; العلاقات التركية الإيرانية.. بين التوتر والتطبيع | مجلة المجتمع

العنوان العلاقات التركية الإيرانية.. بين التوتر والتطبيع

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الجمعة 17-فبراير-2012

مشاهدات 63

نشر في العدد 1989

نشر في الصفحة 30

الجمعة 17-فبراير-2012

·       الرادار المُقام في تركيا يمكنه إعطاء معلومات لـ «تل أبيب»، بعد 3 دقائق من إطلاق الصواريخ الإيرانية.

·       طهران نجحت في تخفيف حدة الإندفاع التركي في الملف السوري مقابل منح أنقرة دورًا مهما لحل الملف النووي مع الدول الغربية.

·       إيران هي الدولة الحدودية لتركيا التي لم تشهد خلافات حدودية معها منذ مئات السنين.

تشهد العلاقات التركية الإيرانية حالات من المد والجزر حاليًا، على خلفية اختلاف وجهات النظر بشأن الوضع في سورية، وبسبب قبول أنقرة إقامة رادار الدرع الصاروخية على الأراضي التركية، والذي تراه طهران مهدداً لأمنها القومي، لذا هددت على لسان مسؤولين عسكريين باستهدافه.. علاوة على وجود تباين في وجهات النظر بشأن التطورات في العراق، بعد قرار إلقاء القبض على نائب رئيس الجمهورية العراقية طارق الهاشمي، والذي اعتبرته أنقرة سياسيًا، بل ورحبت باستقباله في تركيا ما يعطي مصداقية لوجود مواجهة سرية بين تركيا وإيران على حد وصف وسائل الإعلام التركية.

ولخطورة الموقف ولمنع تدهوره أكثر، قام وزير الخارجية التركي «أحمد داود أوغلو» بزيارة عاجلة لطهران خلال شهر يناير الماضي وقام رئيس البرلمان الإيراني «علي لاريجاني» في ١٢ من يناير الماضي بزيارة لأنقرة التي زارها أيضا وزير الخارجية الإيراني «علي أكبر صالحي» في ۱۸ من الشهر نفسه، وهي الزيارات المكوكية التي اعتبرها المراقبون في أنقرة محاولات حثيثة لمنع تدهور العلاقات بشكل يؤثر على أمن المنطقة، والتي تحتاج إلى تعاون الدولتين الكبيرتين لضمان الإستقرار.

مخاوف مشروعة

ويمكننا رصد بداية التوتر بعد موافقة تركيا خلال العام الماضي على طلب «حلف الناتو» إقامة رادار الدرع الصاروخية في مدينة «كورجيك» في محافظة «مالطيا» التركية، وبدأ العمل فعليًا بداية يناير الماضي ويقوم بتشغيله عناصر من الجيش الأمريكي لعدم وجود عناصر مؤهلة في الجيش التركي لتشغيل نظام الرادار الأمريكي «إيه إن / تي بي واي - ٢ إكس باند».

أكدت أنقرة على لسان «داود أوغلو» أثناء زيارته لطهران أن شبكة الرادار المقامة في تركيا دفاعية فقط، ولا توجد بها صواريخ لكنها شبكة رصد فقط وليست موجهة ضد إيران.. كما أن جنرالًا تركيا -القائد الأعلى للشبكة- أكد أنه لا يمكن تمرير معلومات منها لأي جهة إلا بموافقته، وذلك ردًا على المخاوف الإيرانية من إمكانية ربط هذه الشبكة بشبكة رادار «النقب» التي تديرها واشنطن لحماية أمن الكيان الصهيوني من احتمالات هجوم صاروخي إيراني للكيان الغاصب.. فالرادار المقام في تركيا يمكنه إعطاء معلومات لـــ «تل أبيب» بعد 3 دقائق من إطلاق الصواريخ الإيرانية ما يعني إمكانية اعتراضها قبل وصولها إلى أجواء الكيان لأن شبكة «النقب» لا يمكنها الرصد قبل ٦ دقائق من الإطلاق لذا تعتبر طهران أن الشبكة التركية تحمي الكيان الصهيوني.

