العنوان الدكاكين الأمنية في سورية متى تغلق؟
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-2000
مشاهدات 56
نشر في العدد 1428
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 28-نوفمبر-2000
منذ إعلان حالة الطوارئ وتطبيق الأحكام العرفية عام ١٩٦٣م في سورية، لم تتوقف أصوات المواطنين ورجال القانون ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان عن المطالبة بإلغاء هذا القانون الاستثنائي الذي يجمع السلطات كلها في قبضة واحدة.
إن منطق التاريخ والاجتماع والسياسة أن تطاول الزمن يعين على التخلص من الأوضاع الشاذة والقوانين الاستثنائية لكن الذي حصل ومازال يحصل في سورية مخالف للمنطق والتاريخ والسياسة والاجتماع على حد سواء لماذا؟ لقد أن الأوان ليعلم كل إنسان جواب هذا السؤال وإلى متى؟
إن نداء الـ: ٩٩ مثقفًا سوريًا حول حقوق الإنسان في سورية وضرورة العودة إلى المؤسسات المدنية والقانون والحريات العامة الذي صدر مؤخرًا، ليس الأول والأخير في هذه المسألة، وإن كان الجديد فيه وجود تواقيع لنخبة من الأدباء والمثقفين من الطرف المحسوب عليه النظام مثل: «ممدوح عدوان، أدونيس، حيدر حيدر قبل سليمان أحمد معلا، واحة الراهب محمد حمدان، محمد كامل الخطيب و ... إلخ». مما يدل على أن الأمر تفاقم إلى الحد الأقصى وأخذ ينذر بخطورة بالغة لا يعلم إلا الله تعالى عاقبتها على استقرار القطر واستمراره.
ويأتي مؤشر الإنذار بالخطورة بسبب أن مرحلة التحول الحالية في سورية أعقبت خيبة أمل بالغة بعد انتقال السلطة من الرئيس إلى ابنه الذي يعد بالتحديث والانفتاح والتطوير، كان أول رد فعل سلاح أن والدة أحد السجناء السياسيين حين سمعت بتوريث بشار أجهشت بالبكاء واهتدت بحسها القطري إلى أن المأساة آليًا سوف تستمر فهل هذه الحقيقة تدركها امرأة أمية، وتغيب عن المتصدين لقيادة الرأي والتحديث والانفتاح والتطوير؟
من باب الموضوعية الباردة والحيادية المفتعلة كنا نشير إلى تقارير منظمات حقوق الإنسان وحتى الآن لم تنفع كتاباتنا ولا جهود تلك المنظمات وغيرها من السعادة للخير «حكام علماء، حقوقيين» الإصدار عفو عام عن كل المعتقلين السياسيين أو التخفيف عنهم أو معاملتهم معاملة البشر في الطعام واللباس والصحة وتنفس الهواء. واستقبال الزوار من الأهل أو معرفة مصيرهم وأعدادهم وأماكن اعتقالهم، وما من سميع وما من مجيب إن الصرخة في واد لها صدى إلا الوادي السوري، عفوًا: الجهنم السوري.
لماذا وإلى متى؟: إن المتاجرين أمنيًا بأرواح المواطنين المعارضين وغير المعارضين قد أزيح أباطرتهم – كما قيل – وإن الرئيس السوري الجديد –كما ينقل عنه أعوانه وزائروه – يبشرون بانفراج غير محدود، وقد مضت شهور على التغيرات وعلى إطلاق الوعود، وإلى الآن لم يحصل شيء بل هناك اعتقالات بالمئات جديدة فما الحقيقة؟ هل هي محاولة خداع أم عجز أم شلل في هرم السلطة؟ إن المواطن العادي ولا سيما الأب المسن والأم والأطفال لا يفرقون بين رجال السلطة وبين الصقور والحمائم بين ألاعيب وكواليس ومقالب الأنصار والمنافسين والخصوم، هؤلاء لهم أبناء أبرياء معتقلون أمضى بعضهم زهرة شبابه في الظلمات وما لا يقل عن ربع قرن إن بقي على قيد الحياة فماذا تكون محصلة القوى المتعاقبة والمتناحرة.. ودائمًا ضد الوطن والمواطن؟!
