العنوان تعليقات وآراء وسائل الإعلام الأمريكية حول مشروع «غزة - أريحا أولا»
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 14-سبتمبر-1993
مشاهدات 47
نشر في العدد 1066
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 14-سبتمبر-1993
● استهداف الإسلام أم قراءة عاجلة لرد الفعل الإسلامي؟
● حل مؤقت أم تأجيل الصراع إلى مرحلة تاريخية لاحقة؟
تناولت افتتاحيات عدد من الصحف الأمريكية ما
تناقلته تقارير الأنباء حول اتفاق «غزة - أريحا أولاً» بصورة تعكس حقيقة الموقف
الأمريكي الرسمي المتعاطف والمتحالف إستراتيجيًا مع "إسرائيل"؛ حيث قامت
وسائل الإعلام المرئية والمقروءة بتصوير الحدث، وكأنه إنجاز تاريخي، وسلطت الأضواء
على جولات عرفات في الدول العربية؛ لتسويق المشروع، كما أنها لم تخف السر الذي دفع
كلاً من "إسرائيل" ومنظمة التحرير بالتسريع لعقد هذا الاتفاق؛ حيث إن
تعاظم نفوذ القوى الإسلامية (المتطرفة) -وخاصة حركة حماس في فلسطين- يأتي على حساب
تراجعات حركة فتح، التي تمثل كبرى فصائل منظمة التحرير.
وإذا ما حاولنا استعراض بعض هذه الافتتاحيات،
فإن الخلاصات لن تتجاوز النقاط التي سبق أن أشرنا إليها، وسنتناول هنا بعض
افتتاحيات الصحف الرئيسية الكبرى، التي صدرت في الثاني من سبتمبر عشية الإعلان عن
الاتفاق المذكور بين "إسرائيل" ومنظمة التحرير.
● نيويورك تايمز:
ما بدا أمرًا لم يكن بالإمكان تخيله قبل
أسابيع قليلة قد يصبح واقعًا ملموسًا قبل انقضاء العام الحالي، فقد أفادت
"إسرائيل" ومنظمة التحرير الفلسطينية أنهما وافقتا من ناحية المبدأ على
شروع "إسرائيل" في تفكيك احتلالها العسكري للضفة الغربية وغزة، الذي مضى
عليه 26 عامًا، مستبدلة إياه بترتيبات للحكم الذاتي الفلسطيني.
ومن الصعب المبالغة في أهمية قيام هذين
العدوين اللدودين بالاتفاق بصورة بناءة، وإذا جرى عقد الاتفاق فسيمثل تقدمًا بارزًا
لعله بنفس دراماتيكية اتفاقية كامب ديفيد في عام 1978م.
● بوسطن غلوب:
إن أهمية الاتفاق حول الحكم الذاتي الفلسطيني
في غزة ومدينة أريحا في الضفة الغربية لا تتعلق بالتغييرات الإدارية المقترحة بقدر
ما تتعلق بالطرفين المتعاقدين، وأسباب تعاملهما مع بعضهما البعض.
إنه اتفاق بين حكومة "إسرائيل"
بقيادة رئيس الوزراء إسحق رابين ومنظمة التحرير الفلسطينية التي يتزعمها ياسر
عرفات، وصرخات الخيانة التي يطلقها متزمتون والتي يمكن سماعها من الجانبين شاهد
على خطورة الخطوة التي اتخذت.
وقد قرر رابين ووزير الخارجية شيمون بيريز أن
مبادلة الأراضي بالسلام عن طريق التفاوض يهدد مصالح "إسرائيل" بقدر أقل
من إطالة أمد الوضع القائم، وأن الجهة الوحيدة القادرة على تنفيذ الاتفاق هي منظمة
التحرير الفلسطينية وبنيتها الحالية في تونس، وقد قادهما إلى هذا الاستخلاص تغيران
عميقان على الأرض - أحدهما عسكري والآخر سياسي.