ويدعم الموقف الإيراني حزبًا «السعادة» و«صوت الشعب» الإسلاميان، و«الشعب الجمهوري» العلماني، بل وتشهد المدن التركية احتجاجات شعبية ضد إقامة شبكة الرادار في تركيا ما يضع حكومة «أردوغان» في موقف حرج، لكنها تبرر موقفها بأنه جاء لصالح «إيران»، لأنها رفضت تزويد الشبكة بصواريخ وأصرت أن تكون شبكة استطلاع فقط.. وقال «علي لاريجاني»، عقب انتهاء مباحثاته مع المسؤولين الأتراك بشكل واضح وصريح، في مؤتمر صحفي بالسفارة الإيرانية، قال: إن نظام الرادار الأمريكي الذي يتمركز في تركيا ليس أمرًا جيدًا لأي دولة مسلمة، وأشار إلى أن المباحثات مع تركيا مستمرة حتى التوصل إلى صيغة تقنع الجانب الإيراني.

الملف السوري

بالطبع، الدعم الإيراني لنظام «الأسد» لا يحتاج إلى تأكيد، فهو حليفها الاستراتيجي لذا تدعمه على أساس أنه عنصر رئيس في أي مواجهة، بينما تدعم تركيا الحراك الشعبي والمعارضة السورية التي تتخذ حالياً من تركيا مقرًا وتستند إلى تصريحات «رجب طيب أردوغان» النارية الداعمة للثورة ضد «الأسد» وبالتالي تعتبر سورية ساحة مواجهة تركية إيرانية، لكن المصادر تشير إلى أن طهران نجحت بالفعل في إقناع أنقرة خلال زيارة داود أوغلو الأخيرة لها بالتخفيف من حدة دعمها للمعارضة، وعدم الإنخراط في مخطط التدخل الخارجي في الشؤون السورية خصوصا وأن زيارة زعيم حزب «السعادة» الإسلامي لدمشق، وانتقاده لسياسة حكومة «أردوغان» أثناء وجوده في سورية أعطت زخمًا للموقف الإيراني الذي يرى أن الحل يجب أن يكون نابعًا من سورية ومن دول المنطقة من خلال تحرك تركي إيراني عربي مع إعطاء الفرصة للنظام لإثبات جديته في الإصلاح.. وبالتالي، تكون طهران قد نجحت في تخفيف حدة الاندفاع التركي في الملف السوري، مقابل منح أنقرة دورًا مهمًا لحل ملف إيران النووي مع الدول الغربية ما يحقق بروزاً دولياً للدور التركي لحل قضايا الإقليم، وتستفيد منه طهران أيضاً من خلال تأجيل المواجهة المحتملة مع الغرب، وبالتالي تؤكد أنقرة أنها لا يمكنها التخلي عن طهران في مواجهة الملف النووي.

تركيا متنفس

إعلان المتحدث باسم الخارجية التركي «سلجوق أونال» خلال الشهر الماضي «أن أنقرة لن تلتزم بقرارات حظر الغاز والنفط من إيران التي تتبناها الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي لخنق إيران اقتصاديًا»؛ تعني أن أنقرة ستكون رئة تنفسها في مواجهة قرارات الحظر الأخيرة، خصوصاً وأن «أونال» قال: إن هذه القرارات غير ملزمة لأنقرة، بل وقعت وزارة الطاقة التركية اتفاقية لتجديد استيراد الغاز من إيران، بل إن تركيا قررت رفع حجم تبادلها التجاري مع إيران من ١٠ مليارات دولار إلى ١٥ مليار دولار، وهو تحدّ واضح لقرارات الحظر لأن أنقرة بذلك ستعوض طهران جزئيًا عن الآثار السلبية للحظر الدولي.. ويبدو أن أنقرة ستقوم بذلك لمنع انفجار الأوضاع في «مضيق هرمز» بعد تهديدات إيران بإغلاقه على أساس أن هناك وثيقة تفاهم بين تركيا ومجلس التعاون الخليجي تجعل الخليج منطقة حيوية لتركيا.