ماذا يكون إحساسك إذا علمت أن قوائم أسماء المعتقلين والسياسيين السوريين تفوق ٤٥٠٠ مواطن والمعلومات المتسربة من الذين يكتب لهم الإفراج أحيانًا تفيد أنه لا يزيد عدد الباقي منهم على ١٥٠٠ معتقل وحسب.
واقعة حقيقية: في صيف عام ١٩٨٠م نزل المواطن الأردني «محمد ق» إلى القطر السوري في زيارة، فألقت السلطات الأمنية القبض عليه بسبب تشابه اسمه مع مواطن فلسطيني – وما تهمة المواطن الفلسطيني عادة – وانقطعت أخباره عن أهله الذين قاموا بالبحث عنه والتوسط لمعرفة مصيره طوال سنوات حتى قطعوا الأمل وأعلنوا العزاء.
وفي صيف عام ١٩٩٩م تم الإفراج عن معتقل أردني أخر من أصل فلسطيني اسمه «حسن خ»، واتصل مباشرة بأهل الأول وأخبرهم بأنه مازال على قيد الحياة وهو في سجن تدمر، فليتدبروا أمرهم وحتى يصدقوا أعطاهم تفصيلات حياته والعلامات الفارقة، فجاء أخو الأول إلى سورية. وطلب مقابلة أخيه المعتقل فأجابه المسؤولون بعد النظر في السجلات الكبيرة: إنه غير موجود لديهم، ألح عليهم، فلم يفلح ذكر لهم المعلومات التي حملها السجين الثاني ورجاهم وألح في الرجاء، فمد أحد الضباط يده إلى جيبه والخرج دفترًا صغيرًا، فنظر فيه، وقال أخيرًا: نعم أخوك موجود ادفع ثلاثين ألف ليرة سورية تفرج عنه فرح الرجل وحزن في ان واحد، وقال لا أملك سوى عشرة آلاف ليرة قال الضابط: هات ما معك فسلمه المبلغ فوضعه الضابط في جيبه ثم قال له أحضر البقية واستلام أخاك فاضطر المواطن أن يرجع إلى بلده على وجه السرعة، ويستدين ويجمع المبلغ ثم يتسلم أخاه!
نحن نترك التعليق على هذه الواقعة للقراء ونترك لرئيس الجمهورية أن يحقق فيها إذا شاء، وإن كنا نعلم أنه لم يعد يخفى عليه مثل هذه الوقائع المذهلة، نستدل على ذلك من رواية ساعي خير ينصح القيادة الجديدة بفتح صفحة جديدة، وبتبييض السجون، وطي هذا الملف الأسود، وقال لأحد رموز السلطة الجدد وهو مقرب من الرئيس بات معلومًا لديكم أن هناك جهات أمنية تعودت الاعتياد بالماء العكر والأمل ألا تلتفتوا إلى وشايات هؤلاء وإلى تقاريرهم المهلكة، فقال هذا المسؤول: أريد أن أصارحك وأصارح كل معني من قادة الرأي بأن الحقيقة أخطر ليس هناك من يصطاد في الماء العكر وحسب بل هناك أيضًا من يعكر الماء ليصطاد فيه فلا تتركوا لهم فرصة للاصطياد.
إن أطراف المعارضة لا تملك إحصاء دقيقًا للمعتقلين ولا السلطة نفسها، كما نقدر لأن المعتقلين معظمهم غير منظمين، بل لأن كل جهة السنية تطلق زبانية السجن وتتكلم على الأسماء. أسماء الباقي وأسماء الشهداء وأسماء المفقودين وأسماء الذين تمت تصفيتهم تحت التعذيب أو المحاكم الصورية.. ولأن دولاب الاعتقال لم يتوقف حتى الآن على ذمة قانون حالة الطوارئ أي بلا مذكرات توقيف القضائية، ولا تجاوب مع مطالب منظمات حقوق الإنسان وتقارير إدانتها المتكررة فمتى تعلق هذه الدكاكين المظلمة. وتشرق شمس سورية المكسوفة أو الممحوقة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل