; مذكرات السلطان عبد الحميد | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات السلطان عبد الحميد

الكاتب محمد حرب عبد الحميد

تاريخ النشر الثلاثاء 16-سبتمبر-1975

مشاهدات 21

نشر في العدد 267

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 16-سبتمبر-1975

مذكرات السلطان عبد الحميد

ترجمة:

•      الأستاذ: محمد حرب عبد الحميد.

•      الأستاذ المساعد بكلية الآداب - جامعة عين شمس.

تعليق الهوامش:

•      محمد أحمد الراشد

الحلقة الثانية

حلقة مهمة

يكشف فيها عبد الحميد أسرارًا كثيرة..

مدحت

تلميذ مقلد لقانوني فرنسي دونما اجتهاد..

عبد الحميد يركز على براءته من دم مدحت..

4 مارت 1333 - قصر بيلربي

كان مدحت باشا -حسبما أذكر- آخر وزراء ساكن الجنان والدي (1). وإذا لم يكن آخرهم فإنه من أواخرهم. اكتسب مدحت باشا تقديرنا جميعًا، بحسن إدارته وتعميره لولاية الطونة، وذلك عند عودتنا من أوروبا، وكنا في معية المرحوم عمي، وكان عمي قد رأى حركة التعمير في أوروبا وأعجب بها، فبمجرد دخولنا الطونة في طريق عودتنا، ذكر عمي مدحت باشا بالخير، ودعا له.

وكان الغرض من تعيين الباشا في شورى الدولة يقصد به فتح طريق الصدارة (2) أمامه. لكن مدحت باشا لم يستطع أن يستمر كثيرًا في شورى الدولة؛ أو بمعنى آخر: في استانبول، لأن السلطان عبد العزيز لم يكن يحب إيلام عالي باشا، خاصة وأن إحساسه وشعوره تجاهه قد زاد بعد عودته من أوروبا. كان المغفور له عمي حاكمًا وقورًا وأظن أن لنابليون الثالث (3) شيئًا من التأثير على عمي في التزامه بمساندة عالي باشا بهذا الشكل، ولكن المرحوم عمي لم يكن يشعر أحدًا أنه تحت تأثير مثل هذا.

حضر عالي باشا ذات يوم عند السلطان عزيز، وحدثه عن الأهمية الكبيرة التي تحوزها ولاية بغداد، وعن تزايد النفوذ الشيعي (4) فيها، ونقل له أخبارًا متواترة عن زيارة سيقوم بها شاه العجم يهدف منها زيارة (العتبات) (5)، ثم حدثه عن عدم ثقته في إدارة تقي الدين باشا للولاية، وأخيرًا عرض عليه أن تسند إليه هذه الولاية.

كان عالي باشا واثقًا من أن السلطان لن يبعده عن استانبول، وحدث ما توقعه بالفعل، وعلى هذا قال له: (لا أجد واليًا مناسبًا من بين عبيد الباشا الرئيسي). وهكذا أصبح مدحت باشا واليًا لبغداد.

كانت حدود ولاية بغداد في ذلك الوقت واسعة جدًا، وأظن أن مدحت باشا ظل واليًا عليها أكثر من ثلاث سنوات، كما سمعنا عن التوفيق الذي أحرزه في تعميرها وتنظيمها، وسمعنا في البداية عن عدم رغبته الذهاب إلى بغداد، ولكنه كان أسفًا أشد الأسف عند تركه لها.

إن خلع مدحت باشا من بغداد، وتعيين الصدر الأعظم محمود نديم باشا مكانه كان خطأً من عالي باشا؛ فإن رجلًا لا يجتنب حتى عالي باشا منافسته لا بد وأن يكون خصمًا خطرًا على محمود نديم باشا، وفعلاً هذا ما حدث؛ فقد مر مدحت باشا قبل سفره إلى ولاية أدرنة التي عين عليها، مر بإستانبول، حيث وجد طريقًا استطاع بواسطته المثول بين يدي السلطان، وأسقط نديم باشا، واستطاع أن يحل محله.