فدخول الصواريخ الباليستية ذات المدى الطويل
إلى المنطقة، جعل السلام يبدو المسار الأكثر واقعيةً من مسار «التفوق النوعي» في
التكنولوجيا العسكرية لناحية توفير الأمن، والنفوذ المتعاظم لحماس الحركة الدينية
الإسلامية لدى الفلسطينيين، لوح بشبح اجتثاث منظمة التحرير الفلسطينية العلمانية
من قبل قوى تعتبر أن أي حل وسط مع "إسرائيل" هو تعرض للإرادة الإلهية.
ورغم أن بيريز وأحد مبعوثي عرفات عقدا الصفقة
من خلال محادثات سرية في أوسلو، وخارج إطار محادثات السلام التي ترعاها الولايات
المتحدة، فإنه ينبغي على حكومة كلينتون أن تفعل كل ما في وسعها؛ لتعزيز العمل الذي
بدأه زعماء المنظمة العلمانيون وسياسيو "إسرائيل" البراجماتيون.
● بلتيمور صن:
إذا تم تنفيذ الاتفاق بين "إسرائيل"
ومنظمة التحرير الفلسطينية الذي تسربت أنباؤه، ستكون "إسرائيل" مسؤولة
عن سلامة ياسر عرفات في أريحا في حين ستضمن شرطة المنظمة ألا تستخدم أريحا وغزة
للقيام بأعمال إرهاب ضد "إسرائيل"، ولا يمكن أن يكون هناك تقدم أبرز من
هذا.
وآمال العالم معلقة على هذا الاتفاق، حتى قبل
إعلانه وقبل أن تستأنف محادثات السلام الرسمية في واشنطن اليوم، والسيد عرفات وصف
الاتفاق بأنه «منعطف تاريخي»، في حين وصفه رئيس الوزراء "الإسرائيلي"
بأنه «خطوة عظيمة إلى الأمام لتقريب "إسرائيل" نحو السلام مع جميع الدول
المجاورة وخاصة الفلسطينيين»، وليتهم يتفقون هكذا في كثير من الأحيان خلال الأشهر
القادمة.
وهذا الاتفاق إذا عقد حقًا، سيسهم بأكثر من
مجرد ربط حكومة "إسرائيل" والمنظمة في جبهة مشتركة، فهو وعلى نحو مساو،
سيجمع الإرهابيون العرب والمتصلبون "الإسرائيليون" على رفضه، وإذا كان
المتطرفون مرتاحين بدرجة أقل في تحالفهم من السيد رابين، والسيد عرفات فليكن ذلك.
كلا، هذا ليس سلامًا، لكن إذا تم التوصل رسميًا
إلى الاتفاق التي سربت أنباؤه فإنه سيمثل أكبر خطوة إلى الأمام منذ معاهدة السلام
المصرية "الإسرائيلية".
● وول ستريت جورنال:
صفقة الأرض مقابل السلام المقترحة بين
"إسرائيل" ومنظمة التحرير الفلسطينية، وبصرف النظر عما ستقود إليه،
تستند على الأقل إلى تسليم الجانبين بحقائق معينة. والسؤال الذي لا يزال بدون جواب
هو ما إذا كانت الحقائق التي جعلت الاتفاق ممكنًا هي التي ستجعل تنفيذه مستحيلاً.
وكما جاء في إعلان مكتب رئيس الوزراء
"الإسرائيلي" إسحق رابين يوم الأحد، وكما صادقت الوزارة أمس، وافقت
"إسرائيل" على إعطاء المنظمة إشرافًا إداريًا على قطاع غزة ومدينة أريحا
في الضفة الغربية، ولقاء ذلك وافقت المنظمة على إنهاء الانتفاضة وحرب عصابات ليست
ذات شأن ضد القوات "الإسرائيلية".
