العنوان ما سر كشف السلطة عن المتورطين في اغتيال نشطاء الانتفاضة بعد ساعات من استشهادهم؟
الكاتب محمد عادل عقل
تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2001
مشاهدات 44
نشر في العدد 1463
نشر في الصفحة 24
السبت 11-أغسطس-2001
حين سلمت سلطات الاحتلال الصهيوني بعضًا من صلاحياتها لأجهزة السلطة الفلسطينية في المناطق التي جرى الانسحاب منها، احتفظت بالكثير من العيون الذين سقطوا في مستنقع التعاون مع العدو خلال سنوات الاحتلال العجاف ضمن عمليات كانت تسمى «الإسقاط». هؤلاء باتوا يشكلون هاجسًا
كبيرًا يؤرق الفلسطينيين، كما لو أنهم ألغام أرضية مرشحة للانفجار في أي لحظة دون سابق إنذار. أخطر ما في الاتفاقات التي وقعتها السلطة مع الجانب الصهيوني، أنها وفرت الحماية الكاملة لهؤلاء العملاء، وبات صعبًا على أجهزة السلطة ملاحقتهم إلا بعد مشاركتهم الفعلية في تصفية القادة الميدانيين للانتفاضة من فتح وحماس والجهاد.
السلطة من جانبها كانت أمينة في تطبيق التزاماتها بحق هؤلاء العملاء الذين شكلوا مصدرًا مهمًا للعدو لنقل تفاصيل كاملة عن المقاومين الفلسطينيين. إن دورهم السابق في خدمة الكيان الصهيوني لم يتوقف لحظة واحدة بعد تسليم الصلاحيات الإدارية لسلطات الحكم الذاتي المحدود، بل إن الشارع الفلسطيني يتحدث عن قسم من العملاء باتوا يتبؤون مراكز مهمة وحيوية في أجهزة السلطة الأمنية وغيرها.
والأغرب أن العديد من أجهزة السلطة سارع إلى لعب دور مماثل لدور العملاء، وسلم الأجهزة الأمنية الصهيونية، وعملاء وكالة المخابرات الأمريكية، معلومات مهمة عن المجاهدين الفلسطينيين، وبخاصة مجاهدو الحركات الإسلامية، وعلى رأسها «حماس»، في إطار ما سمي بالتنسيق الأمني مما دفع بعض مسؤولي جهازي «الشاباك» و« الموساد» للقول: إن المعلومات التي قدمتها هذه الأجهزة - وعلى رأسها جهاز الأمن الوقائي الذي يترأسه العقيد جبريل الرجوب الذي ارتبط بعلاقات متينة مع الأجهزة الأمنية الصهيونية والأمريكية على حد سواء - لم تستطع سلطات الاحتلال جمعها خلال فترة احتلالها للأراضي الفلسطينية خلال الثلاثين عامًا الماضية.
ولم يكن غريبًا خلال السنوات الخمس الماضية أن يتمكن العملاء والجواسيس من إعادة تنظيم صفوفهم، والاندساس أكثر وأكثر في داخل المجتمع الفلسطيني، في الوقت الذي تعرض فيه المجاهدون للملاحقة والمطاردة والمراقبة والسجن، والاغتيال، ومحاولة القضاء على البنى المؤساساتية والاجتماعية والسياسية لفصائل المقاومة الإسلامية، خاصة حركة حماس، التي مثلت رأس الحربة في مواجهة الاحتلال وخططه الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية عبر تسويات سياسية هزيلة.
وسخرت السلطة الفلسطينية عشرة أجهزة أمنية لملاحقة ورصد تحركات مجاهدي حماس وزجت بهم في أقبية التحقيق والسجون، وكشفت عن مختبرات عسكرية أسستها كتائب عز الدين القسام في الضفة الغربية، وتجلت هذه الملاحقة باغتيال أحد خبراء المتفجرات فيها، وهو الشهيد محيي الدين الشريف، تبع ذلك اعتقال القسامي عماد عوض الله ومسرحية فراره من سجن الأمن الوقائي في مدينة أريحا، قبل أن يرتفع شهيدًا وشقيقه الشهيد عادل عوض الله.
وظل العملاء ينخرون عصب المجتمع في ظل الصمت الكامل من قبل السلطة التي حرص قادتها على الامتيازات التي منحتها لهم سلطات الاحتلال في التنقل والسفر، أو ما عرف ببطاقات الشخصيات المهمة الـ VIP ولم تضع السلطة أي خطة أمنية، أو تربوية، أو قانونية لملاحقة ومعالجة ظاهرة العملاء.
عميل يتمتع بالحماية!
ويسرد منتسب لأحد الأجهزة الأمنية، قصة تعكس الانحدار الخطير الذي وصل إليه رموز السلطة في التعامل مع هذه الظاهرة مقابل امتيازات وهمية، فيقول: إنهم كانوا يرصدون عميلًا كبيرًا في منطقة وسط الضفة وفشلت محاولات كثيرة لاستدراجه واعتقاله، وفي إحدى المرات، سنحت لهم فرصة ذهبية لاعتقاله فلم يترددوا في ذلك، وتمكنوا منه بجهد كبير، واقتادوه على وجه السرعة إلى مدينة أريحا وسلموه إلى مسؤوليهم.