ولكن إدارته السياسية كانت خطأً، كان كثير الاختلاط بهؤلاء الذين كان السلطان والوزراء يشتبهون فيهم. وكانت الإشاعات والأراجيف التي تشكك ليس في سلطان شرقي فحسب؛ بل وفي أكثر حكام الشرق دستورية (6) تخرج من فم الصدر الأعظم، ومن قصره.

تولدت فكرة خلع السلطان عبد العزيز أول ما تولدت عند حسين عوني باشا، وسبب هذا، أن السلطان نفاه من قبل إلى اسبرطة. كان المرحوم عمي وقوراً، وكان كريم الظن بكل إنسان، فقد عفا عن رجل حقود مثل عوني باشا، بعد فترة قليلة، وعينه سر عسكريًا (7). وهكذا ذهب عمي ضحية خطئه هذا.

باشتراك مدحت باشا في عملية الخلع، انتقل بذلك من مصاف رجال الحكم إلى عداد الثوار. ولا يستطيع حاكم قط أن يثق في رجل اشترك في عملية خلع حتى ولو كان الحاكم الجديد خصم حياة الحاكم القديم. ولم يعرف قط ثائر استطاع أن يحقق في البناء ما حققه في الهدم!

لم يكن مدحت باشا هو الصدر الأعظم وقت توليتي العرش، عينته فورًا في الصدارة، لأنه كان محل ثقة واحترام الرأي العام، ولأن الموقف كان يحمل في طياته حساسية وخطرًا غير عادي.

وإني لواثق أن لو كان مدحت باشا صدرًا أعظم حكيمًا ومحنكًا لكان ولا شك قد استمر في الصدارة حتى ختام الحرب الروسية. وجدته ينصب من نفسه ومنذ اليوم الأول آمرًا علي ووصيًا، وكان في معاملته بعيدًا عن المشروطية، وأقرب إلى الاستبداد.

والذين يعرفون مدحت باشا عن قرب لا يكتمون عظم استبداده برأيه ومواقفه. هذا هو (رامز مثلاً) من أعز أصدقاء مدحت باشا منذ أن كان واليًا على الطونة، والذي أفنى عمره خارج استانبول بسبب حبه لمدحت باشا عندما كان رئيسًا أول لمحكمة التمييز (8)، وقال أثناء بحثه إحدى المسائل المعروضة على مجلس إدارة ولاية بيروت، أثناء ما كان نائبًا عن بيروت المركز: (إن هذا شيء فكر فيه أساسًا مدحت باشا أثناء ولايته للطونة. الباشا كان يريد الحرية لنفسه فقط، وخلاف هذا كان الباشا مستبد المستبدين). وأثر هذا الكلام تأثيرًا سيئًا في أحد الوالاهين بمدحت باشا دون أن يروه، ولم يتمكن من مسك زمام نفسه، فظهر عليه الغضب. لاحظ هذا رامز مثلاً، فنادى -بعد انفضاض المجلس- على هذا الشخص، وقال له وهو ممسك بلحيته الطويلة البيضاء:

"انظر يا بني، ليست متاعب الزمن وحدها التي شيبت هذه اللحية وإنما تعاونت معها محن الغربة التي قاسيتها بسبب مدحت باشا (9)، هذا الكلام الذي أزعجك الآن، قلته مرات عديدة في مواجهة الباشا. أنا رجل لا أتحدث من أجل هذا أو ذاك، وإنما أنا رجل يتبع للحقيقة كلامه".

أصدرت المرسوم السلطاني الخاص بالقانون الأساسي أثناء صدارة مدحت باشا الثانية. ومن المعروف أن (أحرار) ذلك العهد من شعراء وأدباء اجتمعوا مساء يوم صدور مرسوم القانون الأساسي في قصر مدحت باشا، لا ليتحدثوا في أمور الدولة، بل في أمور السكر والعربدة، وهم يحتسون الخمر، ومدحت باشا يدمن الخمر منذ شبابه، ومشهور عنه هذا.

والتقت نشوة الخمر بالنشوة التي بعثها إعلان القانون الأساسي، وعندها نهض من على الأكل خرج مستندًا على ذراعيه لكيلا يقع، وبينما كان يغسل يديه قال لزوج أخته طوسون باشا وهو يؤرجح لسانه:

"يا باشا: من يستطيع هذه المرة، وبعد كل هذا أن يبعدني عن مكاني؟! .. من؟! قل لي: كم عامًا سأظل في الصدارة العظمى؟!"

رد عليه طوسون باشا قائلاً:

"إذا بقيتم على هذا الحال فليس أكثر من أسبوع".

قال له طوسون باشا هذا الكلام وهو يدفعه إلى جناح الحريم. أبلغت بما حدث في نفس ليلة حدوثه.

أنا لا أغض من قيمة مدحت باشا؛ فهو كان واليًا فعالاً ومستقيمًا. لكن بقدر مزاياه كانت فيه عيوب. لم يكن يدرك بنفس إدراك صفوت باشا وأدهم باشا فيما يوجبه الوقت من أمور سياسية.

عندما كان واليًا على الطونة، كان يشجع على تدريس اللغة البلغارية في المدارس البلغارية ويلتزم بهذا.. نبهوه إلى العواقب الوخيمة التي تؤدي إليها هذه السياسة، فقال لهم: (ليدرسوا بأي لسان). ومعروف أنه أصر على قراره، لأن له لمعة ظاهرة.

كانت مسألة استشهاد السلطان عبد العزيز في يد القضاء خطوة بخطوة، ولم أتدخل في شيء سوى في تخفيف قرار الحكم بالإعدام، وأنا كان موته غير طبيعي، فليس لي دخل فيه.

بعد وفاته بعشر سنوات تقريبًا، نشرت في أوروبا رسالة باللغة التركية وردت فيها مجموعة من التفصيلات والأسماء المشتركة في قتله. وإذا كان ما ورد في هذه الرسالة صحيحًا، فيتضح منها أن ليس بين المشتركين في الحادثة من ينتمون لي، وأن ليس لي علاقة بها.

في الحقيقة أنني كنت دائم التخوف من مدحت باشا، ولكن وقت صدور حكم المحكمة رأيت أن إنسانًا معروفًا بهذا القدر يستوجب ألا ينفذ فيه حكم الإعدام.

ثم ما الفائدة فيما لو قتلته؟! بكل تأكيد أنني لن أفيد شيئًا إذا وضعت عدوي في مصاف الشهداء.

سأعترض أن هذه الفرية الموجهة ضدي صحيحة، وأقبلها على علاتها. فكم من خليفة محا من الوجود في لحظة كل من تخوف منه أو وجده يعمل ضده!

ألم يعدم الخليفة العباسي المنصور -وهو من أكبر الخلفاء المسلمين- أبا مسلم الخراساني، صاحب الفضل على الأسرة الدوانقية؟!

وهارون الرشيد، ألم يعدم جعفر البرمكي، وكان من أصدقائه الخلص؟! بل ولم يقتنع بهذا فقط، وإنما ظلم أقاربه أيضًا!

أليس هذا أخطر من معاملتي لمدحت باشا؟! خاصة وأنني اكتفيت فقط باتخاذ الإجراء الاحتياطي ضد اعتداء متوقع من مدحت باشا، الذي لو وجد الفرصة لإيذائي لفعل، وهو ما كنت أتوقعه.

لم ألحق أدنى ضرر برجال من رجاله على الإطلاق، وكنت أمرت بصرف مرتبه إلى أسرته، بل وعينت بعض رجاله في الوظائف المختلفة التي وصلت أحيانًا إلى درجة الصدارة.. مثل عبد الرحمن باشا، وخليل رفعت باشا، عندما رأيت صلاحيتهم. وعينت من رجاله أيضًا: المشير شاكر باشا، ورائف باشا، في مراكز الدولة الهامة.

إن سرعة تنفيذ السلطان محمد الفاتح الإعدام في صدر أعظم له، جليل القدر، رغم أنه أحرز النصر للعثمانيين في موقعة فارنا، وهو خليل باشا، لم تكن سرعة التنفيذ هذه معاملة ترتكز على أسطورة خطاب تظهر منه خيانته وتحريضه الأروام على المقاومة.