والاتفاق يحمل مباركة وزير الخارجية الأمريكي
وارين كريستوفر، الذي أعلن أن الولايات المتحدة تعمل مع "الإسرائيليين"
في وضع التفاصيل، والأمر غير المعلوم هو ما إذا كان الاتفاق اتفاق مال مقابل سلام،
كما كانت اتفاقية كامب ديفيد، وإذا كان الأمر كذلك، فمن سيوفر المال، وستكون من
سخرية القدر أن ينتهي الأمر بالمنظمة، أن تصبح عالة على الغرب.
وإذا انتقلنا إلى التغطيات المرئية للتلفاز
الأمريكي، فإننا سنلحظ أنها إسقاطات أكثر حيوية لما جاء في الصحف والمجلات؛ حيث
سلطت أجهزة التلفاز على الشخصيات التي لعبت دورًا في صياغة الاتفاق كنبيل شعث،
وبعض الإنتلجنسيا الفلسطينية المؤيدة للمشروع، إضافة إلى شخصيات
"إسرائيلية" كشمعون بيريز ويوسي بيلين.
وقد استضافت هذه الوسائل أيضًا بعض الوجوه
المتعاطفة مع "إسرائيل" كريتشارد هاس، المساعد السابق لرئيس مجلس الأمن
القومي، والذي أشاد بالاتفاق ووصفه بأنه خطوة لتطويق نفوذ القوى الإسلامية
(المتطرفة)، وأكد «هاس» في مقابلته مع محطة CNN بأن أي تقدم في المحادثات هو خطوة في الطريق الصحيح؛ حيث إن منظمة
التحرير بدأت تفقد تأثيرها على الجيل الشاب في الأراضي المحتلة لحساب حركة حماس،
وإذا تعذر تحقيق السلام الآن فإن مخاطر الصراع ستكون كبيرة في المستقبل.
ولعل هذه المخاوف من تنامي القوى الإسلامية في
فلسطين هي السبب الأكثر وجاهة لاتفاق "إسرائيل" ومنظمة التحرير، ولعل
هذا ما عبر عنه بوضوحٍ وليم زارتمان رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة جون هويكنز،
في المؤتمر السنوي لمنظمة APSA
الأسبوع الماضي؛ حيث ذكر بأن شعور الطرفين "الإسرائيلي" ومنظمة التحرير
بالتهديد، الذي تشكله حركة حماس على نفوذهما، قد جعل كل منهما يقترب من الآخر، وقد
يصعب على المرء أن يجد هناك تفسيرًا مقنعًا غير ذلك.
وإذا ما اجتهدنا في ربط هذه المقدمات السابقة
بالحقيقة القائلة بأن "إسرائيل" تعمل على تجييش القوى العربية والعالمية
لمحاربة الخطر الأصولي، فإن تفهم خلفيات الاتفاق (الكارثة) تصبح مسألة بسيطة يسهل
استيعابها؛ حيث أصبح تعاون "إسرائيل" مع الدول العربية والغربية -على حد
تعبير ديفيد أربيل لصحيفة حداشوت "الإسرائيلية" بتاريخ 29 أغسطس الماضي-
ضروريًا للقضاء على الأصولية الإسلامية، وقبل أيام تم تعيين الدبلوماسي العريق
ريتشارد شيفر مسؤولاً عن معالجة موضوع الأصولية، ويرى أربيل في صحيفة حداشوت أن
على الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط بلورة سياسة متضافرة لكبح جماح
الأصولية الإسلامية، ومتابعة تنفيذ هذه السياسة.
والسؤال الذي يلحق بهذه التصريحات والمقدمات
السابقة هو: هل هذا الاتفاق حول «غزة - أريحا أولاً» هو خطة لتهدئة الأوضاع،
والتفرغ لضرب حركة الإسلام، التي تجسد بعدها الجهادي في فلسطين اليوم «حماس» أم هو
حل تجريبي مؤقت لدراسة ردة الفعل العربية الإسلامية حول قضية التعايش مع
"إسرائيل" الدولة والاحتلال؟!
واشنطن:
أحمد يوسف
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل