العنوان أبو إياد: الشجاعة في مواجهة المتطرفين
الكاتب عبدالعزيز العمري
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1989
مشاهدات 60
نشر في العدد 910
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 28-مارس-1989
- أبو إياد اكتشف أخيرًا أن هذه الأرض ليست للفلسطينيين وحدهم.
«وحتى لا أخدعكم فإننا في الماضي كنا نعتقد أن هذه الأرض هي أرضنا وحدنا، ولم نكن نؤمن بفكرة التعايش بين دولتين»
«كل ما حدث للشعب الفلسطيني وللشعب الإسرائيلي... الدماء التي سالت، الضحايا، المشوهون، كل هذا جعلنا نتحرك للتجاوب مع كل طفل فلسطيني وإسرائيلي»
هذا ما ذكره السيد صلاح خلف «أبو إياد» الرجل الثاني في فتح في كلمته التي ألقاها عبر كاسيت فيديو أمام الندوة الدولية للسلام المنعقدة في القدس المحتلة.
والذي يقرأ النص الكامل لكلمة أبي إياد ومجموعة تصريحاته في الأشهر القليلة الماضية يلحظ وبوضوح جدًا حجم تلك النقلة في مواقف أبو إياد تجاه قضايا الحلول السلمية والتسويات السياسية مع اليهود.
فبعد أن كان أبو إياد يظهر في العادة بالتشدد إزاء أية تنازلات أو دعوات للحلول السلمية أو الاعتراف باليهود والتفاوض معهم... نجد أن تصريحاته ومواقفه الأخيرة حاولت إزالة كل صفات التشدد... وتقديمه بصورة رجل السلام... والواقعية والمرونة بحيث أصبح يسابق ويزاحم كل أصحاب هذا الطرح.
- هذه الأرض لمن؟
مسألة أرض فلسطين وملكيتها.. يتناولها السيد أبو إياد قائلًا: كنا نعتقد أن هذه الأرض هي أرضنا وحدنا، موضحًا –حسب قناعاته ومواقفه– خطأ هذا الاعتقاد وحجم الظلم والتجني الذي مارسه الشعب الفلسطيني ضد اليهود الذين لهم –كما يفهم من الكلام– الحق أيضًا في هذه الأرض.. حسب الحقيقة التي اكتشفها السيد أبو إياد أخيرًا...
كذلك فإن تناول موضوع «الشعب الإسرائيلي» والحديث عن تضحياته وآلامه يكسر قلوب الشعب الفلسطيني الذي ما زال يعتقد بأن اليهود هم سبب مأساتنا طوال هذه السنين وأن «الشعب الإسرائيلي» هو شعب محتل دخيل... جاء من شتات الأرض وتجمع في فلسطين وشرد أهلها واعمل فيهم –ولا يزال– قتلًا وتعذيبًا واضطهادًا... هذا الشعب الذي ينام ويستيقظ على القمع اليهودي... يرى أن كل ذلك ينسى ولا يكون له اعتبار عند القادة وكأن شيئًا لم يكن.
. مواجهة المتطرفين!!
يقول السيد أبو إياد في كلمته، ولكن يجب أن نذكركم أنه كما يوجد لديكم «بعض» المتطرفين يوجد لدينا أيضًا «الكثيرون» من هؤلاء... ولكن الشجاعة الحقيقية هي في مواجهة هؤلاء المتطرفين وليس التقهقر أمامهم».
وفي تصريح آخر له لجريدة الاتحاد قال: «إن وجود دولة فلسطينية يحقق الاستقرار في المنطقة ويحول دون هيمنة المتطرفين الأصوليين والقوميين على الساحة» فالمتطرفون والأصوليون الذين يعتبرهم أبو إياد خطرًا هم الذين يؤمنون بأن فلسطين هي ملك الفلسطينيين... ولم يكتشفوا بعد ما اكتشفه هو عن حق اليهود في فلسطين... هم الذين ينادون بتحرير فلسطين شبرًا شبرًا ويرفعون شعار «من البحر إلى النهر» هم الذين ثبتوا فلم يغيروا ولم يبدلوا ولم يتنازلوا أمام الضغوط أو الترغيب أو الترهيب... المتطرفون... والأصوليون الذين يحذر منهم هم الذين بقوا أوفياء لدماء الشهداء وتضحيات المجاهدين عبر العصور والدهور..
وكي لا نستبق الأحداث... وكي لا نتكلم في النوايا... نقول إنه ما زال غير مفهوم لدينا ما يقصده أبو إياد بقوله: «ولكن الشجاعة الحقيقية هي في مواجهة هؤلاء المتطرفين» ... وما نرجوه حقًا أن لا يكون القصد من ذلك هو الصدام مع هؤلاء أو التلميح عن الاستعداد لضربهم ومواجهتهم.