وهل يمكن إنكار صلة صوقوللو محمد باشا العميقة بالسلطان مراد الثالث عندما أعدمه شهيدًا؟! وفي حادثة علمدار مصطفى باشا، هل قدم جدي السلطان صاحب الجلالة محمود (10) خيرًا إلى الباشا؟

ليست هناك حاجة للبحث عن أمثلة تاريخية بعيدة هكذا. منذ أربعة أعوام قرأت في (تقويم وقائع) أن سبعة عشر رصاصة أطلقت على محمود شوكت باشا (11)، وهو صدر أعظم مهيب ووزير الحربية، فمزقته مع ياور له أربًا أربًا، أمام وزارة الحربية، وفي وضح النهار. ومع علم الحكومة مقدمًا بمكان وساعة اغتياله، فإن رجلاً واحدًا من رجال الشرطة أو الحرس لم يعثر له على أثر في مكان الحادث. ولو لم يكن الذي لم يتمكن من الفرار بالعربة أعرجيًا، فربما كان المدنيون قد اختفوا، مثلهم في ذلك مثل رجال الشرطة.

إصراري هكذا في مسألة مدحت باشا كان بسبب تأثري ونفوري جدًا من ذلك العناد العام الذي يعمل على أن يبدي هذا الاسم في صورة بقعة ملتصقة بحياتي.

يقولون إن مدحت باشا هو واضع القانون الأساسي في الدولة. في الحقيقة أنه كان مؤيدًا قديمًا للمشروطية. لكن تحيزًا ظهر من كثرة ترديد اسمه وذكره ومدحه في بعض الكتب.

مدحت باشا لم ير غير فوائد الحكم المشروطي في أوروبا، ولكنه لم يدرس أسباب هذه المشروطية ولا تأثيراتها الأخرى. اقتناص (الملفات) لا تصلح لكل مرض أو لكل بنية، وأظن أن أصول المشروطية لا تصلح لكل شعب ولكل بنية قومية. كنت أظن أنها غير مفيدة، أما الآن فإنني اقتنع بضررها.

لم يكن مدحت باشا قد درس أي قانون أساسي في أية دولة من الدول عندما اقترح على ضرورة إعلان القانون الأساسي، ولم يكن له في هذا الموضوع فكر متأصل. كان أوديان أفندي، أستاذه الفكري (12)، وأوديان أفندي هذا لم يكن في ذلك الوقت أفضل مشرع عندنا، خاصة أنه لم يكن يعرف البلاد. وأظن أن عدم المعرفة هذه ذهبت مع مدحت باشا حتى قلعة الطائف.

في عام 93 أمد كل من حضرات ضياء باشا وكمال بك وعابدين باشا لائحة للقانون الأساسي، كما أمد كل من كاتب سري سعيد باشا لائحة، وناظر المدارس الحربية المشير سليمان باشا لائحة أخرى، وقدموا لي هذه اللوائح. لم يكن بين هؤلاء السادة توافق أفكار قط. كان كمال بك معارضًا لمدحت باشا، ومعارضًا مع أصدقائه لسعيد باشا، في هذا الموضوع، وقدم لي ما يقرب من عشرين عريضة، محفوظة ضمن الأوراق التي نقلت إلى وزارة الحربية من يلدز. وهذه الأوراق لا تزيد عن كونها أوراقًا تاريخية، ولذلك يحدوني الأمل في ألا تكون قد نهبت أو بيعت.

المعارضون للقانون الأساسي من طبقة الخواص كانوا أكثر من المؤيدين. كان أدهم باشا (13) وكثير من الوزراء الآخرين وأصحاب النفوذ من رجال الدولة ضد إعطاء حرية كاملة للشعب من الشعوب دون ثان وإعداد، حتى إن وزيرا جريئًا في الحق مثل خير الدين باشا التونسي قال لي ذات مرة عندما كان في الصدارة العظمى: (ينبغي التفكير كثيرًا قبل تسليح أوجاق بالقانون)، وهو نص تعبير خير الدين باشا.

لم أكن أستطيع الوقوف أمام تيار ذلك العهد، وقلت: (ما دامت الأمة تريد تجربة مسؤوليتها عن مقدراتها وحكم نفسها فليكن ما تريده الأمة). واخترت من بين لوائح القوانين الأساسية لائحة مدحت باشا، وصدقت عليها بعد أن أدخلت عليها تعديلات جزئية، وأصدرت المرسوم السلطاني المعروف.

