; إرغام الشيطان في رمضان | مجلة المجتمع

العنوان إرغام الشيطان في رمضان

الكاتب د. ناجي عبدالله الخرس

تاريخ النشر الثلاثاء 02-مارس-1993

مشاهدات 34

نشر في العدد 1040

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 02-مارس-1993

إرغام الشيطان في رمضان

ناجي الخرس

اعلم أخي الصائم أن تأثير الشيطان في رمضان ضعيف، وهذا ما أشار إليه الحديث النبوي الشريف قال صلى الله عليه وسلم «إذا دخل شهر رمضان فُتِّحَت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين»(1).

 يقول القرطبي رحمه الله عن معنى سلسلت الشياطين بعد أن رجح حمله على ظاهره: «فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا، فلو صُفِّدت الشياطين لم يقع ذلك؟ فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه ورُوعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كلهم كما تقدم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره، إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم ألَّا يقع شر ولا معصية، لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية»(2).

 حتى قيل إن في تصفيد الشياطين في رمضان إشارة إلى رفع عذر المكلف، كأنه يقال له: قد كُفيت الشياطين عنك فلا تعتل بهم في ترك الطاعة ولا فعل المعصية. يقول ابن القيم عن عبودية المراغمة بعد أن ذكر ستًّا من العقبات التي يضعها الشيطان لإغواء الإنسان، ذكر في العقبة السابعة والأخيرة فقال رحمه الله: «فإذا نجا مما سبق لم يبق هناك عقبة يطلبه العدو عليها سوى واحدة لابد منها، ولو نجا منها أحد لنجا منها رسل الله وأنبياؤه، وأكرم الخلق عليه، وهي عقبة تسليط جنده عليه بأنواع الأذى، باليد واللسان والقلب، على حسب مرتبته في الخير، فكلما علت مرتبته أجلب عليه العدو بخيله ورَجِلِهِ، وظاهَر عليه بجنده، وسلط عليه حزبه وأهله بأنواع التسليط. وهذه العقبة لا حيلة له في التخلص منها، فإنه كلما جد في الاستقامة والدعوة إلى الله والقيام له بأمره جد العدو في إغراء السفهاء به. فهو في هذه العقبة قد لبس لَأْمَةَ الحرب، وأخذ في محاربة العدو لله وبالله، فعبوديته فيها عبودية خواص العارفين وهي تسمى عبودية المراغمة، ولا ينتبه لها إلا أولوا البصائر التامَّة، ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه، وإغاظته له. وقد أشار سبحانه إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه، أحدها: قوله تعالى ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ (النساء: 100) (3)، سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغمًا يُراغم به عدو الله وعدوه. والله يحب من وليه مراغمة عدوه، وإغاظته كما قال تعالى ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (التوبة: 120) (4). وقال تعالى في مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه: ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (الفتح: 29) (5)، فمغايظة الكفار غاية محبوبة للرب مطلوبة له، فموافقته فيها من كمال العبودية. وشرع النبي صلى الله عليه وسلم للمصلي إذا سها في صلاته بسجدتين وقال: «إن كانت صلاته تامة كانتا تُرغمان أنف الشيطان» (6)، وفي رواية: «ترغيمًا للشيطان» (7)، وسماها «المرغمتين». فمن تعبد الله بمراغمة عدوه فقد أخذ من الصديقية بسهم وافر، وعلى قدر محبة العبد لربه وموالاته لعدوه يكون نصيبه من هذه المراغمة. ولأجل هذه المراغمة حُمد التبختر بين الصفَّيْن والخيلاء، والتبختر عند صدقة السر حيث لا يراه إلا الله، لما في ذلك من إرغام العدو، وبذل محبوبه من نفسه وماله لله عز وجل، وهذا باب من العبودية لا يعرفه إلا القليل من الناس. ومن ذاق طعمه ولذته بكى على أيامه الأُوَل وصاحَبَ هذا المقام، إذا نظر إلى الشيطان ولاحظه في الذنب راغمه بالتوبة النصوح، فأحدثت له هذه المراغمة عبودية أخرى» (8).



 

الرابط المختصر :