المواجهة المذهبية

وتشير المعلومات أن أنقرة وطهران اتفقتا على احتواء كافة العوامل التي قد تؤدي إلى حدوث مواجهة مذهبية في المنطقة على خلفية إدعاءات تشكيل هلال شيعي تدعمه إيران في مواجهة تكتل سني تقوده تركيا واتفق المسؤولون في البلدين على ضرورة وضع الخلافات في إطارها السياسي بعيدا عن الصبغة المذهبية الأمر الذي تفهمه داود أوغلو أثناء زيارته لطهران، بل إن «لاريجاني» أعلن وبشكل صريح أنه لا توجد نوايا لدى إيران لإقامة هلال شيعي، مشيرًا إلى وجود علاقات متميزة بين إيران و«حماس» السّنية والكثير من الدول الإسلامية السّنية، وحذر من المخطط الأمريكي الذي يسعى لإشعال حرب مذهبية بين الدول الإسلامية، واعتبرا ما حدث لنائب رئيس الجمهورية العراقية طارق الهاشمي شأنًا سياسيًا وقضائيًا، وليس  مذهبياً، وأتفقا على التحرك المشترك لإحتواء الخلافات بين الفرقاء العراقيين كسبيل لمنع اندلاع مواجهة مذهبية ستلقي بظلالها السلبية على دول المنطقة.

وإذا كان «داود أوغلو»، قد أعلن أمام الإيرانيين أن تركيا لا تريد أن تأخذ مكانا في مواجهة تصعيدية مع إيران، فإنه من الصعب عليه عدم الإعتراف بالتزام بلاده بالقرارات الأطلسية، خصوصًا إذا كانت تصب في إطار المصالح التركية؛ لذا نراه يعترف قائلا في رده على أسئلة الصحفيين بشأن التنافس الإقليمي مع إيران التنافس لابد أن يكون موجودًا لكن دون أن يتحول إلى استهداف وتضارب وقطيعة.. مقولة «داود أوغلو» صحيحة إذا عرفنا أن السنوات الخمس الأخيرة تعتبر الحقبة الذهبية في العلاقات التركية الإيرانية التي شهدت برودا بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران عام ۱۹۷۹م، بسبب تعارض النظامين الإسلامي والعلماني.

لكن صعود حزب «الرفاه» الإسلامي بزعامة الراحل نجم الدين أربكان إلى الحكم والذي كانت له علاقات ودية مع إيران، ووصول حزب «العدالة والتنمية» إلى السلطة منفردًا، ساهم في بداية العصر الذهبي للعلاقات التركية الإيرانية التي كانت جيدة على مدى التاريخ منذ معاهدة «جالديران»، وحتى الآن، إذ إن إيران هي الدولة الحدودية لتركيا التي لم تشهد خلافات حدودية معها منذ مئات السنين، لذا فمن المستبعد دخول الدولتين في مواجهة جادة على خلفية اختلاف وجهات النظر بشأن الوضع المتفجر في سورية أو الخلافات المذهبية في العراق، خصوصًا وأن تركيا قد تكون ضحية للخلافات المذهبية فيها أقلية علوية تصل إلى ۲۰ مليون علوي، و5 ملايين من الجعفريين، كما أن تركيا لا يمكنها الدخول في مواجهة عسكرية مع دولتين حدوديتين من أجل مصالح «الأطلسي»، خصوصًا وأنها تتبنى سياسة تصفير المشكلات مع دول الجوار.

الرابط المختصر :