كنت مجبرًا في البداية على تفضيل لائحة مدحت باشا على لوائح الآخرين؛ فقد كان من الضروري أن نقدم للشعب مريض أُفصح بأن اسم (مدحت) يساوي بحساب الجمل (دواء الأمة) أن نقدم له الدواء الذي طلبه، ولم أكن أستطيع إسكاته بصورة أخرى.

أعد مدحت باشا العدة لحرب روسيا، وبينما كان مجلس الأمة شاهدًا متابعًا لسير الحرب، فقد أرادوا أن يحملوني كل الكوارث وسوء الطالع الذي نتج عن هذه الحرب، وأن يحصروها في نطاقي. وما زالت هذه الاعتراضات والتعرضات تتكرر هنا وهناك.

أقرر بجهة عالية، وأثبت بالوثائق، أن الشعب وقع على معاهدة أياستفانوس، أي أننا قد حققت مقررات مؤتمر برلين (14).

وأني لم أبعد عن فكري منذ جلوسي على العرش إلى يوم تركي له أن الحرب آفة تضر بالأمة. كم من المتاعب وجه إلي من قريب ومن بعيد لأنني حللت (مسألة قلية) دون حرب. وعند قبول الحرب مع اليونان فكرت كثيرًا في أن المعارضين ليقلبوا الأمور ويزوروها، ووضعوا تخوفاتي اللازمة والمحقة في أشكال ومعاني مختلفة.

فكرت كثيرًا في موقفي من دخول هذه الحرب العامة (15)، لأني لا ألتفت لفريق دون اقتناعي اقتناعًا حسابيًا بانتصاره.

الحرب أكبر آفة للأمم. حتى المنتصرون فيها، فإنهم يمحون أممهم ويرهقونها.

اعتقد مدحت باشا كثيرًا في أن الأمة تحبه حبًا جمًا، ولم ير داعيًا لكتمان: أني لو عزلته فستقوم في البلاد ثورة ضخمة، وأنه من الممكن خلعي أو حتى إعدامي.

والذي حدث عندما أبعدته إلى أوروبا: أن أحدًا لم يفتح فمه، وهنأني كثير من الوزراء ورجال الدولة، ونظم الشعراء القصائد في مدحي، وهجوه أيضًا بالقصائد، ونشروها في الصحف والكتب، ومن بين هؤلاء الغازي أحمد مختار باشا، الذي يعترف في مذكراته التي نشرها أخيرًا، وبعد مرور ما يقرب من الثلاثين عامًا على هذا الحادث، بمغامرة له متفرعة من هذه المسألة.

لم أكن أرى أنه من اللائق الحديث في هذه المسألة هنا، لو لم يكن مدحت باشا قد أبدى هذه الدرجة من السذاجة. ولا أود الحديث عن مدى جدارة أمة بالحكم المشروطي يصمت قوامها ويقدم خواصها الشكر عند إبعاد ولي نعمتها الذي أعطاها الحرية ولم يجف بعد مداد صنيعه!!

والذين أعلنوا أني أعظم مناصر للحكم الاستبدادي، وأني أكبر مستبد في العالم، لا شك أنهم سيعترفون بالحقيقة بعد موتي، وسيتراجعون عن موقفهم تجاهي.

يسألون: لماذا حاكمت وأدنت مدحت باشا؟ ويقصدون: مؤاخذتي!!

هنا حادثة محددة، وليست منوهة، وهي وفاة المرحوم عمي الدامية. هل انتحر السلطان عبد العزيز أم قتلوه فاستشهد؟

إني مقتنع الآن بأن عمي العزيز لم يمت منتحرًا، بل مقتولاً.

أولاً: تقرير الطبيب مطاط جدًا، ويمكن مناقشته بواسطة أكبر علماء الطب في العالم. كيف يستطيع منتحر أن يقطع شرايين ذراعه اثنتين؟! لقد لفت هذا انتباه الأطباء في ذلك الوقت، وتناوله الأدباء في كتبهم.

سطور مشبوهة في كتاب (أس الانقلاب) للمرحوم أحمد مدحت أفندي نشرت قبل محاكمة مدحت باشا وإدانته بحوالي أربع سنوات. وأحمد مدحت أفندي لم يكن عدوًا للباشا، بل كان من رجاله، من عبيده.

