; اليمن: الانفراد بالسُلطة ليس أفضل من الائتلاف | مجلة المجتمع

العنوان اليمن: الانفراد بالسُلطة ليس أفضل من الائتلاف

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1998

مشاهدات 55

نشر في العدد 1299

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 12-مايو-1998

احتفلت الحكومة اليمنية في ٢٧ أبريل الماضي بما صار يُعرف رسميًا باسم «يوم الديمقراطية»، وهو اليوم الذي يوافق ذكرى الانتخابات النيابية الأولى والثانية بعد قيام الوحدة اليمنية في عامي١٩٩٣م و١٩٩٧م.

 المناسبة وافقت هذه السنة مرور عام واحد على استفراد حزب المؤتمر الشعبي العام بالسُلطة بعد حصوله على الأغلبية الساحقة في انتخابات 1997م، وتشكيل أول حكومة تتبع حزب واحد بعد سبع سنوات من الائتلافات مع الأحزاب الأخرى، ومع أن هذه المناسبة اقترنت في بدايتها بالأزمة التي انتهت بهزيمة محاولة الانفصال، إلا أن الأمر يختلف هذه المرة بالنظر إلى الوضع السياسي الصعب الذي تمر به حكومة -أو سُلطة- حزب الأغلبية، ويمكن القول إن صعوبة الوضع السياسي الذي تعيشه حكومة حزب الأغلبية لم يكن ليخطر على بال أحد من قياداته بعد عام واحد فقط على ما وصفوه بالانتصار الكاسح، والثقة الكبيرة التي منحها الناخبون لهم، وجعلهم يبشرون بظهور عهد جديد خالٍ من الأزمات التي تسببها الائتلافات الحزبية.

أزمة الحكومة:

وفي الصورة العامة تبدو المشاكل السياسية والأمنية والاقتصادية واضحة التأثير على الأداء الحكومي الذي بدأ هشًا، ولا سيما مع إعلان قبول استقالة د. فرج بن غانم من رئاسة الحكومة وكانت الأزمة الحكومية -التي تفجرت قبيل العيد- قد هدأت لبضعة أيام بعد عودة رئيس الوزراء إلى صنعاء، مما أدى إلى شيوع الثقة بعودته إلى ممارسة عمله، لكن الوسط السياسي والشعبي لاحظ أن رئيس الوزراء لم يظهر في أي نشاط عام بعد عودته، وقبل أن ينجح أحد في استجلاء الأمر، أعلنت استقالة د. فرج بن غانم في الأربعاء المخصص لعقد الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء، وهو الموعد الذي كان الجميع ينتظرونه لمعرفة الموقف الحقيقي والنهائي لمصير الأزمة الحكومية.

وعلى الرغم من أن الحزب الحاكم تعامل مع الأمر بهدوء، إلا أن خبر الاستقالة عزز عوامل التشاؤم في الأوساط الشعبية من حدوث إصلاحات حقيقية، فقد كان معلومًا لدى الجميع أن رئيس الوزراء يصر على عدم استئنافه لمهامه إلا بعد تحقيق مطالبه في إجراء التعديل الوزاري، ومنحه صلاحيات حقيقية لقيادة الجهاز التنفيذي للدولة. 

ولا شك في أن المصير الذي آلت إليه أزمة د. فرج بن غانم مع حزب الأغلبية تمثل خسارة معنوية للسُلطة، وتهز ثقة الشارع في جدية الشعارات التي غطت سماء المعركة الانتخابية قبل عام واحد فقط، كما أن نهاية الأزمة بالاستقالة توجب على حزب الأغلبية العمل لتلافي الخسائر المعنوية، في الوقت الذي يدخل مرحلة جديدة باختيار الحكومة الجديدة، وتسمية رئيس الوزراء الجديد، وهو أمر ليس بالهين نتيجة الاعتبارات السياسية والاجتماعية في اليمن، ولعل ذلك ما يفسر أن تأخر الإعلان عن المكلف بتشكيل الحكومة.

أزمة التسهيلات البحرية:

ومن الأمور التي كانت تثير أزمة إعلامية وسياسية تزايد الحديث عن منح تسهيلات في بعض الموانئ اليمنية للبحرية الأمريكية، بل نشر بعض الصحف أنباء عن طلب الولايات المتحدة إقامة قاعدة في جزيرة «سوقطرى» المهمة في بحر العرب.

 هذه القضية لم تَمُر بسهولة، وتعاملت القوى السياسية المعارضة معها بحساسية واضحة، وأصدر مجلس شورى التجمع اليمني للإصلاح توصية لهيئاته القيادية بمتابعة الأمر وتقصي الحقائق، فيما شن الناصريون والاشتراكيون حملة إعلامية ضد المبدأ، وفي المقابل نفت السلطات نفيًا تامًا صحة الأنباء حول منح قواعد أو تسهيلات بحريّة لقوات أجنبية.

التدهور الأمني إلى متى؟

على صعيد النواحي الأمنية أدت جملة من الحوادث المتتابعة إلى شيوع قناعة بأن الأمر يكاد يخرج عن نطاق السيطرة، فحوادث الاختطاف التي يتعرض لها الأجانب تتكرر دون أن يبدو أن هناك نهاية لهذا المسلسل، بالإضافة إلى ذلك فإن حوادث صدام مسلح بين جماعات من المسلحين تحدث حتى داخل العاصمة، نتيجة مشاكل قبلية أو منازعات شخصية، لكن الدولة تظل -في بعض الأحيان- عاجزة عن وضع حل حاسم خوفًا من تفاقم الأمر إلى ما لا يحمد عقباه، كما أن الدول الأجنبية التي يتعرض رعاياها للاختطاف تضغط على الحكومة اليمنية وتمنعها من استخدام القوة لإطلاق المخطوفين خوفًا على حياتهم، مما يوقع السُلطات اليمنية في مواقف محرجة شعبيًا وخارجيًا من تكرار عمليات الاختطاف وعدم تقديم الخاطفين للمحاكمة. 

في الأول من محرم شهدت مدينة «المكلا» عاصمة محافظة حضرموت اشتباكات بين رجال الأمن وعدد من أنصار بعض أحزاب المعارضة كانت تريد تسيير مسيرة، وأدت تطورات الاشتباك إلى مقتل اثنين من المواطنين وجرح عدد آخر.

وربما هذا الحادث الأخير كان آخر ما تتوقعه الحكومة التي تعيش مشاكل سياسية وأمنية حرجة، ولا سيما أن أي حوادث مشابهة تقع في حضرموت تظهر لها أبعاد أخرى بحكم ما شهدته المحافظة من أحداث طوال السنوات الثلاث، واستغلتها المعارضة بقيادة الاشتراكي.

الحادث الأخير في حضرموت يؤكد أن السُلطة الحاكمة لا تجد الحس السياسي في التعامل مع مطالب بعض أحزاب المعارضة، فهذه الأخيرة لا تمتلك وجودًا مؤثرًا في الشارع الحضرمي، لكن سوء التعامل معها وارتكاب أخطاء متكررة في مواجهتها يزيد التعاطف الشعبي معها، وليس أدل على ذلك من أن الذين شاركوا في المسيرة لم يتجاوزوا مائة شخص، بينما ازداد عددهم أثناء الاشتباكات إلى عدة مئات وفي خلفية للصورة السياسية يبقى الوضع الاقتصادي الحرج هو الهم الأكبر للدولة والشعب، ولا يستبعد مراقبون أن تكون له انعكاساته المباشرة على الوضع الأمني المتدهور، أما الوضع السياسي فلا خلاف على أن الأزمة الأخيرة كان من أسبابها الرئيسة اعتراض رئيس الوزراء «المستقيل» على الاستمرار في إعلان القرارات الاقتصادية الجديدة المطلوبة لعام ١٩٩٨م وفق الاتفاق مع الهيئات الدولية، إلا بإجراء إصلاحات إدارية واسعة وتعديلات وزارية أساسية.

وتشكل القرارات الاقتصادية الجديدة معضلة، فقد كان من المفروض إعلانها في بداية العام ۱۹۹۸م، لكن التوجس الشعبي من أي أعباء جديدة وحملات أحزاب المعارضة ضدها، وعدم الانسجام بين رئيس الوزراء والحزب الحاكم، كل ذلك أدى -فيما يبدو- إلى تأجيلها شهرًا بعد شهر، فيما يقال إن الهيئات الدولية الداعمة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي تضغط في اتجاه تنفيذ الالتزامات.

هذا الوضع الشائك يزيد من صعوبة الوضع، لكن لا يعني أن الأفق مسدود، فلا يزال الحزب يملك أوراقًا عديدة يستطيع من خلالها الخروج من عنق الزجاجة، ولو لفترة بسيطة، كما أن المعارضة مقتنعة بأنها لا تملك ما يجبر السُلطة على تغيير قناعاتها الأساسية سياسيًا واقتصاديًا في ضوء موازين القوى التي تميل لصالح حزب المؤتمر الذي يهيمن على البرلمان ومفاصل الدولة الأخرى. 

تشكيل الحكومة الجديدة وخياراتها المعلنة هو الذي سيحدد ملامح أو اتجاهات التفكير لدى القيادة اليمنية ورؤيتها لأساليب حل المشاكل العالقة، فإما أن يستمر الوضع على ما هو عليه مع بعض التغييرات الطفيفة، وإما أن يقتنع أصحاب القرار بأن الوقت قد حان لإحداث تغييرات حقيقية تطول السياسات والأشخاص والبرامج مهما كان الثمن المطلوب. 

الرابط المختصر :