وأهم، وهنا أشير إلى أن الحكومة الأمريكية تدخلت منذ عام ١٩٤٥م حتى نهاية القرن الماضي مرارًا في شؤون دول أخرى في العالم وسعت للإطاحة بأكثر من أربعين حكومة وسحق أكثر من ثلاثين حركة وطنية تناضل ضد نظم حكم قمعية، وفي سبيل تحقيق ذلك قتلت وشردت الملايين.
ما جرى في العراق بهذه السرعة بعد القسوة التي استخدمتها أمريكا لإسقاط النظام والتي لا نعلم إلا القليل من أبعادها، سيشجع واشنطن على الضغط على العرب لمزيد من الاستسلام، وأول الضحايا.. سورية التي تمارس عليها ضغوطًا مباشرة من أجل الاعتراف بالاحتلال وطرد المنظمات المجاهدة من أراضيها وفك ارتباطها بلبنان وحزب الله.
والفلسطينيون من أجل توقيع «خطة الطريق» بعد تعديلات شارون المائة عليها، وموافقة العديد من القادة العرب عليها مقدمًا.
وهناك أهداف أخرى بالجملة في الطريق بعد حصد فوائد العدوان لعل منها ضرب أوبك وأسعار البترول، وهو ما يفسر إصرار الولايات المتحدة على العمل لاستئناف ضخ النفط من الآبار الجنوبية في العراق، وتوقيع عقود إعادة الإعمار لشركات المقاولات الأمريكية.
مساكين أهل العراق.. فما كادوا يتخلصون من مستبد حتى وقعوا في براثن مستعبد أخر أكثر شراسة وجشعًا، يقول الكواكبي:
«ما أشبه المستبد في نسبته إلى رعيته بالوصي الخائن القوي على أيتام أغنياء يتصرف في أموالهم وأنفسهم كما يهوى ما داموا قاصرين، فكما أنه ليس من صالح الوصي أن يبلغ الأيتام رشدهم كذلك لا يريد المستبد أن تتنور الرعية بالعلم».