ولعل هذه النقطة هي إحدى النقاط التي تثير مخاوف بعض الإسلاميين حين يبرز السؤال الافتراضي: إذا قبل الطرف الفلسطيني بتسوية سلمية مع اليهود... ماذا سيكون موقفه من الإسلاميين ومن كل أبناء الشعب الفلسطيني الرافضين للتنازل عن الأرض.. هل سيتركون وشأنهم لينجزوا ما لم يستطع هو فعله؟! أم إنه سيكون من متطلبات الحل أو التسوية ملاحقة هؤلاء والتضييق عليهم ومنعهم من مواصلة الجهاد بحجة عدم إعطاء اليهود مبررًا لنقض ما تم التوصل إليه في التسوية... وبحجة الوفاء والالتزام بالعهود والضمانات التي أعطيت لهم... وعلى كل حال فإننا نرجو أن لا يكون كلام أبو إياد إجابة على هذا التساؤل بقوله: «الشجاعة في مواجهة هؤلاء وليس التقهقر أمامهم».
- مفاوضات مباشرة
ومن النقاط الملفتة للانتباه هو أن السيد أبو إياد ذهب في دعواته السلمية التطمينية لليهود إلى أبعد مما ذهب إليه رموز هذا الاتجاه في الساحة الفلسطينية.. حيث تضمنت كلمته دعوة إلى المفاوضات المباشرة بين المنظمة و«إسرائيل»....
حيث يقول: «نحن نؤمن باللقاءات المباشرة ونحن مستعدون لمثل هذه اللقاءات، ونقول هذا علانية وعلى أي مستوى، وليأت الإسرائيليون وليجتمعوا معنا سرًا أو علانية أو بأي طريقة أخرى» «لذلك لا نرى في المؤتمر الدولي هدفًا وإنما وسيلة لضمان أمن الدولتين من خلال الاتفاقية الدولية والمهم بالنسبة لنا هو إجراء هذه الاجتماعات والاتصالات والحوار قبل المؤتمر ليتحول المؤتمر بذلك إلى منتدى لجعل اتفاقيتنا مثمرة»
- مشاعر الفلسطينيين.
ويتحدث أبو إياد في كثير من الفقرات باسم الشعب الفلسطيني موحيًا بأن كل هذه المواقف والتصريحات يوافق عليها الشعب المصابر الذي لا زال يرزح تحت وطأة الاحتلال أو الذي يعاني من التشرد في دول الشتات... حيث يقول: «فهذه القرارات لم تتخذها القيادة فقط، بل وافق عليها مجلس تشريعي يمثل الشعب الفلسطيني بأكمله» «وأقول لكم إن قرارات الجزائر وتصريحات عرفات في المؤتمر الصحفي في جنيف تعكس المشاعر الحقيقية لكل فلسطيني».
ولن ندخل في نقاش حول المجلس التشريعي وجدلية تمثيله أو عدم تمثيله للشعب الفلسطيني فهذه نقطة رأينا فيها واضح.
لكن هل حقًا أن الشعب الفلسطيني يوافق على التنازل عن الأرض والتعايش مع يهود؟! نحن نختلف مع أبو إياد تمامًا في هذه النقطة –كما هو الحال مع كل أطروحاته الجديدة– وليتسع صدره لكلامنا الذي لا نجامل فيه أحدًا... فنحن نعتقد –عكس ما يظن السيد أبو إياد– بأن الغالبية العظمى من شعبنا ترفض التنازل عن شبر واحد من أرض فلسطين مهما كلفها ذلك من تضحيات وآلام... وأن غالبية شعبنا لم يروض بعد ولم يتقبل الوجود اليهودي البغيض رغم كل محاولات تجميله... وأن المشاعر الحقيقية للفلسطينيين تعبر عنها كل يوم وثبات المجاهدين في أرض الرباط ضد جنود الاحتلال وضد المستوطنين –جنود الاحتياط في جيش العدو– مشاعر الفلسطينيين تعبر عنها نظرات أولئك الأطفال الذين قتل اليهود آباءهم واعتقلوا إخوانهم ودمروا بيوتهم... مشاعر الفلسطينيين تؤججها يوميًا دماء الشهداء والجرحى وآهات المعتقلين الصامدين.
ثم هل أتاك نبأ انتفاضة المآذن التي انطلقت معلنة الجهاد تلبية لاستغاثة امرأة اعتدى عليها اليهود بالضرب أمام المسجد الأقصى... حيث كانت تحاول منع الجنود من ضرب طفلها الذي قذفهم بالحجارة فقاموا بضربها وطرحها أرضًا وتمزيق ثيابها... فاستغاثت بأحد أئمة المسجد الأقصى الذي سارع ليؤذن للجهاد... فاستجابت كل مآذن القدس داعية المسلمين المسارعة لنجدة إحدى نسائهم قبل أن يدنس اليهود شرفها.... هل بعد ذلك نقول إن مشاعر الفلسطينيين مع السلام أو التعايش مع هؤلاء... الفلسطينيون وكل المسلمين ما زالوا أحياء... لم تمت قلوبهم ولم تتبلد مشاعرهم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل