العنوان سنغافورة.. "إسرائيل" جنوب شرق آسيا
الكاتب أحمد دمياطي بصاري
تاريخ النشر السبت 29-يونيو-2002
مشاهدات 91
نشر في العدد 1507
نشر في الصفحة 40
السبت 29-يونيو-2002
لم يخطئ الداعية المسلم أبوبكر بامعلم باعشر عندما شبه في كثير من لقاءاته الصحفية وضع سنغافورة في جنوب شرق آسيا بإسرائيل في قلب الدول العربية والإسلامية، إنها دويلة مزروعة من قبل الغرب وخاصة الإنجليز، لتصبح شوكة في قلب المسلمين بالدولتين المجاورتين لها.. ماليزيا وإندونيسيا.
وكان رئيس الوزراء الماليزي، محاضير محمد، كلما استاء من نظيره السنغافوري السابق لي كوانيو بسبب مواقفه، يهدده بإنشاء مضيق صناعي في منطقة شبه الجزيرة، لتحويل ممر التجارة العالمية من المحيط الهندي إلى المحيط الهادي بعيدًا عن سنغافورة، مما اضطر لي كوانيو إلى الصمت لمدة طويلة خشية وقوع شبح مشروع محاضير الذي سيؤدي بالتأكيد إلى إفلاس سنغافورة.
لي كوانيو عاود إثارة القلاقل مرة أخرى لكن مع إندونيسيا، فقد صرح لصحيفة دي ستريت تيم الحكومية (18/2/2002م) قائلًا: لن تستقر سنغافورة وتتمتع بالأمن مادام الإرهابيون أحرارًا في إندونيسيا، وجاء هذا التصريح بعد أيام من نشر سلطات سنغافورة الوثائق التي أطلق عليها «وثائق جبريل»، وهي تحتوي على ١٥ صفحة مملوءة باتهامات للجماعة الإسلامية الإندونيسية المتمركزة في قرية ويتان نوسوكان في مدينة سولو بـ جاوة الوسطى، وهي مدينة الشيخ أبوبكر باعشر، وتتهم الوثيقة الجماعة بالتخطيط لتفجير مواقع تتصل بالمصالح الأمريكية في كل من: ماليزيا، وإندونيسيا، وسنغافورة، والفلبين في ٤ ديسمبر الماضي.
والواضح أن سنغافورة تمارس بنشر هذه الوثيقة ضغوطاً مشددة على حكومة جاكرتا، لاعتقال المتهمين من قبل أمريكا، وسنغافورة وماليزيا، والفلبين، بعد فشل كل الضغوط الأمريكية والأسترالية لإجبار جاكرتا على تأييد أمريكا في حربها ضد ما يسمى بالإرهاب.
في ظل هذه الأجواء، جاء اتهام لي كوانيو لإندونيسيا بأنها معقل الإرهابيين، ضاغطاً من جديد لسحبها كي تكون في صف واشنطن، لكن هذه الاتهامات قوبلت بغضب وإدانة، فقد سارع المجلس الإندونيسي للمجاهدين بإصدار تصريح صحفي رسمي يشجب فيه هذه التصريحات، ويدين موقف الحكومة السنغافورية في هذا الصدد، وطالب المجلس لي كوانيو بالعدول عن تصريحاته المضللة، التي يمكن أن تسبب فتنة، وقال رئيس اللجنة التنفيذية للمجلس لمجلة «سبيلي» الإسلامية: سنغافورة هي دولة الإرهاب الحقيقية، وليست الجارة (إندونيسيا) الطيبة، ولأنها عميلة أمريكا فمن الضروري أن تروج مثل هذه الأكاذيب عن علاقة إندونيسيا بالإرهاب، لدفع إندونيسيا للقضاء على الحركات الإسلامية بها.
ویرى رئيس حزب العدالة الدكتور هداية نور وحيد، أن «لي» يبث هذا الإرهاب عمدًا، ولذا فإن على الحكومة الإندونيسية مراجعة علاقتها بسنغافورة، التي لا تعود بفائدة عليها، بل إن سنغافورة تستغل ثروات إندونيسيا من أجل مصالحها، وأشار إلى أنها أصبحت نقطة انطلاق للمصالح الأمريكية والصهيونية في جنوب شرق آسيا.
وأشار الأمين العام لهيئة التضامن للعالم الإسلامي، أديان حسيني، إلى أن سنغافورة كان لها موقف سيئ من إندونيسيا بحماية كبار التجار الإندونيسيين الذين فروا إليها ذوي أصول صينية عقب الإطاحة بسوهارتو، كما كان لها الموقف نفسه من أموال كبار الشخصيات الإندونيسية في سنغافورة، ولم تبد أي رغبة للتعاون مع الحكومة الإندونيسية في التحقيقات التي أجرتها بهذا الشأن، كما لم تستجب لطلب إندونيسيا تسليم هؤلاء، وأشار إلى أن هذا نوع آخر من الإرهاب الذي لا يقل خطورة وضرراً وحسب المعلومات التي حصل عليها أديان، فإن سنغافورة تحتفظ بما لا يقل عن ٨٠ مليار دولار من أموال إندونيسيا سلبها التجار الهاربون في أعقاب الأزمة السياسية الأخيرة في البلاد. وقد بذلت الحكومة مساعيها للوصول إلى اتفاق مع سنغافورة لترحيل المطلوبين، لكن الأخيرة لم توافق لعلمها جيداً أن المستهدفين في هذا الصدد هم كبار التجار الإندونيسيين الذين فروا إليها ذوي أصول صينية عقب الإطاحة بسوهارتو، كما كان لها الموقف نفسه من أموال كبار الشخصيات الإندونيسية في سنغافورة، ولم تبد أي رغبة للتعاون مع الحكومة الإندونيسية في التحقيقات التي أجرتها بهذا الشأن، كما لم تستجب لطلب إندونيسيا تسليم هؤلاء، وأشار إلى أن هذا نوع آخر من الإرهاب الذي لا يقل خطورة وضرراً وحسب المعلومات التي حصل عليها أديان، فإن سنغافورة تحتفظ بما لا يقل عن ٨٠ مليار دولار من أموال إندونيسيا سلبها التجار الهاربون في أعقاب الأزمة السياسية الأخيرة في البلاد. وقد بذلت الحكومة مساعيها للوصول إلى اتفاق مع سنغافورة لترحيل المطلوبين، لكن الأخيرة لم . توافق لعلمها جيداً أن المستهدفين في هذا الصدد هم كبار التجار الذين تمتعوا بحرية فائقة في هذه الدولة الصغيرة، لأنها تستفيد بمليارات الدولارات من بقائهم هناك.
وشهدت السفارة السنغافورية في جاكرتا العديد من المظاهرات من قبل المنظمات الدينية والهيئات الوطنية، كما تظاهر الطلبة في الجامعة الحكومية بمدينة ريو» القريبة من سنغافورة، مطالبين الحكومة السنغافورية يسحب تصريح رئيسها الأسبق، وإلا فإنهم سيقومون بتهديد كل مواطن سنغافوري يقيم في تلك المدينة وما جاورها، ثم طردهم منها عاجلاً.