أجريت المحاكمة علانية. لم تسبقها معاملة على خلاف أصول المحاكمات، وبجانب الشهود توجد إقرارات بعض المجرمين.

الادعاء بأن أعضاء ودوائر محكمة الجنايات والتمييز مهينين وفاقدي الضمير بالدرجة التي ينحرفون فيها عن العدل والحق في مسألة هامة مثل هذه المسألة: ادعاء من شأنه تحقير كل الأمة التي مدحت باشا فرد من أفرادها.

طلبت تشكيل هيئة على مستوى عال من الوزراء وعلماء الدين لكي تطلع على حكم أخذ مجراه في المحاكم وتبحثه. لم أمارس ضغطًا على أحد سواء ماديًا أو أدبيًا، حتى إن بعض أفراد هذه الهيئة كان ثابتًا على أفكاره بغاية الحرية. وإذا راعينا الذمة، فإن بعضهم عرض حتى بشخصي على كل حال، فإن الأصوات المجتمعة لم تستطع أن تكون أغلبية لصالح المتهمين، وكنت في هذا الخصوص أكثر إنصافًا من هذه الهيئة المكونة من أعاظم رجال الدولة، ورحمت حياة المتهمين، ولم ينفذ حكم الإعدام في أحد منهم. أورد دليلاً عقليًا أقوى من تقرير الطبيب ومن حكم المحكمة.

كان السر عسكر حسين عوني باشا هو صاحب فكرة خلع السلطان عبد العزيز، وقد زج حسين عوني باشا بمدحت باشا وببقية المشتركين في عملية الخلع. سبب خصومة السر عسكر للسلطان: أن السلطان جرده ذات يوم من رتبته ونياشينه، ونفاه مقهورًا إلى بلدته اسبرطة. ولم ينس هذا حسين عوني باشا الحقود، بل انتقم له في أول فرصة.

أما الإسراف وغير ذلك فترهات وكذب. حسين عوني باشا أظهر أثناء عملية شراء بنادق (مارتيني هنري) أنه شخص غير متعصب أمام الإضرار بالخزينة (16)، وبقدر ما كان حسين عوني باشا حقودًا بقدر ما كان محتاطًا. أنه لم يكن يريد للسلطان عزيز الانتحار، بل كان يريد له الحياة ليرى في السلطان يومًا يشفى فيه منه. ويوجهون على هذا أيضًا، ذلك الخطاب المحزن الذي أرسله من طوب قابي إلى السلطان مراد. وليس هناك من حاكم مخلوع يود الموت قبل أن يرى ويسمع شعبه وهو يبحث عنه بندم.

مرض السلطان مراد كان محسوسًا ومشاهدًا منذ اليوم الأول لمراسم البيعة له. أخذ السلطان مراد على غرة. الموالون له كثيرون جدًا. رأى السر عسكر الخبيث غداة الخلع أن رد فعل كبير سيحدث لصالح السلطان عبد العزيز خلال مدة قليلة، لذلك رأى وجوب إزالة الخطر بأي صورة من الصور. وهذا هو السبب الذي أدى إلى حادث استشهاد السلطان عبد العزيز.

بعد التحقق من أن ما وقع كان قتلاً ولم يكن انتحارًا، تأتي في الدرجة الثانية مسألة وجود أو عدم وجود أبرياء بين المتهمين.

(تذكرت الآن وبعد كتابة هذه الأسطر مسألة أود تسجيلها قبل نسيانها. كان كل من حسين عوني باشا ومدحت باشا ورفاقهما في الحادث ينتظرون بحماس مجيء طلاب المدرسة الحربية في (بشيك طاش). حينها تصوروا أن الساعة المتفق عليها جاءت ومضت، فتحدثوا مع بعضهم البعض قائلين: «آه.. سليمان باشا اتفق معنا ثم خاننا!»).

هذه الحادثة حقيقية، ولا يستطيع أحد إنكارها.

نعم إن مسألة وجود أو عدم وجود بريء بين المتهمين تأتي في المرتبة الثانية بعد ظهور أن الجرم لم يحرف أو يفتأت. وإذا ظهر نسيان فمرده إلى قضاتهم.