وكم كانت دهشتهم شديدة في أثناء عودتهم إلى القرية التي تم فيها اعتقال العميل، حيث وجدوه
أمامهم حرًا طليقًا ومهددًا بالانتقام منهم وملاحقتهم بعد أن تم الإفراج عنه بعد دقائق من تسليمه. يقف العملاء والجواسيس وراء كل عملية ناجحة نفذها جهاز «الشاباك» والجيش الصهيوني في اغتيال المجاهدين واعتقالهم ليشكل من هذه العمليات الناجحة أسطورة يتفاخر بها.
وخلافًا لانتفاضة الأقصى، فإن مناضلي ومجاهدي الشعب الفلسطيني لاحقوا خلال الانتفاضة الأولى العملاء والجواسيس وتمت تصفية العديد من رموزهم رغم حصول عدد من الأخطاء، إلا أن الأمر اختلف مع قدوم السلطة التي رفضت التعرض للعملاء ومحاسبتهم قلائل هم العملاء الذين تعرضوا للتصفية خلال انتفاضة الأقصى الحالية على ضوء معارضة السلطة، ذلك باعتباره عملًا يمس بوحدانية السلطة واعتبار ذلك خلقًا لسلطة موازية لها وقد عاد العملاء ليظهروا مجددًا على ساحة الحدث الفلسطيني مع انطلاقة انتفاضة الأقصى، ليرصدوا حركات المجاهدين والمناضلين ولتغتال طائرات العدو ودباباته وقنابله المفخخة المجاهدين في عقر دارهم وتفجير سياراتهم، وحتى تفجير الهواتف العمومية واستطاع العملاء والجواسيس رصد تحركات المجاهدين والمناضلين، وغالبًا ما يكونوا من المنطقة نفسها، بعد أن يحدد لهم أسيادهم في جهاز الشاباك الأهداف التي يجب رصدها، ومنهم من قام باستدراج المجاهدين إلى كمائن مفخخة.
وسقط المجاهد تلو الآخر، والأجهزة الأمنية تُبدي عجزًا كاملًا، وصمتًا مطبقًا، وتسامحًا غير معهود تجاه هؤلاء العملاء، اللهم إلا الإعلان عن اعتقال المتورطين في عمليات الاغتيال بعد سقوط الشهداء
والجرحى.
والأغرب أن تعلن الأجهزة الأمنية الفلسطينية عن اعتقال العملاء المتورطين في عمليات الاغتيال بعد ساعات فقط من كل عملية اغتيال، مما يدفع للتساؤل لماذا لا يتم اعتقال العملاء والجواسيس قبل تنفيذ جرائمهم، طالما أن هوياتهم معروفة؟
ولا شك أن تسامح السلطة مع العملاء، سيدفع العديد من الفصائل لإعادة النظر حول أولويات عملها وليس غريبًا أن يبادر بعضها إلى تعقب العملاء وتصفيتهم، كما حدث في الانتفاضة الأولى في أعقاب
تصاعد جرائمهم، وعدم وجود نية حقيقية لدى السلطة الفلسطينية لاجتثاث هذا الورم السرطاني.
حماس:
يجب إعدام العملاء
لحركة حماس موقف صارم من العملاء فقد دعا الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الناطق باسم الحركة إلى أن تصبح ظاهرة إعدام العملاء الذين يثبت تخابرهم مع الصهاينة استراتيجية للسلطة الفلسطينية، وألا يكون ذلك أمرًا طارئًا أو بسبب أزمة سياسية، أو جراء ضغوط شعبية.
ويقول الرنتيسي معقبًا على الحكم بإعدام ثلاثة من العملاء إن قضية تنفيذ حكم الإعدام في العملاء لا تحتاج إلى رأي سياسي لأنه أمر شرعي أصلًا، وهذا ينطبق على العميل الذي ارتكب جريمة قتل بالتعاون مع العدو، وذلك لأنه أولًا أدين بالقتل، وثانيًا لأنه أدين بخيانة شعبه ووطنه ودينه، ويتابع: «من هنا فإن القتل هو الحل الأمثل لوقف ظاهرة العمالة وانتشارها».
ويشير القيادي البارز في «حماس» إلى أنه بإمكان السلطة الفلسطينية أن تتابع وتلاحق العملاء قبل أن ينفذوا جرائمهم منوهًا إلى أن ذلك كان يُنفذ عندما كانت السلطة في يد التنظيمات الفلسطينية في عهد الانتفاضة الأولى والآن وبعد قدوم السلطة الفلسطينية عليها أن تقوم بواجبها في ذلك قبل أن يصل العملاء إلى أهدافهم»، محذرًا في الوقت ذاته من الاسترخاء في ملاحقة العملاء، لأن ذلك سيؤدي إلى انتشار واستفحال الظاهرة.
ويطالب الرنتيسي السلطة بالقيام بواجبها في حماية أبناء الشعب الفلسطيني، من خلال القضاء على ظاهرة العملاء، وتفكيك خلاياهم. ويقول: يجب ألا ننتظر حتى تقع الجريمة ومن ثم تعتقل السلطة من ساعد على تنفيذها، مشيرًا إلى أن القوى الوطنية والإسلامية لا يمكنها معاقبة العملاء لأنها الآن تترك للسلطة متابعة الأمر.