ردود أفعال الحكومة
وزير الخارجية الإندونيسي، حسن ويرابودا اعتبر هذا التصريح إشاعة رخيصة، لكنه بعد أيام، تراجع عن تصريحه، معللاً ذلك بأن ردود أفعال إندونيسيا القوية قد تتسبب في الإساءة للعلاقة الثنائية بين البلدين، وقد تواكب ذلك مع صمت الرئيسة ميجاواتي إزاء هذه القضية بالرغم أنها المسؤولة الأولى في التعامل مع هذه القضية بالذات... هذا الموقف شبه الميت دعا أمين رئيس - رئيس مجلس الشورى - للقول إن الحكومة لم تتخذ أي موقف حاسم ولائق إزاء اتهام لي» بالمقارنة بالخبراء السياسيين وقيادات الجمعيات الذين أجمعوا على رفض تصريح لي ووصفوه بأنه يحمل عقدة الاستعلاء. وتساءل الدكتور نذر الدين شمس الدين، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الإندونيسية، عما تخشاه الحكومة إن اتخذت موقفاً جريئاً حيال هذه التصريحات، ويرى أن سنغافورة التي ليست أكبر من جاكرتا، كانت ولا تزال تتلاعب بسياسة إندونيسيا، وتمتص اقتصادها، فلماذا هذا الموقف الضعيف وأكد أن سنغافورة تعصر اقتصاد إندونيسيا من خلال التجار الصينيين وشبكتهم الواسعة المنتشرة في جنوب شرق آسيا، وتعطي الحماية التامة للتجار الأشرار الذين فروا من إندونيسيا
تنطلق منها حملات الضغط على إندونيسيا لضرب الحركات الإسلامية وتلعب دورا في نزح الاقتصاد
تاريخ التوتر بين سنغافورة وإندونيسيا
عرفت سنغافورة في الماضي لدى الممالك المجاورة باسم توماسيك، وهي منطقة مالاوية تشكل ممراً رئيساً للتجارة العالمية، وفي عام ۱۸۱۹م، با در توماس ستامبوت رافليس قائد البحر الإنجليزي، لتهيئة توماسيك لتكون معقلاً للقوات الإنجليزية، فقام بتأسيس مركز للتجارة هناك بعد تمكنه من استئجار المنطقة من أحد أمراء مالاوي، وأصبحت في أواخر القرن ۱۹ مركزاً للتجارة المكثفة والنشيطة، واستمرت إنجلترا في السيطرة على توماسيك حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية، وخاصة بعد أن أجبرت القوات اليابانية قوة الحلفاء على مغادرة المنطقة. وبدأت اليابان بالقبض على مقاليد الحكم عليها في ١٥ فبراير ١٩٤٢م، فغيرت اسم توماسيك به شونان التي تعني النور من الجنوب، لكن اليابان لم تبق هناك طويلاً بعد هزيمتها أمام قوات الحلفاء في العام ١٩٤٥م، فأصبحت سنغافورة مستعمرة إنجليزية، ثم جزءاً من ماليزيا قبل أن تنفصل عنها، ثم استقلت في ١٦ سبتمبر عام ١٩٦٣م، واعترفت الأمم المتحدة باستقلالها، وقبلتها في عضويتها بأغلبية الأصول الصينية في ٢١ سبتمبر ١٩٦٥م.
وكما يقول حيري نوردي في مجلة سبيلي الإسلامية في عام ١٩٤١م وقعت إنجلترا اتفاقية مع أمريكا تؤجر بمقتضاها سنغافورة، ومنذ ذلك الحين، أصبحت سنغافورة بركة للمستعمر الذي حرص على ألا تؤثر إندونيسيا عليها، باعتبارها أكبر دولة مجاورة، فتأمرت الإثارة المشكلات بين الطرفين بشكل مكثف ومنذ ذلك الحين، ظلت العلاقة بين إندونيسيا وسنغافورة فاترة ومتقلبة لكن التوترات بلغت ذروتها بعد اعتقال سنغافورة اثنين من قادة القوات البحرية الإندونيسية عام ١٩٦٥م (عثمان وهارون) بتهمة التجسس والإرهاب، وهي الحادثة التي عرف بحادثة عثمان وهارون وحكمت سنغافورة عليهما بالإعدام متجاهلة طلب العفو الخاص من الرئيس الإندونيسي الأسبق، سوهارتو، وتجمدت العلاقة الثنائية بين البلدين لسنوات عدة، ولم يحركها سوى زيارة لي كوانيو لإندونيسيا عام ۱۹۷۰م، وزيارته لقبري عثمان وهارون
وقد أثار لي.. الرئيس الإندونيسي الأسبق حبيبي عندما قال: إن استلام حبيبي مقاليد الحكم سيتسبب في ارتفاع قيمة الدولار إلى ... الف روبية مقابل الدولار، فرد حبيبي واصفاً سنغافورة بأنها ليست بشيء، فهي عبارة عن نقطة صغيرة في البحر، وقد كذب الواقع توقعات لي، بل إن حبيبي تمكن بفضل الله من تخفيض القيمة من ١٥ ألف روبية إلى ٦ آلاف روبية مقابل الدولار.
