; «القاصية».. شاة الذئب | مجلة المجتمع

العنوان «القاصية».. شاة الذئب

الكاتب سالم الفلاحات

تاريخ النشر السبت 06-نوفمبر-2010

مشاهدات 73

نشر في العدد 1926

نشر في الصفحة 66

السبت 06-نوفمبر-2010


تختلف الآراء والأفهام وتتعدد زوايا النظر للمشهد الواحد، لتكتمل الصورة على حقيقتها، ولئلا يبقى الإنسان حبيساً لانطباع واحد، حتى ولو توهم أنه هو الحقيقة الكاملة. لكن التحزب للرأي الشخصي شيء آخر حتى لو كان يظن أنه الأصوب، فهو على مقربة من الهوى إن لم يكن الهوى نفسه.

فعندما تبلغ القلوب الحناجر ويقترب خطر الموت أو بطش العدو يفر بعضهم طلبا للنجاة، ولا شك إنه من دافع الحرص الشديد على الحياة، لكن من يقنع المتفرد بقراره، إنه يبحث عن حتفه بظلفه، وهو يظن أنه أصوب من المجموع المشهود له بالنجاة، وعدم الاجتماع على الضلالة؛ لأن قطرات الخير مهما صغرت تتجمع فتكون ماء طاهراً.

ولا بأس بهذا المثال، فقد استخدمه النبي بقوله: «عليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» فيقرر الرسول أن القاصية ليست من حظ نفسها، ولن تكتب لها السلامة التي تطلبها.

وليس للذئب مهما توحش وبلغ أذاه كما لن يفعل العدو مهما بلغت عدته ومكره في الجماعة إلا الأذى فقط، الأذى المحتمل والمقدور عليه، والذي هو منحة لا محنة وصدق الله العظيم ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ۖ (آل عمران : ۱۱۱).

إنما الفريسة الأسهل للذئب والعدو مهما كان ضعفهما هي فقط من أنفرد وذهب مكاناً قصياً بحثاً عن نجاة لا يدركها بل ليدرك الهلاك عندها.

 

سبحان الله حتى لو كان المستهدف من أضعف المخلوقات التي لا بأس لها ولا مخالب ولا شوكة، ولو أقتحمها لأخذ ما شاء منها، لكن هيبة المجموع توهنه وترهبه ولا ينال منها إلا القاصية، حتى لو كان الأقوى والأسرع والأذكى.

القصي والأقصى والقاصي تشير إلى البعد والانعزال والانفراد عن المحبوب والمستأنس به.

«فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً».. قصياً عن الناس والأنظار والمساكن والمأهولات؛ لئلا يراها الناس الذين تأنس إليهم في العادة.

لذا، فإن الرابح الذي لا ينفرد برأيه عن الناس، وكيف إذا كان الناس أخلص الناس أو من أخلصهم؟! والعصمة لا تكون إلا لنبي»، لكن باب التوبة عند الله واسع بل هو الأوسع ولا يغلق حتى تشرق الشمس من مغربها، أو يغرغر العبد، وكلاهما لم يقع بعد.

اتهام الإنسان لرأيه منجاة، وتعظيمه لاجتهاده مهلكة ومفسدة والعياذ بالله، والله هو القائل: ﴿فَلَا تُرَكُوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أعْلَم بِمَن اتّقّى (النجم: 32).

وقد علمنا الله حتى مع الوضوء والطهارة واستقبال القبلة والنية والإحرام أن نقول ولو كنا منفردين في الصلاة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (الفاتحة: 6) بصيغة الجمع حتى لمن كان وحده، فسبحان الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم.. شريطة أن يستعد للتلقي.

فيا ذرة تائهة سابحة في الفضاء الواسع لا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه، والشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد والثلاثة ركب والله خير وأبقى.

 

إننا نشفق على من ترك الظلال الوارفة والمحاضن الطاهرة والمجالس التي تتنزل عليها السكينة وتغشاها الرحمة، ليدخل في دهاليز لا يعرف منتهاها ولا يرى منها إلا المدخل الذي يقدم فيه رِجلًا ويؤخر أخرى، ثم يغمض عينيه ويسلم نفسه للمجهول، لم تفت الفرصة بعد، فالمراجعة ولأدنى سبب من خلق الواثقين، فما بالك بالأمور الكبيرة التي تتعدى الشخص نفسه، وعندما تكون المقاربة بين الشمس والظل والليل والنهار وصحيح أن لكل موقف ثمنًا، وبحجم الموقف وعظمته وبإمكان الكبار الأصلاء تقديم الثمن المطلوب مهما بلغ، والرجوع إلى الحق فضيلة، وصلاة المنفرد خلف الصف مخاطرة مشكوك في قبولها، وليحرص الذين نعرف أنهم على صلاتهم يحافظون أن يعتدلوا في الصف المبارك، لئلا تختلف قلوبهم وهم لا يشعرون ومن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه كل شيء، ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (ق: 37).

يا الله، نسألك العفو والعافية.. جنبنا الزلل.. وثبت على الحق أقدامنا.. ولا تفجعنا بعزيز عليك.. وردنا إليك ردًا جميلًا.. وجنبنا الهوى والزيغ.. وامنحنا القدرة على المراجعة.

الرابط المختصر :