; عبقرية «حماس» | مجلة المجتمع

العنوان عبقرية «حماس»

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر السبت 04-فبراير-2006

مشاهدات 57

نشر في العدد 1687

نشر في الصفحة 15

السبت 04-فبراير-2006

الحملة الإعلامية المكثفة التي تنذر الشعب الفلسطيني بالويل والثبور وعظائم الأمور بسبب انتخابه لحماس. تشبه إلى حد بعيد تلك الحملة التي انطلقت قبل ثمانية عشر عامًا عند ظهور حماس لأول مرة (1987/12/13).. فكم تم التحذير من أن الحركة تجر الويلات على الشعب الفلسطيني.. وكم تم التهوين من شأن الحركة واتهامها بـ سوء قراءة الواقع.. وضعف التجربة.. وافتقاد الإمكانات الضرورية لتقدير الموقف.. وتغليب نزعتها الذاتية وإعلاء مصلحتها للتنظيم «على مصلحة فلسطين بالطبع».. وتحمل الشعب الفلسطيني أخطاءها الفادحة..!! «وحيد عبد المجيد – الحياة - عدد 12/2 /۲۰۰۳م - على سبيل المثال».

 نفس الكلام يقال اليوم. فلغة الخطاب الإعلامي والسياسي خاصة في الغرب تصور فوز حماس على أنه نكبة على الشعب الفلسطيني فالمعونات ستتوقف وبالتالي سيموت الشعب من الجوع والمفاوضات لن تبدأ وبالتالي سيتم تجميد القضية، وستصاب الحياة الفلسطينية بالجمود تأديبًا للشعب الذي جرؤ واختار حماس!

والشاهد أن هناك جملة من الحقائق تتجسد أمامي في إطار تلك الحملة غير المسبوقة على حماس ينبغي التأكيد عليها لأولئك الذين فقدوا ذاكرتهم:

أولًا: أن حماس وعبر مسيرة ثمانية عشر عامًا منذ نشأتها(1987/12/13) قد أحدثت - ومعها قوى المقاومة الإسلامية والوطنية - انقلابًا في ساحة الصراع وفرضت واقعًا جديدًا على الأرض، فتجربتها المتواضعة في نظر الكثير من الحانقين على الصعيد العسكري هي التي أبدعت نظرية «توازن الرعب» مع العدو.. رغم اختلال ميزان القوة، الأمر الذي دفع الصهاينة إلى المسارعة إلى اتفاقيات أوسلو وأخواتها والتي هدفت جميعا إلى قطع الطريق على استمرار العمليات الاستشهادية، كما هدفت «الاتفاقيات والمؤتمرات» إلى إيجاد طرف فلسطيني - السلطة - يتعامل مع ظاهرة حماس ويتولى اجتثاثها، فلما فشلت السلطة حاق بها ما يجري.. وتم التخلص من رأس قيادتها ياسر عرفات. 

ثانيًا: فيما يتعلق بحماس كتنظيم وأيديولوجية فإن قراءة تراث حركات التحرر الوطني على امتداد التاريخ تؤكد أن تلك الحركات قامت على «تنظيم» يضبطها وأيديولوجية تحدد مسار نضالها وثوابته، فما العيب إذن أن يكون لحماس تنظيم تحافظ عليه وتحدد هي آليات ذلك وفق رؤيتها وثوابتها المنطلقة من أيديولوجيتها؟

لكن العجب يعترينا من اتهام بعض الكتاب لحماس بوضع التنظيم والأيديولوجية في كفة، وفلسطين، في كفة أخرى، وتلك معادلة غاية في الاعوجاج ولي الحقائق؛ فحماس ولدت بداية من رحم المحنة الفلسطينية، ونبتت في التربة الفلسطينية كضرورة فلسطينية أصيلة ولهدف واحد، ليس على الإطلاق إيجاد تنظيم أو الدعاية لأيديولوجية وإنما تحرير كامل التراب الفلسطيني.. فحماس «التنظيم والأيديولوجية» فداء لفلسطين.. وهل هناك أغلى من التضحية بالنفس في العمليات الاستشهادية لتحقيق هذا الفداء؟!

وإن المتأمل في مسيرة حماس يقف مشدوها أمام عبقرية الأداء والإنجاز معا، وسيجد بكل سهولة أن تلك الحركة تستمد رونقها وعبقريتها وحيويتها المتجددة من كونها شجرة طيبة، يشكل الإخلاص المكون الحيوي لبذرتها، فكان «أصلها ثابت» يستعصي على محاولات العدو وأزلامه اجتثاثها أو بترها.. وكان «فرعها في السماء» يصيب المنهزمين والمهرولين بالرهق والأرق كلما حاولوا أن يطاولوها. 

ثالثًا: على الصعيد السياسي استطاعت حماس بناء جهاز سياسي لا يقل قوة ووعيًا وبصيرة بالواقع والتحديات المحيطة بالقضية عن الجهاز العسكري. وقد خاض ذلك الجهاز معارك سياسية عديدة حقق فيها نجاحات باهرة وحافظ من خلالها على ثوابت الحركة ومبادئها ومن يراجع سجل نشاط الحركة السياسي على صعيد الحوار مع الفصائل أو صعيد العلاقات العربية نبتت وسرت في عروق ودماء والإسلامية يكتشف ذلك.

رابعًا: أن من عبقرية حماس أنها نبتت وسرت في عروق ودماء  الشعب الفلسطيني.. وشاركت أبناء الشعب الحصار والأهوال والمصائب وكانت يد أبنائها - إرضاء لله وأداء لحق الشعب - أسبق من كل الأيادي مساعدة ودعمًا لأسر الشهداء والجرحى وحلًا للمشاكل الاجتماعية والحياتية، بينما الآخرون نائمون في قصورهم مكتفين بالإطلال على المنكوبين عبر شاشات الفضائيات... كان بيت زعيم الحركة الشيخ الشهيد أحمد ياسين البسيط مقصدًا لكل أصحاب الحاجات، حتى أصحاب المشاكل الاجتماعية، وكان الشيخ وإخوانه خير مجيب.. والناس مع من يعايشهم ويكون إلى جوارهم في السراء والضراء، دون من أو انتظار كلمة شكر، بل ابتغاء مرضاة الله ولذلك التف الناس حول حماس.. لأنها تعيش في قلوبهم وسلطان القلوب أمضى من أي سلاح.. وعلى العموم فحماس تجمع بشري يصيب ويخطئ، وليس - بأي حال - خاليًا من العيوب.

لقد كانت هناك سلطة مارست المفاوضات وتجاوبت مع كل المبادرات السلمية المطروحة، وانفتحت على المجتمع وانبطحت لطلبات العدو في أحيان كثيرة، وتدفقت عليها المساعدات من كل حدب وصوب، ونالت المساندة العربية والدولية، والنتيجة كانت لا شيء.. مازالت الأرض محتلة، ولم يحرر غزة سوى المقاومة، وذهبت ملايين الدولارات من المساعدات لجيوب المفسدين، وبقي الشعب الفلسطيني لا يجد من يدافع عنه سوى المقاومة، ولا يجد من يوفر له قوت يومه سوى الأيدي المتوضئة.. فنفض يده من المفسدين والمهرولين والمنقسمين على أنفسهم.. واختار طريق حماس... فما العجب في ذلك؟! 

الرابط المختصر :