يدعون أن مدحت باشا ومحمود باشا خنقا ذات ليلة في سجون قلعة الطائف بأيدي ضباط وجنود معروفين بالاسم، حتى لو كان هذا صحيحًا، فليس لي دخل فيه، وحتى لا أرضى عنه.

أنقل هنا واقعة خطرت على بالي كما هي، أريد بذلك أن ألقي الضوء على التاريخ، وأؤيد واقعة ادعائي بالتاريخ.

كان أمير مكة وقت إرسال المتهمين إلى الطائف هو الشريف عبد المطلب. كانت عداوة الشريف لأركان عملية الخلع، وخاصة مدحت باشا، صريحة وواضحة. سمعت أنه ضرب القيود الحديدية على أقدامهم، فأمرت فورًا بتجنيبهم سوء المعاملة. وعلى ما هو معروف، فإن والي الحجاز وقائده عثمان باشا اعتقل الشريف عبد المطلب، وعزله من الإمارة.

كتب إلي الشريف عريضة في ذلك الوقت قال فيها: إن محاولة حدثت من بعض الأجانب لتهريب مدحت باشا ومحمود باشا إلى مصر، وإنه منع هذا التدخل، والمعاملة التي لاقاها كانت بسبب هذا.

لم أصدق كلمة واحدة من كلام الشريف عبد المطلب، ومع هذا فإن ادعاءه لم يكن خالياً من الأهمية بالقدر الذي يحدو بي إلى إهماله. أخطرت عثمان باشا بأنه في حالة هروب هذين الباشوين، فإني سأسائل الحرس شخصياً، ولن أقبل في هذا الأمر عذراً أو تعليلاً.

أبلغ رضا باشا سكرتيري في ذلك الوقت إرادتي إلى عثمان باشا. ورضا باشا كان رجلاً جاداً في شخصيته، جاداً في كلامه. وقد استأذن مني في هذه المناسبة أن ينبه بعدم إيذاء المتهمين أو الضغط عليهم كثيراً، مراعاة لما تقتضيه الإنسانية، وقد استصوبت كلامه بتقدير. ولا بد أن مسودة هذا موجودة بين أوراق القصر الآن.

أفكر الآن أنه ربما سيكون الحراس قد خافوا من رؤسائهم ورأوا من المناسب تنفيذ الأمر الواقع، وأن ذلك يتوافق مع منفعتهم وسلامتهم. إنما أردف قائلاً: إن التقرير الذي جاءني يقول: إن ميتة الاثنين طبيعية، ومرفق بها شهادات الأطباء (17).

هذا ما أردت التحدث به عن مدحت باشا، وأعود فأكرر أنني كتبت هذه الأسطر، ليس من أجل ذاتي، وإنما من أجل حماية اسمي من هجاء غير عادل.

ليس معروفًا كم سأعيش بعد هذا، فالموت يقترب مني، وأحس بوقع أقدامه. وإذا أيقنت أن يومًا سيأتي يعرف فيه كل شخص هذه الحقائق، فإنني أموت وأقابل ربي الذي أؤمن به دائمًا، وأثق في عدله وألطافه بضمير مستريح.

المراجع والشواهد

(1) السلطان عبد المجيد.

(2) الصدارة العظمى تقابل رئاسة الوزراء اليوم.

(3) حاكم فرنسا ذاك، وهو غير نابليون الفاتح، وبينهما أكثر من نصف قرن.

(4) هذه النصيحة لها أهمية مضاعفة في عرف العثمانيين، فإنهم أصحاب صلابة في حمل العقيدة السنية، إضافة للمؤشر السياسي المقترن بذلك، نظرًا للمنافسة القائمة عبر القرون بين الدولة العثمانية والدول الفارسية الشيعية.

(5) أي قبر علي رضي الله عنه بالنجف، وقبري الحسين والعباس ابني علي بكربلاء، وقبري علي الهادي والحسن العسكري بسامراء.

(6) ليس هذا تبجحًا من عبد الحميد وإسرافًا في وصف نفسه أو وصف عمه عبد العزيز، فإن تحليل التاريخ لا بد يضبط بنظرات نسبية، ومن الخطأ تحليله وفق الوقائع الحاضرة والأعراف السياسية السائدة هذا اليوم.

(7) رتبة سر عسكر تقابل وزير الحربية اليوم.

(8) تقابل محكمة النقض والإبرام بمصر، ولا يزال هذا الاصطلاح العثماني الجيد سائداً في العراق وسوريا وغيرهما.

(9) أي الأذى الذي ناله بسبب حبه لمدحت وانتصاره له الراشد.

(10) السلطان محمود الثاني، وهو مشهور بمذبحته للانكشارية والقضاء عليها.

(11) محمود شوكت سليمان أحد أبناء عائلة جورجية استوطنت بغداد منذ قرنين، وكان من كبار الانقلابيين على عبد الحميد، وهو الذي تولى قيادة فيلق الحركة الذي احتل استانبول وأخمد الثورة المناصرة لعبد الحميد، ثم صار رئيسًا للوزراء، لكنه انسحب من حزب الاتحاد والترقي، وتزعم حزب الائتلاف المنافس لأنور ونيازي، فدبروا قتله سنة 1913. وكان أبوه سليمان فائق من كبار موظفي ولاية بغداد، ومن أشهر المؤرخين البلغاء لحوادث العراق، وولده الأصغر حكمت سليمان سياسي معروف في العهد الملكي في العراق، وتولى رئاسة الوزراء أيام انقلاب بكر صدقي سنة 1936، وناصر الاتجاه الشيوعي المترعرع في العراق ذاك، وتعاطف مع الثورة الشيعية في الفرات الأوسط.

(12) في هذه الإشارة البارعة من عبدالحميد لتلميذ مدحت لهذا القانوني الفرنسي المشار للدولة العثمانية، كفاية لدعاة الإسلام لتلمس طبيعة الصراع الفكري العقائدي بين خليفة امتلأ توقيرًا للشريعة، ووزير منفلت منها، غربي النزعة والتربية.

(13) عمل صدرًا أعظم، وكان مدرسًا للسلطان عبد المجيد.

(14) عقد مؤتمر برلين في أعقاب الحرب العثمانية الروسية، واستطاع الوفد المفاوض أن يضيق حجم المكاسب الروسية.

(15) الحرب العالمية الأولى 1914–1918.

(16) ورع عبد الحميد يمنعه من اتهام عوني بالارتشاء، بلا دليل واضح، وما هو إلا خُلق الارتشاء الذي مازال يظهر في رجال الدول بين الحين والآخر. أفليست هي صدمة كبيرة لعبد العزيز تبرر له استرداد نياشين استعجل في إغداقها على نفس ضعيفة ليست أهلاً لها؟

(17) تنبيه عبد الحميد على ما في هذه القرينة من دليل يبرئه بعد استطراد شعبنا في الاحتجاج، إذ لا يبلغ الخوف بالحراس إلى القتل، ولا يفند القاتل المنفذ طبيبًا يزوده بتقرير يبعد الشبهة. وإلا ظهر عندنا ما رجحناه سابقًا من قتل عملاء الدول الكبرى لمدحت، ليتيحوا لأنفسهم التعامل مع طبقة من الثوار الشباب هم أطوع في أيديهم وأسلس وأبعد انقيادًا. ولا ينفي ذلك قصة محاولة اختطافه من الطائف وتهريبه إلى مصر، فإن ذكر مصر يصرف الذهن إلى أن المحاولة إنكليزية، وسيحدثنا عبد الحميد عن أن ثوار سالونيك، الذين يوجههم المحفل الماسوني الألماني هم الذين نجحوا في الانقلاب عليه، مما لا يبعد معه أن يكون للألمان ضلع بمقتل مدحت، لسهولة سيطرتهم على الشباب، التي ذكرناها آنفًا، بمقابل استبداد مدحت وغطرسته، وللهوى الفرنسي الإنكليزي المستولي على مدحت، المبعد له عن ألمانيا، ومازال التنافس بين الأجنحة تبعًا لارتباطاتها بالمعسكرات الدولية قائمًا على أشده بين مجاميع الثوار وأحزاب اليوم كما كان زمن مدحت.

 

الرابط المختصر :