مخاطر سنغافورة على جيرانها يمكن حصر بعضها فيما يلي:
ا- حماية عمليات التهريب، وذلك واضح من خلال التفاوت الكبير في قيمة الصادرات الإندونيسية إلى سنغافورة، إذ إن الإحصاءات الإندونيسية تقدرها نحو ٥.٧١ مليار دولار ولكن هيئة التنمية التجارية السنغافورية تقول إن قيمة الواردات من إندونيسيا نحو 9.02 مليار دولار، فهناك إذا فرق واضح بين الإحصائيتين يصل إلى نحو 3.31 مليار دولار فسنغافورة تحمي التهريب من إندونيسيا، خاصة بعض المحروقات والرمال، لأن سنغافورة تقوم بمشروع توسيع مساحتها الذي يحتاج إلى نحو ١.٦١ مليار متر مربع من الرمل، وفي الوقت نفسه تهرب البضائع الإلكترونية والأسلحة والمتفجرات إلى المناطق الملتهبة.
۲- حماية كبار التجار الهاربين من إندونيسيا الذين اقترضوا من البنك الإندونيسي المركزي ما لا يقل عن 97.7 تريليون روبية وترفض سنغافورة كل مساعي إندونيسيا للوصول إلى توقيع اتفاقية لترحيل المطلوبين من كلا البلدين، وقد أدى ذلك إلى استقرار كل التجار المطلوبين هناك، ويتردد أن كل تاجر منهم دفع نحو 1.5 مليون دولار نظير ذلك.
3- تشكل سنغافورة محوراً أساسياً لمصالح الكيان الصهيوني، في جنوب شرق آسيا، وهي تعبر عن هوى الصهاينة في إزعاج الجيران دون أي تحفظات ويقول الخبير في الشؤون الاستخبارية، سوريبتو أصبحت سنغافورة عميلة إسرائيل وأمريكا في المنطقة، وقد قام الموساد الصهيوني بتدريب الأجهزة الاستخبارية السنغافورية التي تتعاون مع الموساد في مراقبة القوى الإسلامية في المنطقة.
ويؤكد رئيس الاستخبارات الإندونيسية الجنرال مولاني، أن سنغافورة أصبحت معقلاً مهماً لأمريكا وإسرائيل في المنطقة، ويتم بينهما تعاون استخباري وتهريب أسلحة للحركات الانفصالية في إندونيسيا، ويساعد الصهاينة سنغافورة في رفع كفاءتها الدفاعية، وترصد سنغافورة نحو 4.3 مليار دولار لميزانية الدفاع بالمقارنة إلى ٧٥٠ مليون دولار لميزانية إندونيسيا، كما أن أمريكا تقوي تجارتها ،وتحاول بناء قاعدة عسكرية هناك، وقد توصل الكيان الصهيوني وسنغافورة إلى اتفاق تعاون في مجال التجسس عبر الأقمار الصناعية وهكذا أصبحت أمريكا والكيان الصهيوني حليفتين السنغافورة تبادلاً للمصالح، وسعياً للهيمنة على المنطقة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل