العنوان عم سيد.. وعم التليفزيون
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أغسطس-2000
مشاهدات 55
نشر في العدد 1413
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 15-أغسطس-2000
كنا أطفالًا في المدرسة ننتظر فترة الراحة بين زمن الدروس بشوق وشغف، حتى إذا جاء الوقت وثبنا إلى فناء المدرسة الفسيح في خفة ونشاط هذا بعدو، وهذا يطفر، وهذا يثب وكل تلميذ يكاد يخرج من إهابه حركة ونشاطًا، وعم سید خادم عجوز مضى عليه دهر في المدرسة، فيه تقوى وصلاح، وفيه خُلق ودين، وفيه شفقة وعطف، فكان محببًا إلى الجميع لعطفه وشفقته، ولما يقصه علينا من قصص وحكايات تتخللها حكم بارعات.
دعانا ذات يوم لنجلس إليه بعد الغداء حتى يحدثنا عن قصة طريفة يقول عنها هو: «حكاية الأندلس»، وقد عرفنا فيما بعد أنها مأساة الأندلس الفردوس الإسلامي المفقود، فجلسنا حوله وكان على رؤوسنا الطير واخذ هو في حديثه، فوعيت مما قال هذه الحكاية التي انقلها طبق الأصل للقراء:
كان في قديم الزمان بلاد واسعة تسمى الأندلس، وكانت هذه البلاد غنية عامرة معلومة بالخيرات وأهلها في نعيم عظيم، وخير عميم وكان لهم أعداء بجوارهم من الكفار، فأرادوا أن يأخذوا بلادهم ويستولوا على ملكهم، فنادى الملك وزيره فقال له لبيك يا ملك الزمان فقال له: إننا نريد أن نستولي على بلاد المسلمين المجاورة لبلادنا، فما الرأي عندك في ذلك؟ فقال الوزير الرأي عندي أن ترسل رسولًا يرود البلاد ويتعرف أخبار الديار، ثم يعود إلينا ذلك ننظر في الأمر، فقال الملك: قد أشرت بالصواب، ونطقت بالقول الذي لا يعب ثم أرسل في الحال جاسوساً خبيراً إلى تلك البلاد وبعد ليأتيه بخبرها.
فسار هذا الجاسوس يواصل الليل بالنهار ويقطع البراري والقفار حتى وصل إلى عاصمة تلك البلاد، فإذا هي مدينة عظيمة متينة الأسوار قوية الأبراج محكمة التحصين، فدخلها في زي التجار، وأخذ يخترق شوارعها وطرقاتها، ويتأمل نظافتها وحسن نظامها، حتى اعترضه في الطريق ولد يبكي بكاء مرًا فسأله عن سبب بكائه، وتلطف في سؤاله لعله يظفر منه بخير فأجابه الغلام انظر أيها الرجل إلى هذه الشجرة التي تراها مد البصر، وانظر إلى هذا العصفور فوق أغصانها فنظر الرجل فإذا شجرة على بعد عظيم وفوقها عصفور لم يره إلا بصعوبة لبعد المسافة، ثم نظر إلى الولد، وقال له: ما لهذه الشجرة يا بني؟ فقال الولد إنني رميت هذا العصفور بنبلة من قوسي فلم أصبه فأنا أبكي لهذا الفشل الذي لحقني، فقال له الرجل: خذ يا بني ثمن النبلة ولا تبك، فقال له: أيها الرجل أنا لا يهمني ثمن النبلة ولكن يهمني أنني أخطأت المرمى، وكان يجب ألا أخطئ فنظر إليه الرجل مستغربًا حماسته وشجاعة نفسه، وعاد راجعًا إلى بلاده، فقال له الملك ما وراك أيها الرسول؟ فقال: أيها الملك، إن هؤلاء القوم لا يمكن أن يغلبوا أبدًا، ثم حكى له ما راه من الولد الصغير، وقال له: إذا كان هذا صغيرهم وناشئهم فكيف بأبطالهم وفرسانهم؟
فاقتنع الملك بكلامه واحضر وزيره وقص عليه القصص، فقال: أيها الملك دعني أدبر حيلة تفسد عليهم شانهم وتقضي على ملكهم، فقال له الملك لك ما تريد فغاب الوزير أيامًا ثم عاد إلى الملك فقال: أيها الملك قد رأيت رايًا فيه القضاء عليهم وضياع ملكهم وعزتهم فقال الملك: هات أيها الوزير.
قال عم سيد
فقال الوزير: أيها الملك، أن تُذهب حماستهم ونقضي على رجولتهم، ونفسد أخلاقهم ونغلبهم على آرائهم، ولا يكون ذلك إلا بأن نظهر لهم المودة والولاء، ثم نهاديهم بالجواري والغلمان والسراري الحسان والخمور والدنان والمزاهر والقيان والمغنيات والعبدان حتى إذا تعودوا اللهو واللعب، واستغرقوا في العبث والشهوات ألهاهم ذلك عن الجد وشؤون الملك، ثم نرسل لهم من يوقع بينهم، ويفرق كلمتهم، ويفسد ارتباطهم حتى تتفكك وحدتهم وحينئذ يكون التغلب عليهم أيسر الأمور، فقال الملك نعم الرأي رأيك، ثم أنفذه بحملة وأرسل الهدية بعد الهدية والجارية بعد الجارية، وفيهن الجواسيس والعيون والمغريات المفسدات حتى عم اللهو، واشتغل الناس بالشهوات، ودب دبيب الخلاف بين رؤساء البلاد، فتدخل العدو بينهم وضرب عليهم الجزية، ثم هددهم بقوته فلم ير منهم إلا غفلة عن الواجب، ورضا بالذلة وضعفاً في العزيمة، وتفككًا في الوحدة، وحمل عليه بخيله ورجله، فأهلك رجالهم، وخرب ديارهم، وأجلاهم عن أماكنهم، وتحكم فيهم بما شاء من جور وظلم، وكل ذلك يا أولادي لأنهم أغضبوا الله، واشتغلوا باللهو وتركوا الواجبات عليهم ولربهم ودينهم وبلادهم ﴿ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الانفال:٥٣).
إلى هنا انتهى عم سيد من قصته، وما كنا نرى فيها يومذاك إلا تسلية وتفكهة رغم إعجابنا ببسالة الغلام وغضبنا على أولئك الذين قطعوا الأرحام.
روى هذه الحكاية الإمام البنَّا - رحمه الله - أيام كان في المدرسة، أما اليوم فنحن حين نذكرها لقراء مجلة المجتمع نرى فيها من معاني العبرة القاسية والذكرى المؤثرة ودرسًا من اقسى دروس هذه الحياة، وعلى الأندلس التي قطعت من قلب كل مسلم تحية وسلام وها نحن في هذه الأيام، نفتقد عم سيد الذي كان يفهم ما لا يفهمه الساسة والمربون الكبار، ويحرص على تعليم الصغار قصص الأبطال، وتحذير الأطفال من الفتن وغضب الإله وإنما نجد عم التليفزيون الذي يروي قصص الضياع والحب والغرام، ويعلم الأطفال التثني والتمايل مع أغاني العشق والهيام والرقص والإيقاع، والفجور والضياع مع أحابيل الشيطان، ولهذا هجم على البلاد شذاذ الآفاق وحثالة البشر في الأزمان، فأسالوا الدماء واحتلوا البلاد وأذلوا العباد.
فهل عم التليفزيون أو الإنترنت هو طليعة الأعداء، جاء إلى البلاد ليقضي على الرجولة ويُفسد الأخلاق، ويُذهب النخوة والولاء، ويجلب الهم والشقاء رحم الله عم سيد، وأيام عم سيد ورجولة عم سيد ولا رحم الله طلائع الفساد ومغربي البلاد، ومبددي الرشاد.. آمين